طرق خفيف فيه رائحة الوجل يتسرب عبر الباب المفتوح الى آذاننا ونحن نخطو بثقل عشائنا الذي تناولناه توا. كان بامكاني, وانا ادير ظهري, ان اعرف ان جدي يوقف اصابعه التي تعبث بابرة المذياع كي يستمع الى اخبار لندن المسائيه. فالساعة تقارب الثامنة. ثم ينهض صوب الباب تسبقه عبارة (أهلا, تفضل) والتي سيكررها الى ان يصل الى القادم الطارق. واعرف ايضا ان جدتي التي تفرغ الطناجر من بقايا طعام اليوم, قد تركت الصحن مكشوفا على الطاولة, ولا تزال واقفة تدير ظهرها بينما وجهها يستطلع الضيف الواقف بالباب. وحدي, لم تتوقف اصابعي عن الحركة وانا ارتب الاواني النظيفة, حسب تعليمات جدتي الصارمة. ارمق اشياءها المزمنة وهواجسها المقبلة على الرفوف المكشوفة وقد غطت خشبها غير المطلي بقماش ابيض مشغولة اطرافه بالدانتيلا وبعروق اصابعها وليالي انتظارها المتعبة. لم اتحرك لرؤية القادم من مكاني, في القسم الداخلي لبيت جدي الوسيع, وارضيته الاسمنتية اللامعة بفعل مسح جدتي المتواصل لها, وكما كانت تأمرني بمسح الارضية وتلميعها الى ان تبدو صورتي فيها وأرى ابتسامة الرضى على وجهها مع اني كنت اعجز عن رؤية ملامحي, وكل ما اراه ظلي الصغير المتماهي بالضوء الذي يحاصرني مندلقا عبر البابين الغربي والشرقي, ليخفي اللمعان اي ظل لي! تناهت الى سمعي خطوات القادم الوئيدة, وصوت جدي الذي تكسر تهليله, ثم خطوات جدتي السريعة المريبة, فشد الفضول رأسي من وراء الحاجز القصبي, والذي يفصل ما يفترض انه مطبخ عن مكان الجلوس والنوم. داهمتني جدتي وهي تغمز لي بعينها ان اسرع. ثم همست لي ان حضر الطشت, وقد حملت منشفة نظيفة وسارعت لتسخين الماء, تاركة في حلقي سؤالا مرتعشا. صوت جدي يناديني, اقترب بخفة وشجعني قائلا: هيا, سلمي على ابن خال ابيك. وقبل ان يرتفع نظري الى وجه قريبنا المباغت, جمدت نظراتي على احدى ذراعيه, وكان قد خلع قميصه الخارجي, يمسك باصابع يد جدي, وذراعه الممدودة ملوثة بالدم المتخثر, وقد نزل جرح من اعلاها حتى المرفق. كدت اصرخ او ابكي, لكني لم افعل, وصرت في ان امد يدي للسلام وقد تبينت ان الذراع المدماة هي اليمنى, كان جدي يشتم ويهدد, يلعن الحرب والعالم والخونة والاغبياء, ! ولأول مرة ارى شفتي جدي ترتجفان ويلوح شيء في عينيه كالبريق. كانت جدتي قد احضرت الماء الفاتر وصبته في الطشت, وانا ارقب المشهد, واتابع نظراتها, كي اسارع في تنفيذ طلباتها. هالني وجهها, بتجاعيده السمر, والذي يحمل جمالا قد كان, وهو يعاند الآن دموعها في جفنيها, وكعهدي بها تظل جدتي قوية, مثل جسدها, صوتها, ووقع قدميها. وراحت تمسح الدماء المتخثرة بالخروق المبللة, قبل ان تمتد يدها الى الجراح, وكنت اغسل الدماء, واعصر الخرق, اناولها لجدتي بالتناوب, وهي تثابر على التنظيف بأناة شديدة. كانت صامتة, لكنها لا تني احيانا عن توجيه نظراتها الثابتة الى جدي وهو يعطي تعليماته, فجدتي كانت تكره سماع اي صوت وهي منهمكة في اي عمل تجيده دون غيرها ـ لكن جدي هذه المرة لم يأبه لنظراتها, وهو لايزال ممسكا باصابع الشاب, الذي اغمض عينيه بشدة, صر على اسنانه, وارخى رأسه على كتف جدي, و (آخ) هادئة ممطوطة تصاعدت منه لتحط هلعا ووجعا في قلوبنا. كانت جدتي قد بدأت العبث بالجرح. وجدي يصرخ: (الكلاب, الاغبياء, فسد الكون, الطف يالطيف, متى كان يقتل الاخ أخاه؟!) مسح دمعتين ثقيلتين, واحتضن الشاب في صدره الكبير, بكت جدتي, ولم أبك. كنت اركض, ادخل, واخرج, ابدل الماء كل حين, واعصر الخرق بسرعة بالغة, وأنا أصاعد نظراتي لتقف بجرأة على وجه قريبنا الذي أراه واعرفه لاول مرة. كان اسمر, وشعره الاجعد يلتمع بالعرق والضوء, وكانت ذقنه تعلن أنه منذ ايام لم تمر عليها شفرة حلاقة, وبدت عيناه المغمضتان كخطين طويلين كثيفي الاهداب, تمنيت لو ارى لونهما وسط هذا السواد والاحمرار والهالتين الزرقاوين المحيطتين بهما. ربما انفضت ساعة, حتى كان الشاب يسترخي باطمئنان وقد لفت جدتي ذراعه بشاش ابيض, واعشاب مدقوقة بعناية فجدتي القروية لم تكن فلاحة او مزارعة, وانما كنت ربة بيت من الطراز الاول, لكن ذلك لم يمنعها من الاهتمام وجدي بحاكورة البيت الواسعة, وزراعتها بالاشجار المثمرة والورود والنعناع والزعتر وغيرها من الاعشاب التي كانت تبحث عنها في الوادي القريب بعد ان تكون قد لملمت عنها معلومات طبية اكيدة من جميع من تثق بكلامهم حتى لو كان غريبا. كنت احيانا اعجب لثقتها بالغرباء, ثم ايقنت بعد حين ان لجدتي فراسة وذكاء قل نظيرهما. استرخى الشاب بعد ان تناول كوبا من اللبن ثم كأسا ساخنا من مغلي الاعشاب الذي يفيد الجروح النازفة. ثم سارعت, بعد ان طلبت الي التواري وراء الحاجز القصبي, الى خلع ملابسه, وتنظيف باقي جسده, بخرق نظيفة مبلولة بماء معطر بسائل الكولونيا, التي تسربت رائحته عبر القصب العتيق الى انفي وعشعشت في ذاكرته, ثم ساعدته في ارتداء ملابس احد اعمامي. واسترعى انتباهي ان الشاب يسأل عني ومن اكون, شيء ما ارتعش اكثر من اذني, وانا اسمع صوته الرجولي وبحته الناعمة, كنت اصغي الى اجابة جدتي, وانا اصلي من اعماقي الا تشتم وتتأفف كعادتها, قالت: (قلنا نزوجهم فنرتاح, لكنهم سرعان ما يخلفون قلوبنا ويرحلون تاركين مسئولياتهم الكبيرة على صدورنا الضيقة) . وارتحت الى ان جدتي لم تزد, لانها في كل مرة تذكر فيها ابوي اشعر بثقلي وعبئي الكبير عليهما, وايضا كرهي لوالدي في المهجر, اللذين يلملمان المستقبل في صناديق من أمان لنا نحن الاولاد, كما يرددان في الرسائل!. سنين عديدة مدت قامتي, وتغلغلت في رأسي وشراييني, ونهدي الصغيرين اللذين بدءا باعلان امر قادم الي لم اكن اعرف ماهو, او اجرؤ على سؤال جدتي حين اراها تغمز للقريبات او الجارات ان :(ليس بعد!) ثم تلحقها بتنهيدة خائفة وتقول (والحمد لله)! بينما تتطاول العيون بشراسة لتنغرز في صدري! فاسارع الى الاختباء والبكاء وارتداء اي شيء فضفاض يخفي صدري. وكثيرا مادفعني ذلك ايضا لان اسوي من ملابسي وانا انطوي او اركع لالمع الارضية, ابحث عن ظلي, وارقب من قبة القميص نهدي البارزين ببشاعة فظيعة مرفقة بألم كريه, واتمنى ان يبتلعهما الضوء المشاكس الآتي من البابين امامي وورائي كما يبتلع ظلي! نادتني جدتي للاغتسال والتهيؤ للنوم, لم تكن لدينا تمديدات صحية او مغاسل, فخرجت خلف البيت حيث الصنبور الوحيد, وكانت مياه الفيجة لا تزال تنسكب على غير عادتها, ربما كان المسئول عن (حاووظ الماء) قد نسي قطعها ذلك المساء! فتحت الصنبور وارتعشت لبرودة الماء, كان الوقت اول الصيف, وايار يلملم