يعد هذا الكتاب الثالث عشر لمؤلفه الدكتور خزعل الماجدي في مجال حقل الأسطورة والأديان الوضعية القديمة, في سومر وبابل ومصر وكنعان, وفي هذا المجال كتب الكثير من المؤرخين والباحثين لكن الكتابة عن الآراميين مازالت قليلة, يقول الماجدي في المقدمة: يشوب تاريخ وتراث الآراميين ضباب كثير, ولا يجد الباحث إلا النذر اليسير من الآثار والكتابات واللقى التي تتحدث عن هذا التراث قياسا إلى الأقوام المجاورة التي سبقتهم أو زامنت وجودهم. ولهذا الغرض يكرس المؤلف الجهد لمتابعة انطولوجيا الآراميين في التاريخ, وهو جهد بكر في مجاله وأحيل في مردوداته العلمية سلفا. في الفصل الأول يتناول ظهور الآراميين رغم غموض بداية الظهور لكنهم ظهروا كمستوطنين في شمال وادي الرافدين الذي يصل زمنيا إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد, أما مكانيا فقد وجدوا فيما بين آشور وآكاد باتجاه الفرات في الألف الثالث قبل الميلاد وانتهت بآرام في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد, وقد هاجرت قبائل احلام (أحلاموا) باتجاه الفرات وعبرته واستقرت لزمن طويل في جبل البشري أو جبل باشار غرب الفرات, أما قبائل ارام فقد بدأت بالاستقرار في مناطق شرق وغرب الفرات الأعلى والأوسط, وتسلقت إلى أعالي وادي الرافدين, وكانت في كل حركتها هذه تتحاشى الاصطدام بالآشوريين وكالح, كما ان القبائل الآرامية اتجهت شمال سوريا في هذه المرحلة. يستعرض المؤلف قبائل الآراميين في عصرهم المستقر (القرون من 15 ـ 11) ق.م, ثم عصر الممالك الآرامية من (1000ـ539 ق.م), ويستقرأ الممالك الآرامية في العراق القديم, كذلك يدرس ممالك الوسط مثل آرام صوبا ومعكة وجيشور وطيبة ورحوب, ويختم الفصل الأول بدراسة اللغة الآرامية نحو القرن السادس إلى السابع (ق.م), ويؤكد ان تاريخ اللغة الآرامية قد تطور كثيرا منذ ظهور الآراميين بسبب احتكاكهم بالأقوام السامية وغير السامية التي جاورتهم, ولا نعرف عن هذه اللغة شيئا حتى بداية الألف الأول قبل الميلاد حين ظهرت النصوص الأولى المكتوبة بحروف آرامية. من دراسة النشأة والتكون والتطور للآرامية إلى دراسة الدين الآرامي الذي ينقسم بدوره إلى ثلاثة مكونات رئيسية هي الأسطورة والمعتقد ثم الطقوس, لكن الماجدي في الفصل الثاني يتناول الجوانب الاسطورية في المعتقد الآرامي. لقد حفل التراث الأسطوري الآرامي شأنه شأن التراث السومري والآشوري والاكادي بأنواع كثيرة من الكائنات الخرافية هذا ما تركته الآثار المنقوشة والمنحوتة كما كبيرا في هذه الكائنات واجمالا يدرس الماجدي أربعة أنواع أساسية من هذه الكائنات مثل العفاريت والجن والشياطين وقبل ذلك الملائكة, وفي هذا الاطار يرى الباحث ان الآراميين خلفوا مجموعة من رموز المعتقدات الدينية والتي منها رموز الآلهة مثل الصاعقة والفأس والثور والطير والحزام المجنح والتاج. ويتناول الماجدي رموز الكهانة مثل حبل الحزام والموقد المقدس وباب المعبد كذلك يتناول المؤلف عددا من رموز السلطة والملكية المتداولة من قبل الآراميين مثل نخلة اليد والقلادة الملكية وشرشوب الحزام والسوط والمرآة. يختتم الماجدي كتابه بدراسة اللاهوت الآرامي, أي دراسة العقائد والأفكار الدينية, كالمؤسسة أو الكيان الأرضي مثل الكهان والمعابد فيعقد الباحث دراسة وصفية للمكونات المادية, ودلالاتها الروحية والدينية عند الآراميين لكنه يعود ويتناول الطقوس والشعائر الآرامية مثل الصلاة والدعوات والتراتيل وتقديم التماثيل ودراسة طقوس الموت والقرابين. ويعزز المؤلف كتابه بخمسة فهارس ربما أهمها فهرست الاشكال والصور النادرة التي فسرت منهجيا جملة من طروحاته وتحليلاته لدراسة انطولوجيا الاراميين في التاريخ. ان دراسة الماجدي هي الأولى من نوعها في مجال تاريخ الآرامية وقد حرص الباحث على شمولية التناول بمنهج تاريخي مقارن كشف عن ثنايا هذه المعتقدات التي تبدو بعيدة في تاريخ الأديان الوضعية, انها دراسة جادة تستحق القراءة.