المكان.. الزمان.. عاملان اساسيان في انبثاق وولادة الافكار والابداعات على اختلاف اشكالها وانماطها, اضافة الى التراكمات الايجابية والسلبية التي تظل عالقة في الذاكرة الشفهية للانسان, وعبر السنوات الطويلة الماضية عاشت العائلات البريطانية التي سكنت القصور القديمة ذكريات مليئة بالمآسي والافراح تعبر عنها جدران واروقة تلك القصور ولو نطقت الحجارة لسطرت مئات بل آلاف الصفحات عن احداث مرت ومواقف عرضت لها الافراد ونظرات الهزيمة والنصر. فالقصور القديمة.. الشاهد الشامخ على ذكريات العائلات الانجليزية وتاريخها وذكرياتها الحلوة والمرة عبر السنوات الطويلة. لقد كان لانتصار هنري تيودور على ريتشارد الثالث في بوسورث عام 1485 نذيرا بنهاية الحروب وانتهاء الصراع الذي استمر اكثر من 30 عاما بين عائلتي يورك ولانكاستر, حيث ساهم لوردات الاقطاع وجيوشهم الخاصة في قيام حكومة مركزية قوية في الاراضي الانجليزية. كما كان لحكم تيودور تأثيرا كبيرا على استقرار وهدوء وسلام هذه المنطقة, ولكن وفي الوقت نفسه على حساب قضايا ومهمات اخرى منها اهمال مكانة ودور القلاع الاقطاعية والحصون والمباني التاريخية, ومن صورة ذلك تحول العديد من هذه القلاع من دورها الدفاعي الاساسي الى وظائف اخرى اهمها السكن والاستجمام في بعضها ذات المواصفات الطبيعية المتميزة, وظهر ذلك واضحا في شكل النوافذ الضخمة والارضيات الرخامية اضافة الى التوسعات في اجزائها السكنية مما ادى الى استمرار استخدامها كمساكن تقليدية لعشرات السنين التالية. نهضة القصور بدأت قصور ومنازل تيودور الكبيرة في الظهور قبل نهاية القرن الثامن عشر حيث حلت محل او بدأت تحل محل المنازل المحصنة السابقة. واتسمت بالنوافذ الواسعة وافساحها المجال لدخول ضوء وحرارة الشمس اضافة الى الغرف الجميلة التي اضفت على المكان جماليات متميزة فريدة في ذلك العصر, اما اصداء القصور المحصنة الغابرة فقد بقيت آثارها ممثلة في مداخل المنازل وبواباتها الكبيرة. ويعود تاريخ العديد من العائلات البريطانية العظيمة الى هذه الحقبة وتتضمن (السيسلز والهيبرتز والراسيليز والثاينيز) وكان يتزعمها رجال على درجة عالية من الطموح قاموا بتشكيل الطبقة الصاعدة من الاداريين اصحاب النفوذ. وبدأ دور وتأثير هؤلاء الرجال من خلال حجم وشكل وتصميم القصور التي قاموا ببنائها باعتبارها صروحا معمارية مهمة لاستضافة الزوار من نخبة افراد المجتمع. وبقي التصميم الشائع لهذه القصور معتمدا على النموذج التحصيني القديم محتويا على قسم داخلي محاط بمجموعة من الغرف العديدة, كل غرفة منها تؤدي الى الاخرى, كما عكس وجود المداخن الداخلية باشكالها واحجامها المختلفة مدى الرفاهية التي كان يعيشها سكان تلك القصور. تحولات جوهرية مع مرور الايام تحولت عملية بناء القصور الى اشكال مستطيلة تمتد عموديا, ولعل قصر هامبتون كورت هو من اول القصور التي بنيت في هذه الحقبة على ايدي (الكاردينال وولسي) بين عامي (1010 و 1520) وشكل هذا القصر بداية عصر النهضة الانجليزية حيث طغت بعض السمات الموسيقية التي تعود الى العصور الوسطى اضافة الى الديكورات الايطالية وبعض الملامح الفنية الرومانية. وعرف