كانت التماثيل العراقية وبالذات التماثيل الاشورية من افضل ما قدمه الفن الانساني القديم, ولكن هذه التماثيل امتلكت كل السمات الرائعة والنضج ولم يتم التواصل معها في المراحل اللاحقة ولم تقدم هذه المراحل ما يعبر عنها في ميدان النحت.. غير ان الفنانين العراقيين الرواد الذين برزوا في اوائل القرن العشرين حاولوا الرجوع الى التاريخ القديم في الموضوع كما عملوا على استلهام التراث العراقي وذلك باللجوء الى هندسة العمل الفني وقوة وعملوا على استلهام الاشكال والملامح في التماثيل العراقية القديمة. وقبل ان يبرز الاهتمام الرسمي بالتماثيل وجماليتها وتزيين شوارع وساحات وحدائق بغداد بها, وقبل بروز الالتفات الى جمالية واهمية الاعمال الفنية في الابنية البغدادية اتجه الفنانون الرواد الى اقامة تماثيل للشعراء والادباء العرب, سواء الذين ينتسبون الى العراق تأريخا ومكانا او الذين ينتسبون الى الاقطار العربية الاخرى. فقد اهتم الفنانون بالتماثيل لأنها ذات علاقة مباشرة وقوية بحياة الناس ولأنها تشكل مشاهد فنية ومعمارية مستقلة, ولأنها ذات ارتباط بالمشاهد والنماذج المعمارية الاخرى, كما ان التماثيل يمكن ان تسهم في التعبير عن خصوصية المدينة التي تقام فيها وان تكون من الرموز والتعبيرات الدالة عليها والمجسدة لها. فالتماثيل مرتبطة بالمدن او بالمدينة وهي ذات دور في التعبير عن خصوصية المدن تأريخا وفنيا واجتماعيا ومعماريا ايضا. ومع ان الاهتمام بالتماثيل برز نتيجة مؤثرات خارجية معاصرة الا ان وضع الفنانين العراقيين في تواصل مستمر مع التاريخ, خاصة وان هذا الاهتمام جاء متزامنا مع اتجاهات النضال من اجل الاستقلال والبحث عن الهوية, والبحث عن الذات, وقد يكون النحت في البلدان الغنية بتراثها التاريخي معبرا عن رؤية الناس الى التاريخ او معبرا عن احتياجات الناس الى التاريخ او معبرا عن حضور للتاريخ في حياة الناس. وقد جاء الاهتمام بالتاريخ والادب في النحت العراقي انطلاقا من ذلك وليس انطلاقا من احتياجات معمارية وفنية ذات مضامين اجتماعية, اذ ان الفنان جميل حمودي مثلا وضع منحوتات برونزية لابي العلاء المعري والرازي دون ان يربط ذلك باحتياجات معمارية معينة, كما ان في هذه المنحوتات مع اعتماده على الاساليب التعليمية الواقعية, حاول الاستفادة من الانطباعية والسريالية والتعامل مع القيمة التشكيلية الدلالية للحرف العربي, وذلك بجعل هذه المنحوتات موجهة لفئة معينة من المثقفين ويجعلها غير مناسبة لمواجهة ومخاطبة الناس في الساحات والشوارع. ولم تكن هذه المنحوتات مصممة ومنفذة على اساس متطلبات فنية ومعمارية عامة ولذلك تعامل الفنان تعاملا خاصا ولم يتم فيها مراعاة الوظائف العامة. بين العام والخاص قبل عام 1928 لم تكن في بغداد غير ثلاثة تماثيل لشخصيات سياسية, (فيصل الاول وعبدالمحسن السعدون والجنرال مود) ولكن السنوات اللاحقة شهدت ظهور تماثيل لادباء وعلماء من مراحل تاريخية مختلفة. وكان على الفنان ان يضع ثقافته وخبراته في خدمة العام, وان يكيف طموحه الخاص والمختلف والمتميز مع الذوق العام, ومع فهم الناس للتاريخ وللشخصيات التاريخية والادبية. ولكن بعض الفنانين وهم من الاسماء المعروفة جعلوا من تماثيلهم موضع اختلاف بين الآراء وموضع نقد من الصحافة خاصة في قلوب واذهان ومشاعر الناس. فقد كان تمثال عنترة بن شداد للفنان ميران السعدي لا يحمل من عنترة غير السواد وغير الحصان المندفع في العدو, اذ جاء