كودري وقبضة من ذكريات لا تغيب عندما رحل المستعرب البريطاني رونالد كودري عن عالمنا مؤخرا استطاع الكاتب والاديب محمد المر ان يوجز مشاعر الكثير في عالمنا العربي حيال الرجل بقوله اننا سنظل نذكره, باعتباره احد المحبين الحقيقيين للعرب, في زمن قل فيه اصدقاء العرب وكثر من لا يكنون لهم مشاعر الود, او حتى يأخذون منهم موقف المحايد. واحسب ان محمد المر لم يدع مجالا لمزيد من الكتابة عن كودري, والانجليز ـ بالمناسبة ـ ينطقون اسمه (كودراي) فهو عندما كتب عنه كان يعرف حقا عم يكتب فقد كان يجتاز مطالع العمر في الفترة التي اقام كودري خلالها في دبي, ثم انه كان من ابرز من وقفوا وراء مشروع الاطلال بجانب من الصور الفريدة التي التقطها الرجل في الامارات لتصدر عبر سلسلة (الالبوم العربي) التي تقدم بالابيض والاسود والالوان والمذكرات جانبا من الذاكرة الحية والمتوهجة للامارات على نحو ما كانت عليه قبل نصف قرن من الزمان. ومع ذلك, فسوف اسمح لنفسي بأن احاول اضافة أسطر قليلة الى ما كتبه الصديق محمد المر, من خلال ما عرفته عن الرجل خلال تعاوني معه, حيث ترجمت كتابه (دبي) الذي يشكل واسطة العقد بلا منازع والدرة الفريدة في تاج سلسلة (الالبوم العربي) الصادرة عن دار موتيف ايت, وما كان لهذه الترجمة ان تكتمل وان تطل في اطار ما يجده القارىء بين يديه اليوم لولا تعاون كودري من ناحية بمحبة وباخلاص وبكثير من العطاء في الوقت والجهد ولولا مراجعة محمد المر الشاملة للنص العربي النهائي للكتاب من ناحية اخرى. واذا كان (ابو احمد) قد ركز الضوء على كودري باعتباره محبا حقيقيا للعرب, فإنني اود هنا ان اضيف انه في هذا الاطار من المحبة للعرب كان رونالد كودري معجبا اشد الاعجاب بالشخصية البدوية, على نحو ما صادفها في الصحراء ومن خلال معايشته لها وعجم عودها في المكاره والشدائد. لم ينفرد كودري بهذا, فأنت تلمسه بوضوح عند سير ويلفرد ثيسجر, الذي يعرفه ابناء الامارات باسم مبارك بن لندن, وتلمسه واضحا وصريحا في كتابه (الرمال العربية) وغيره من الكتب وفي صوره الرائعة التي التقطها في العالم العربي من السودان جنوبا, حتى العراق شمالا مرورا بشبه الجزيرة العربية. وهذا الحب والاعجاب للشخصية البدوية ونبلها وشجاعتها وكرمها وصبرها على المكاره وجلدها في مواجهة المصاعب والانواء يكاد يشكل النغمة الدالة في كل ما تركه الرحالة والمستعربون على اختلاف توجهاتهم, حتى في صفوف من لم يعرفوا تقليديا بحبهم للعرب, ومنهم سير ريتشارد بيرتون. وربما لهذا بالضبط, كان كودري في زياراته العديدة للامارات, في السنوات التي سبقت رحيله, والتي ارتبطت بإطلاق كتبه, وايضا خلال استقباله في داره بلندن لاصدقائه من ابناء المنطقة, يؤكد على اهمية ان تظل التقاليد والاعراف النبيلة المرتبطة بحياة البادية شامخة كنخلة لا تنحني للريح في نفوس ابناء الامارات المنتمين للاجيال الجديدة, الذين رأوا النور في ظروف مختلفة اشد الاختلاف عن تلك التي اقام كودري تحت ظلها في الامارات, قبل ان ينطلق شمالا للعمل في العراق وسوريا ولبنان, حيث حصل على وسام الامبراطورية البريطانية تقديرا لجهوده التي امتدت عبر عقود بكاملها في تلك البلاد. وهناك ملمح آخر, الى جوار حب الشخصية البدوية والاعجاب الشديد بها, يبرز في هذه الصورة التي نحاول رسمها لكودري هنا, والتي هي اقرب الى تلويحة وداع منها الى اي شيء آخر, فوراء المظهر الصعب للرحالة الخشن ورجل الخيل والليل ـ ان شئت استخدام تعبير ابي الطيب ـ اقول ان وراء هذا المظهر حسا انسانيا رفيعا. وبأمانة شديدة لست ادري من اين جاء هذا الحب الانساني الرفيع عند رونالد كودري, وربما كان بوسع غيري ممن عرفوا الرجل عن قرب اكبر ان يرصدوا منابعه ومصادره, ولكنني احسب ان هذا الحس الانساني الرفيع عند الرجل يضرب جذوره بعمق في المأساة التي تعرضت لها زوجته, باميلا, التي اصيبت