عن الكاردينال انه كان يضارع الملك نفسه ماديا واميرا عظيما في الكنيسة الرومانية في الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات المعيشة خلال فترة حكم تيودور حيث لم تقتصر على طبقات المجتمع العليا فقط بل طالت عامة الناس والكثير من الفئات الاجتماعية. وشهد ذلك العصر تغيرات عديدة في اسلوب حياة وسكن المواطنين الانجليز وخاصة بعد معركة (بوسورث) الشهيرة عام 1538, بل والاكثر من ذلك هو التأثير الذي طال كذلك كافة قطاعات الحياة الاجتماعية ومنها ضرورة اعادة البناء والتشكيل العمراني. هذه الاحداث جعلت الملك هنري الثامن يقطع صلته بالكنيسة الرومانية ومن هنا يمكن القول بدء الجذور الاولى للثقافة الانجليزية المستقلة المتميزة ذات الطابع والهوية الخاصة بها المعبرة عن مجتمعها. ومنذ ذلك التحول التاريخي صارت كلمات الكتاب المقدس المصدر المباشر للسلطة المقدسة بدلا من تفسيرات رجال الدين, فيما ازدهر التعليم باشكاله المتنوعة اضافة الى وسائل التجارة بصورة ملحوظة عن الفترات السابقة لتلك الاحداث. كما حل رجال دين اخرون محل رجال الدين المرتبطين بكنيسة روما, وتشكلت الكنيسة الوطنية بصورة مباشرة متماشية مع مصلحة الامبراطورية الانجليزية. المهم في كل ذلك هو تحول الاهداف والتوجهات حتى صار فن العمارة في عصر النهضة يميل الى العلمانية ويعكس التغيرات التي طرأت في المرحلة, واعيد توزيع الاراضي وتوزيع مصادر الثراء ومراكز القوى بعيدا عن الكنيسة لقطاع الاعمال والتجارة مما شكل القواعد الاساسية للعديد من الاثرياء الافراد الذين شكلوا اعلاما ومروجين لمرحلة (الاليزابيثية) . اسكتلندا تنافس انجلترا اما التطور في اسكوتلندا فكان اكثر بطئا عن انجلترا حتى صدور قرار عام 1707 حيث كانت الحكومة الاسكتلندية المركزية ضعيفة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الى ان جاء الاصلاح في الجيل التالي في اسكتلندا بعد انجلترا. وعلى الرغم من ارتباط اسكتلندا مع اوروبا الوسطى وخصوصا فرنسا بالعديد من الروابط بسبب الصراع القديم والحروب العديدة مع بريطانيا, والتي كانت تتميز بطابعها السياسي اكثر من التوجهات الثقافية, فإن بعض التأثيرات المعمارية الفنية في مجال بناء القصور والمساكن اخترقت الجسد الاسكتلندي في ذلك الوقت. ومع اواخر القرن السادس عشر بدأت اسكتلندا تشهد ولادة طبقة جديدة من اصحاب الاراضي والتجار الا انهم لم ينافسوا نظراءهم من الانجليز من يحث الثروة والنفوذ ولم يحظوا بتشجيع الملكة الاسكتلندية نفسها. كل هذه العوامل والظروف الاجتماعية والسياسية مجتمعة ساهمت بدور فعال في ازدهار بناء بل اظهار الفنون المختلفة على القصور الكبيرة والمنازل الضخمة مما ادى الى انتشار التعليم وظهور العديد من الكتب التي صار من السهل الحصول عليها وانتشرت الثقافة بصورة كبيرة وبرزت تطورات فن العمارة بنسب واضحة في القصور التاريخية البريطانية. تاريخ حافل بالقصور ومن هذه القصور الاستراتيجية (بيت لانشيد روك) في منطقة كورنويل والذي بنى بين عامي 1630 ـ 1642, وهو اضخم بناء في كورنويل حيث اعيد بناؤه وفقا لتصميمه الاساسي بعد الحريق الذي تعرض له وادى الى دماره عام 