في مهرجان (كان) الحجم له أهميته, وحينما يكون على أعضاء لجنة التحكيم المحرومين من النوم ان يشاهدوا يومياً فيلمين أو ثلاثة أفلام خلال أيام المهرجان فان آخر ما هم بحاجة اليه هو أفلام ماراثونية لاختبار تحملهم. وفي هذا العام كان ثلاثة من أصل ستة أفلام آسيوية شاركت في مهرجان كان السينمائي للمنافسة على السعفة الذهبية تنتمي الى هذه النوعية من الافلام, اذ ان كلا منها كان يتجاوز الساعتين بكثير في مدة عرضه. فيلم (واحد واثنان) للمخرج ادوار ويانج كان عرضه يمتد ليصل الى 173 دقيقة, اما فيلم (يوريكا) للمخرج اوياما شينجي فكان الاطول بزمن عرض يصل الى 217 دقيقة, مع أنه تميز بالنوعية القادرة على إبقاء عيون المشاهدين متعلقة بالشاشة. وكان فيلم (الشياطين على عتبة الباب) الصيني للمخرج جيانج وين قد جعل هؤلاء المشاهدين يركزون على ما يرونه ولو ان المقص طال ساعة كاملة منه على الاقل. ولهذا فان مخضرمي مهرجان كان السينمائي الذين شاهدوا الفيلم شعروا بالغضب حينما نال فيلم (الشياطين) السعفة الفضية. مع ان النقاد قالوا ان فيلم جيانج الذي انتج بالابيض والاسود قد فشل على عدة مستويات. تبدأ قصة (الشياطين) حينما يلقي جنود الكومنتانج بسجين ياباني ومترجمه في قرية صغيرة. والقرويون كانوا غاضبين من اليابانيين مسبقا, ولهذا فهم يريدون قتل الرجل, لكن احدا منهم غير مستعد لتحمل مسئولية هذا العمل شخصياً. انها بداية مشوقة, لكن ما ان تتقدم القصة حتى تبدأ خيوطها بالتخبط, ويعاني الفيلم من سوء الاعداد. هذا مع العلم أن الفيلم هو الثاني لجيانج وكان من الأفلام المنتظرة في كان. خصوصا وأنه أصبح نجما لامعا جدا في الصين, بعد بدايته القوية في فيلم (تحت دفء الشمس) . بالتأكد يبرز جيانج افكارا في فيلمه الجديد. وقد قال قبل مغادرته لفرنسا (أنا مهتم بالعلاقة بين المعتدين والضحايا) . هل يمكن للضحية ايضا ان تكون بذرة للعنف؟ لم نخوض غمار الحروب مع أننا نعلن أننا نكرهها؟. استغرق انتاج الفيلم سنتين, كما وصل لدرجة كبيرة من اثارة الجدل حينما طالبت الرقابة في بكين بسحبه من المنافسة بعد ان رفض جيانج اجراء تعديلات رئيسية فيه. من جانب اخر توقع يانج بشدة ان يحصل فيلم (واحد واثنان) على السعفة الذهبية. لكن الجائزة ذهبت لفيلم (راقص في الظلام) للمخرج الدانمركي لارس فون تريير. ومخرج الفيلم التايواني ظل سعيدا بحصوله على جائزة افضل مخرج. وكانت مشاركته الاولى في كان عام 1994 بفيلم (فوضى كونفوشية) , الذي كان لسوء الحظ تجسيداً فعلياً لعنوانه. على كل حال, يقول يانج ان فيلمه الجديد قد انتج ليكون اكثر قربا من المشاهدين منذ البداية. ويقول المخرج الذي كان عالما في الكمبيوتر سابقا: (انها اساسا قصة تحكى عن الناس, لقد ركزت على العائلة, على ما يفعله الافراد استجابة للآخرين. انها شريحة بسيطة من الحياة أخذت في القرن العشرين) . والى حد ما كان الفيلم مشروعا عائليا فعلا, اذ ان زوجته بينج كايلي هي التي وضعت الموسيقى التصويرية للفيلم. اما فيلم (واحد واثنان) فهو تصوير متعدد المستويات لمجتمع الاعمال والتجارة المعاصر, يدور حول ازمة منتصف العمر لرجل اعمال عائلته لا تقوم بوظيفتها الاجتماعية على النحو المطلوب وتتعرض لخطر التفتت. لكن المرض في نهاية الامر يفتح خطا من التواصل بين أفرادها. وتعليقا على الفيلم يقول احد النقاد في كان: (بعد تجربتين متواضعتين, اعاد يانج نفسه لمكانة مخرج من الطراز العالمي (انه عمل ناضج جدا) . باستثناء (راقص في الظلام) الذي فاز ايضا بجائزة افضل دور نسائي, كان فيلم (مزاج للحب) للمخرج ونج كارواي من هونج كونج الفيلم الوحيد الذي فاز بجائزتين. اذ حصل طوني ليونج على جائزة افضل ممثل. كما فاز كريس دويل ومارك لي بينج بجائزة افضل تقني سوية عن عملهما في الفيلم. ايضا نجح فيلما جوهاتو الياباني وتشونهيانج للمخرج ايم كون تاك بإغناء المشاركة الاسيوية في كان. اذ ابهر ايم الاقل شهرة من بين كل الاسيويين مشاهديه ببراعته السردية وهو يقص من جديد حكاية شعبية تقليدية. ومنذ بداية عمله في الفن في الثمانينيات, رسخ هذا المخرج الكوري الجنوبي شهرة واسعة لتركيزه على اغناء افلامه بالروح الكورية التراثية. ويعتبر فيلمه هذا اول عمل كوري ينافس في كان. ويبدأ الفيلم بداية بطيئة حتى تمض الساعة الاولى منه ونحن نرى اكاديميا يقع في حب (كيسايانج) او ما يمكن وصفها بجيشا كوريا. لكن الحاكم يختطف الفتاة ليحرم عاشقها منها. ليدخل المشاهد بعد ذلك في عالم المؤامرات السياسية لمجتمع تشوسون.