بالبوليو فترك على حياتها بصمته القاسية, في زمن لم يكن الطب يعرف له دفعا ولا لآثاره ردا. ولم اقفز الى استنتاجي هذا من فراغ, فقد كان هذا الموضوع من الموضوعات القليلة التي يتهدج فيها صوته, فيشف عن انسانيته, وترق كلماته, فتحلق الى سماء الشعر, وكل من قرأ بحب وتعاطف كتاب (الألبوم العربي: دبي) سيجد اصداء لهذا, وسيعرف على الفور سر تلك الرقة الرهيفة التي كان كودري يتعامل بها مع الصغار ولماذا صافحت كاميرته بعين الحب ملامحهم البريئة البهية. ان شئت فانظر اللقطات التي رصد بها كودري حفل التومينه, والصغيرات الطالعات للنور وهن ينتقلن عبر الخور واصواتهن تحمل الفرحة لآفاق شهدت الكثير من الحزن والقليل من الابتهاج, في ذلك الزمان الصعب, حتى وإن توجته الرومانسية بكل ما في الدنيا من رقة, واسمته (زمان أول) . ما علينا, أو لا علينا. ودعنا الآن نرصد ملمحا نفسيا آخر في صورة الرجل النفسية, فكل من استغرق معه في حوار مطول لابد انه لاحظ ذلك الحس الغامر بالفكاهة الذي يملكه, ولكنك لابد ان تلتفت الى انه حس بالفكاهة مختلف عن ذلك الذي نألفه في عالمنا العربي, والذي تتحول الفكاهة فيه الى آلية دفاع في مواجهة جبال الهم وامواج النكد. الحس بالفكاهة عند كودري يضرب جذوره في اليقظة الحادة للمفارقات والتصدي لها بالسخرية والملاحظة اللاذعة, وهو ملمح تجده عند كودري, لكنه عند سير ويلفرد ثيسجر يرتفع الى قمة فريدة حقا. واذا كان عمل كودري, منذ ترك سلاح الطيران الملكي البريطاني بعيد الحرب العالمية الثانية قد فرض عليه التعامل اليومي والمباشر مع الواقع الخشن, فإني ازعم ان الرجل كانت فيه الى جانب هذه الواقعية الشديدة سمة من سمات رجل الحلم. كان رجل حلم, بمعنى انه كان يعرف كيف يطارد احلامه, وكيف يحولها الى واقع, ويبدو ذلك واضحا في اهم هواياته, وهي هواية التصوير, فقد راكم اهم مجموعة من الصور عن المنطقة في ظروف تجعل التصوير بأي شكل امرا مستحيلا, ويكفي ان تتذكر ما كان يقوله من أنه كان يظهر صوره بالاستعانة بماء البحر لكي تعرف ان كل هذه الملامح التي تطل عليك من خلال مجموعة صور كودري انما هي ابنة الحلم ووليدة المضي في الدرب الى آخره تحقيقا لهذا الحلم. وما دمنا نتحدث عن احلام كودري, فدعنا نتحدث عن جانب يهمنا من هذه الاحلام, فقد التقط المستعرب الذي امضى عمرا تحت سماء عالمنا العربي ـ التقط ما يزيد على مئة ألف صورة, وليس ما في سلسلة (الالبوم العربي) الا مجموعة محدودة للغاية من الرصيد الاصلي, كما ان ما جاء من يومياته في هذه الكتب لا يعدو ان يكون مقتطفات من مذكراته التفصيلية عن وقائع المرحلة التي اطل خلالها في المنطقة والتي شاء له القدر أن يكون موجودا مع وضع اساس المشروع النفطي الاول من هذه الارض ومع تصدير البرميل الاول من نفطها. ان الرجل يحلم بأن ترى مجموعته النور وان تحمل الى الناس عبق الايام الخوالي والملامح والاماكن والاصوات والهدير والرقصات والاشعار وحنين الغاصة في البعيد وبهجتهم عند القفال. وبهذا المعنى فإن حلم المستعرب الراحل الذي احب العرب حبا حقيقيا يظل حلمنا, ويظل حلما يستحق ان يرى النور تحت سماء الواقع. فهل يأتي حين من الدهر تصبح مجموعة صوره الكاملة جزءا من الارشيف الوطني وتغدو مجلدات مذكراته مع غيرها من الوثائق المناظرة اضاءة في النسيج الحي لذاكرة الامارات تضاف الى غيرها؟ لست اشك في ان الكثيرين في الامارات سيسعون الى تحقيق هذا الحلم وستتصدر هذا السعي لتحقيقه المؤسسات الرسمية والاصلية المعنية, ولكن الامر الذي ينبغي التنبيه اليه هنا هو ان هناك سباقا مع الزمن لتحقيق هذا الحلم, فنحن نتحدث عن افلام التقطت قبل نصف قرن من الزمان, ولم تمتد اليها يد الترميم, هكذا فإن جهود الحصول عليها او استنساخها ينبغي ان تمر بجهود اخرى لترميمها وانقاذها قبل ان تمتد اليها يد الفناء, وهذا كله ينبغي ان يتم الآن لا الغد.