آخر ساعاته للرحيل, وكانت الدالية المرفوعة على اعمدة واسلاك فوق رأسي تسقط على جسدي ظلالا وبقعا قمرية تتنزل من سماء في غاية الصفاء والفضة. وراحت المياه المسكوبة على قدمي وذراعي تنثر رذاذها المتطاير, فأتشتت معه, وارى في الرذاذ وجهي أبي وأمي, ثم اخوتي الذين لم اعرفهم سوى في الصور والرسائل, ثم ارى نهدي الشرسين يلتصقان بصدري ولا يتطايران, برغم صلاتي الحارة التي ارسلها الى الرب عاليا عبر اوراق الدالية! اغمض عيني وتنسكب المياه على وجهي, ينهمر وجه القريب آمامي, وينزاح صوته وبحته الآسرة في شراييني, لم أكن اعرف كنه شعوري نحوه, كان احساسا غريبا لم اشعره حيال آخر اطلاقا, تمنيت وانا اجفف بللي ان ادخل من الباب الغربي ويكون الصبح قد هل من الباب الشرقي لاسمع صوته وهو يخصني ببحته بصباح الخير! لكني سرعان ما تكومت في دفء حضن جدتي, وقبالتنا كان جدي يخلع طاقيته القماشية البيضاء يعلقها على احدى اعمدة السرير الحديد ويغوص تحت اللحاف. وبجانبه على الارضية كانت جدتي قد مدت فرشة سميكة من الصوف, للشاب, الذي لم اكن اتمكن من رؤيته, لكني كنت اسمع انتظام انفاسه وهو يغط في نوم عميق. لم استطع النوم, وقلبي يتابع بخفقان شديد انفاس القريب الغريب, اتصور من جديد اصابعه التي تشد على كف جدي, ارى جرحه الاسود اللون, اسمع (آخه) الهادئة تنسكب بلا انقطاع في داخلي, اسخن, وانا استرجع صوته يسأل عني ومن اكون ـ الملم اطراف حديثه المتقطع , وانا الوب في الدخول والخروج لتنفيذ اوامر جدتي, وما فهمته انه قادم من لبنان, وكان يعمل في طرابلس, بعد ان هجر والداه بيروت تحت القصف, وانه تعرض لهجوم واسئلة مخزية, وقبل ان يمعنوا النظر في هويته الشخصية كانت طعنة قد اصابته في ذراعه من حربة بندقية, وانه بقدرة قادر استطاع الهرب, وتجاوز الحدود, في طرق ترابية بعيدة عن الحواجز, ثم وصل الينا, وراح جدي يلعن من جديد ويردد: (الاغبياء, الحمير, هي مجرد لعبة قذرة, متى سيفهمون) ؟ وعندما عدت من الخارج بعد ان نشرت ببعض المناشف على الحبل تحت الدالية, كانت جدتي تولول, تضرب كفا بكف, وهي تلوم اخاها طيب القلب الذي ركض وراء ساقي زوجته (العديمة) هكذا كانت في بيت اهلها, وانها صارت من (الافندية) وصدقت نفسها, وراحت تعيش في بيروت, وقد شحطت وراءها اولادا صغارا رمتهم في الضياع والحرب! ثم نهضت بعصبية ودخلت وراء الحاجز القصبي, وهي تقول لي بهمس متشنج: (ان شاء الله تأتيها قذيفة وتقصف عمرها, قبل ان يجرح احد من أبنائها!) اسخن من جديد وانا في السرير, اتشتت ما بيني وبين الانفاس المختلطة النائمة, ولست ادري كم نمت, وكم همت, وكم طال انبلاج الصباح , الى ان نهضنا اولا, جدي وجدتي وانا, وسارعنا لترتيب الاشياء, ونحن نتهامس, وللضرورة وحسب, ونمشي على رؤوس اصابعنا, لكن ذلك لم يمنع الشاب من الاستيقاظ باكرا, سارع جدي لمساعدته, وسارعت جدتي لفتح النافذة الوحيدة والبابين كان الصباح بالكاد يحشر نفسه في الآفاق الشرقية ويطل عبر الدالية العالية. وانهمكنا في تحضير الفطور الذي سرعان ما تحلقنا حوله, ومصادفة, كان جلوسي قبالته تماما, استطعت رؤية وجهه وذقنه التي نعمها له جدي. كان وجهه اقل كمدا, وعيناه تشعان بسواد اجفلني وهو يتدفق على وجهي, ثم يبتسم. ولم يكن