عنترة مجردا من الصفات الجسدية وجاء وكأنه طائر محلق في الفضاء او كأنه مرفوع على سيفه. واثير نقد كثير حول تمثال المتنبي الذي صنعه الفنان محمد غني حكمت, وهو فنان قدير صنع انصاب وتماثيل (جلجامش) و (الف ليلة وليلة) و(كهرمانة والاربعين حرامي) و(شهريار وشهرزاد) و(الجنية والصياد) و(عشتار) و(زرياب) و(علاء الدين والمصباح السحري) و(السندباد البحري) و(حمورابي) و(ابي جعفر المنصور). وقد جاء تمثال المتنبي وكأنه للجسد اقرب منه الى الروح فالمتنبي فيه كتلة جسدية وهو قصير, قميء, ويحاول القاء قصيدته وهو مشدود الى بدانته وثقل (اللحم) فيه كما ان التمثال جاء بيدين قصيرتين لا تتناسبان مع حجم الجسم. وقد وضع التمثال لأول مرة في ساحة المكتبة الوطنية ومن ثم رفع ليوضع في زاوية من ساحة المكتبة, ورفع بعد ذلك ليوضع في ساحة صغيرة وجرداء في منطقة الاعظمية.. ويبدو ان الفنانين ميران السعدي ومحمد غني حكمت ارادا ان يقدما منظورين خاصين لعنترة بن شداد والمتنبي, وان يقدم كل واحد منهما رؤية ذات ابعاد معاصرة لكل شخصية من هاتين الشخصيتين ولكن الفروق بين الخاص والعام كانت كبيرة ولم يكن من الممكن القبول بها, ولذلك اضطرت هذه التماثيل الى ترك اماكنها (العامة) والانزواء بعيدا عن اعين الناس وعن نقد واذواق الناس. تماثيل وساحات يبدو ان الشخصيات التي تنتسب الى مراحل بعيدة مثل عنترة بن شداد والمتنبي لا تساعد الفنان على تقديم تماثيل مقاربة لها في الشكل والملامح وغالبا ما يفشل الفنان في الحصول على رضى الناس الذين يريدون التمثال اكثر روعة وجمالا من الصورة التي يحملونها عن شخصية صاحب التمثال. ومن الشعراء الذين اشتهرت ساحات مهمة باسمائهم الشاعر معروف الرصافي والشاعر عبدالمحسن الكاظمي وهما شاعران عاشا وتوفيا في (عصر الصورة الفوتوغرافية) وكان من الممكن ان يأتي التمثالان المخصصان لهما مطابقين لصورهما, او لافضل ما تضم الصور وما تحتوي القصائد من سمات ودلالات. وقد صنع تمثال الرصافي وهو ينشد قصيدة له وبدا وكأنه في حالتي تناغم وانسجام مع البنايات المحيطة به والشوارع المفتوحة امامه. وتمثال عبدالمحسن الكاظمي يقع في (ساحة الكاظمي) ويبدو اعلى ارتفاعا من البيوت والشوارع المحيطة به. ولعل الرصافي والكاظمي من اكثر الشعراء شهرة في بغداد لوجود تمثاليهما في ساحتين مهمتين تحملان الان اسميهما ويقاربهما في الشهرة ابو نواس بشارعه الجميل العريق.. وهناك شعراء يمتلكون مكانة كبيرة في الشعر العربي مثل ابي العلاء المعري والفرزدق وعلماء مثل الفراهيدي وسيبويه والخوارزمي والرازي والفارابي وابن سينا والجاحظ ولكن اصحاب هذه التماثيل لم يعرفوا بساحات وشوارع معينة, اذ وضعت تماثيلهم في حدائق عامة ولم يتميزوا بها, ولم يكن في الحدائق ما يقود الى ابراز التماثيل وما يؤدي الى تعريف واسع باصحاب هذه التماثيل. ولم تعد التماثيل تطرح نفسها على الصحافة وعلى المعجبين والساخرين من الناس فقد استقر الجيد منها في مكانه, وذهب غير المقبول من الناس الى الزوايا البعيدة عن الانظار وبقي الجيدون والبارزون من الشعراء يستفسرون عن حقهم في التماثيل, ويبحثون عن قاماتهم في الشوارع والساحات, فقد اتيح لبعضهم ان يملكوا هذا الحق وهم جديرون به. ولكن الظروف الراهنة لها احكامها فقد اوقف المعمل المتخصص في صنع التماثيل البرونزية ولم تعد المسابقات الثقافية تهتم بالتماثيل ولم يعد الفنانون قادرين على تحمل التكاليف الكثيرة المطلوبة.