1881, كما يوجد هناك قصر (موناكوت) في منطقة سومرست والذي يعكس مدى التأثير الذي حظى به ادوارد فيليب في مجلس العموم, وقد بدئ بناؤه في عام 1558. وعند حلول اواسط القرن السابع عشر تقلصت قوة وتأثير عائلة ادوارد فيليب وبلغت حدودها الدنيا مما تبع ذلك تغير في الدور الاجتماعي والعمراني للقصر وكذلك المهام المنوطة به حيث اصبح بعد ذلك وعلى مدى ثلاثمئة سنة منزلا ريفيا عاديا دون تأثير على فئات المجتمع الاغنياء والفقراء على السواء, يقصده طالبو الراحة والاستجمام والبعد عن مشاغل الحياة. اما قلعة وقصر (شيربورن) في دوريست فقد استلمها السير والتر رالينخ عام 1592 من الملكة اليزابيث الاولى وعزم على تجديد بنائه لكنه سرعان ما غير رأيه وقرر بناء بيت اخر جديد في الجنوب من البيت الاصلي وسكن السير والتر في هذا البيت لمدة وجيزة اصيب بعدها بحرارة شديدة وامضى ايامه الاخيرة في سكافولد في العام 1618 وقبل وفاته بعام واحد استلم قلعة شيربورن السير جون ديجبي السفير البريطاني في اسبانيا الذي قام باضافات على البناء في العام 1625. ويلتشاير غنية بالقصور اما قصر (ويلتون) في ويلتشاير فقد امتلكه في اواسط القرن السابع فيليب هربرت لورد شامبيرلاه والصديق المقرب والشخصي للملك تشارلز الاول. وقد تم بناء القصر وفقا لتصميمات وضعها اينيجو جونز الذي اعطاه لمساعده ليستكمل انجازه وهو اسحاق دو كو. وقد تعرض هذا القصر للحريق عام 1647 وبدأت اعمال اعادة البناء مباشرة وترميماته الداخلية التي قام بها اينيجو جونز بمفرده حيث تعكس مدى الذكاء والروحية الابداعية التي تحلى بها. اما قصر (بوود) في ويلتشاير, فهو المنزل الاصلي الذي يعود تاريخه الى العام 1725 وقام بتصميمه السير اورلاندو بريدجمان, والمتبقي منه هذه الايام هو عبارة عن اضافات الى الاصل وتحيط به حديقة غناء ويمتاز بنوافذه الطويلة والمقوسة وبالاعشاب الخضراء التي تلاصق جدرانه وتتسلقها وبالاشجار الجميلة التي تحيط به. وفي ويلتشاير يوجد قصر (بيت كورشام) ويعود تاريخه الى الملك الساكسوني لويسيكس (978 ـ 1017) حيث اتخذ من هذا المنزل قصرا له ومقرا لحكمه, اما المبنى الحالي للبيت فبدأ بتشييده توماس سميث في العام 1852 فيما اشتراه بوب ميشيون في العام 1745, ولاتزال احدى العائلات الانجليزية تمتلك هذا القصر حتى اليوم. وكان المبنى الرئيسي وحديقته قد شهدا توسعات كبيرة في العام 1760 واضافات عديدة عام 1800 قام بها جون ناش بناء على تعليمات من بول كوب ميثيون. ولا يمكن اغفال قصر (ستورهيد) في ويلتشاير وقام ببنائه هنري هور الاول في اوقات مبكرة من القرن الثامن عشر وهو من الاماكن الريفية الاولى التي تتسم بالاسلوب البالادياني وقام بتصميمه كولينا كومبل وتم انجاز اعمال بنائه عام 1725 اي في العام الذي توفي فيه هنري الاول واستمر منزلا لعائلته هو حتى عقد الثلاثينيات. وفي المنطقة نفسها ويلتشاير يوجد قصر (دير لاكوله) يعود الى العام 1232 واشتراه السير ويليام شارينجتون الذي حوله من دير الى منزل في القرن الثامن عشر انتقل الى ملكية عائلة تالبوت واعيد بناء قاعته على الاسلوب الجوثيكي من قبل جون ايفوري تالبوت. وكذلك هناك قصر (لونجليت) في ويلتشاير والذي يعكس مدى الامان الذي حظيت به انجلترا مع هنري السابع حيث يتمتع بموقع استراتيجي في غاية التميز. وبدأ هذا البيت السير جون ثاين الذي بذل له الوقت الطويل والمال الوفير في العام 1547 وحتى وفاته في العام 1580, وعلى الرغم من ان المعماري الايليزيبيثي الكبير روبرت سميثسوت عمل في هذا المشروع فهو بلا ادنى شك من ابداع السير جون. ويعتبر هذا المكان العظيم كأول بيت انجليزي في عصر النهضة يبقى بيتا لعائلة ماركيزين باث. اكسفورد لها نصيب ايضا وفي اكسفورد شاير نرى قصر (بلينهايم) وهو صرح وطني مهم سكنه جون تشرشل, الدوق الاول لمارلبورو وبطل معركة بلينهايم التي وضعت نهاية لأطماع لويس الرابع عشر في الغزو الاوروبي لانجلترا. ورسم خرائط القصر الاولى المعماري جون فانبراج وهو كاتب مسرحي ناجح كان قد تحول الى العمل في مجال الهندسة المعمارية لخمس سنين خلت, وكان فانبراج من اهم رواد وخبراء فن الباروك. وقام باستكمال اعمال البناء الدوق تشرشل على نفقته الخاصة في العام 1716. ومن معالم هذا القصر الجميل حديقته وبحيرته وهما من امتع المناظر والمعالم الطبيعية في المنطقة. اما قصر (اولبين مانور) في جلوسيستير شاير فيبدو كجوهرة مضيئة تتألق وسط الادغال حيث تحيط به اشجار كثيفة وغابات مترامية ومساحات خضراء وهو من اجمل المناظر في المنطقة وكان مسكنا لمارجيري اولبين في القرن السادس عشر وبعهد زواجها من جون دونت خضع البيت للعديد من التغييرات والاضافات وخصوصا في القاعة والغرفة العلوية الكبيرة وانتهت اعمال التعديلات عام 1540 واضيف اليه الجناح الغربي في عهد توماس دونت في العام 1616 اما الجناح الشرقي فيعود الى العام 1720. لندن وسيد القصور اما العاصمة البريطانية لندن فتحفل بالعديد من القصور والمنازل المهمة التي تعد بحق تحفا معمارية ومتعا بصرية وصروحا حضارية كبرى منها قصر بيكنجهام الشهير والذي كان اساسا منزل دوق بيكنجهام الذي خضع بعد ذلك للعديد من التوسعات والاضافات جعلت منه قصرا كبيرا, وبني القصر الاصلي في العام 1705 المعماري ويليام وايند وانتقل الى السكن فيه الملك جورج الثالث والملكة شارلوت في العام 1762, واعتبره جورج الرابع صغيرا واسند الى جون ناش مهمة جعله اكثر رفاهية واكبر. وتبدو على القصر اعمال البناء الاضافي التي استمرت لمدة سنتين حتى العام 1828 وبعد وفاة جورج الرابع في العام 1830 اقبل ناش لانتهاء مهمته وقامت الملكة فيكتوريا فيما بعد بتكليف ادوارد بلور لتوسيع القصر من خلال اضافة جناح رابع اليه وهو يشكل اليوم واجهته الجانبية. وفي لندن ايضا قصر (شيسويك) والذي صمم في العام 1724 وهو يعتبر اول نموذج او ان صح التعبير من اوائل النماذج التي تمثل الاتجاه نحو الكلاسيكية في التصميم المعماري في المنطقة وفيه ملامح الايطالية المعمارية الكثير من الايماءات والرؤى. اما قصر هامبتون كورت فيعتبر من قصور لندن المهمة والجميلة, وحيث اشترى الكردينال توماس ولسي قطعة الارض بناء على نصيحة طلبها من مجموعة من الاطباء ليفيدوه عن افضل عشرين ميلا في لندن من حيث الصحة وضم المخطط الف غرفة اضافة الى 280 سريرا جاهزة لاستقبال الزوار والضيوف.