في كتابه عن (المسألة الثقافية) يناقش المفكر العربي الدكتور محمد عايد الجابري متعلقات عديدة تخص هذا الموضوع ويطرح مفاهيم كثيرة تتأتى من المعنى الواسع للثقافة من تاريخها الذي يربط بين الادوار الاخرى في العالم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فعلى عكس القرن الماضي الذي جعل الثقافي اخيرا فإن متطلبات العصر اقتضت بأن يأتي الثقافي في المقدمة ليعكس كل العلاقات الاخرى ويعطيها الشكل المطلوب بوصفه العامل الاساس في تكوين وعي وبعد ان كان الثقافي نفسه جزءا لا يتجزأ من الاجتماعي كون هذا الاخير يعد المحدد والمحرك لأحدث انقلابا في مجال العلاقة بين الاجتماعي والثقافي والذي يجسمه تراجع الشعارات المعبرة عن المسألة الاجتماعية لحساب شعارات (المسألة الثقافية) لم يعد ينظر اليه اليوم على انه حدث عارض يمر سريعا كما تمر (الموضة) بل غدا موضوعا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا يتحدث عنه ويحلل ويدرس تحت عناوين من نوع (عودة المكبوت) و(عودة المقدس) في العالم الغربي و(الصحوة الاسلامية) و(المراجع الروحية في العالم العربي والاسلامي) . ومن هنا فقد بات المثقف العربي هو القائم بدور المصلح الاجتماعي يشكل بديلا للنظام الاجتماعي القديم وقيمه لأنه حامل الفكر والمعرفة والحضارة او هكذا هو في عيون الناس وفي نظر الرأي العام ايا كان ولو طرأت بعض الخلافات والمتشابهات في احكام البعض فإن المثقف يظل عندهم مبعث اهتمام كبير يحرصون على تتبع آرائه ومعرفتها اما للحكم عليها او لمناقشتها وهذان الامران كفيلان بالتأثير على الوعي ولو على قدر بسيط. وبينما ينظر الناس الى المثقف كأداة للخلاص يحمل مشعلا له ما لهم وعليه ما عليهم ورسالة تفتح لهم الابواب المغلقة وتحل لهم المشاكل والعقد الناتجة عن متغيرات كثيرة تنعكس صوره سلبية خاطئة يقدمها المثقفون عن انفسهم. فهم خارج نطاق العمل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وخارج الهم الانساني بعيدون كل البعد عن مرمى الحياة الانسانية وقد استفادت من هذا قوى اخرى استطاعت ان تكرس في الاذهان هذا الاخفاق الكبير لتعلن الفشل الذريع للثقافة واهلها. لذلك (فإن اخفاق المثقفين في تطوير ممارسة سياسية منسقة وعقلانية ترك مصير هذه السياسة للقوى الاجتماعية الاخرى البيروقراطية والاقتصادية التي استفادت من هشاشة موقف المثقفين وادركت تناقضاتهم ونجحت في الالتفاف على القوة الشعبية التي اكتسبوا تأييدها ودعمها لتنفذ اهدافها الخاصة. ولهذا فقد اصبح من الواضح ان الثقافي لم يعد يشكل احدى القوى الفاعلة بل لقد انتزعت منه جميع صلاحياته او نزعها هو بنفسه بينما اصبح هذا الزمام حكرا على الطبقات والفئات الاخرى التي استغلت عناصر النجاح فنجحت ولم تترك مجالا للمنافسة او الاقتسام. وليس هذا فحسب بل سعت هذه القوى الى شل النظام الثقافي وحرصت بنفوذها على ابقاء النخب المثقفة خارج دائرة المنافسة وخارج دائرة الصراع كله او اي نفوذ سياسي مأمول. اما من لم تستطع تجميده وتقييده فقد سعت بكل الوسائل الى تجنيده والحاقه بها وبأهدافها ضمن مصالح نفعيه مشتركة يستفيد منها الجميع على حد سواء. هكذا فقد الثقافي ثقته بنفسه ومن ثم ثقته بالقدرة على القيام بالدور الملقى على عاتقه وعلى خروجه من الحياة كلها لأنه شعر بعدم اهميته واصبح في دائرة مغلقة بين خطاب الامس المليء بالعزة والعظمة والثقة بالنفس وبين خطاب اليوم المليء بالانهزامية والعدوانية على النفس وعلى الذات وعلى التاريخ وعلى كل شيء. فهل انتهى دور المثقف؟