بمقدوري ان ابتسم بالمقابل. لفت نظري كثافة حاجبيه, ورموش عينيه الطويلة, والهالتان الزرقاوان العنيدتان. لكنه كان بمقدوري ان المح ايضا طيبة ما! تناولنا طعامنا بصمت يكاد يطبق على المكان, لولا تدخل جدي وجدتي كل حين والقسم على قريبنا ان يأكل قدر ما يستطيع, لتقوية جسده الضعيف. كانت ابتسامته الهادئة والشاكرة تتناغم في صدري مع اعلان جدي انه لن يغادرنا حتى يتماثل للشفاء تماما, وتقبع في صدري كومة من الهدوء والفرح السريين. حاولت جاهدة ان البي طلبات جدتي بسرعة كبيرة, كي يتسنى لي الاقتراب وسماع حديثهما. انتبه الي جدي وهو يشير الى عمود البيت في المنتصف: (نسميه الساموك) , يشرح جدي متابعا: (هو عمود البيت الرئيسي الذي يسند السقف) . وكأنني لم ار هذا الساموك قبلا! وراحت نظراتي تتسلق عليه وهو يرتفع ثم يغلظ حتى يصير مثلت الرأس عريضا وسميكا في الاعلى, حيث فجوة ربط اليها (النيون) الكهربائي, ونواصة صغيرة خضراء اللون, ليحلا محل ضوء الكاز الصغير و(اللوكس), قبل قدوم الكهرباء الى قريتنا. وكان جدي قد علق على طرفي الساموك في الاعلى, حيث يسند السقف وعوارضه الخشبية المتينة, اطر صور عديدة. وفي الاسفل قليلا علقت (رزنامة) ومنشفة, وسبحة جدي الطويلة, ومن الخلف علقت جدتي عدة خياطتها, وكيسا مطرزا يحمل كتاب (القرآن الكريم) . اشار جدي الى احدى الصور قائلا: (هو جيفارا) لابد أنك سمعت عنه, الله يرحمه, تدخلت جدتي, وهي تقطع قرون الفاصولياء الخضراء, (ويرحم شبيهه) . وقد تغرغرت عيناها بدموع لم تسقط. فهي تعشق صورة (جيفارا) لأنه يشبه عمي الذي استشهد في حرب فلسطين. بينما جدي علّقها حبا به وقد سمع عنه الكثير من شباب القرية رفاق اعمامي, وايضا من الاخبار اللندنية, التي يثق بها جدي الى حد كبير! ثم اشار بسبابته الى صورة اخرى مستطيلة الشكل, قال: (هؤلاء, شهداء السادس من ايار, واسماؤهم) قاطعه القريب قائلا ان ببيتهم في بيروت صورة مماثلة. ثم يشير جدي الى صورة شخصية كاملة للشيخ (صالح العلي) وهو بلباسه الشعبي يحمل في يده بندقية. كاد قلبي يطير من اضلاعي اذ باغتني الشاب بقوله: (لابد انك تعرفين الكثير عنه, ولعلك قرأت ذلك, ستحدثينني في ذلك فيما بعد!) . سخونة وجهي جعلتني اخمن ان الاحمرار اشعل وجنتي. ما الذي يشدني الى هذا القريب؟ وما هذا الذي اشعر به ولأول مرة في حياتي؟! اتساءل سرا, ولم اجبه, فقد التهم الخجل صوتي. واتابع حيث تروح نظراته لتتسلق عليها نظراتي. اكد جدي حديثه عن (الشيخ صالح العلي) قائلا: (نعم, قدس الله روحه, انه المناضل البطل, ابن منطقتنا, هو من قرية (الشيخ بدر) قريب طرطوس.. قاطعه الشاب: (اجل, اعرف عنه القليل, ويهمني ان اعرف عنه اكثر) . ثم توجه اليّ: (هذه مهمتك, اتفقنا) واشاح عينيه عني دون ملاحظة دواري! همست جدتي بصوت مسموع: (ياحسرتي عليكم يا اولاد اخي, لقد ابعدتكم امكم عن دياركم واهلكم وقراكم, نعم تريد ان تعيش مثل الخواجات في بيروت! ايه يا زمن!؟ ابتسم الشاب بهدوء وهو يطالع وجه عمته, وبدا عليه مأسورا بشخصيتها القوية, وقال ببحته التي لا تني تنحشر في اذني وبين اضلاعي: (ايه, يا عمة, نحن بخير, بيروت الان في حالة طارئة, وستخرج منها معافاة بإذن الله, بيروت ستظل قوية) . اجابت جدتي بحنق: (حتى تطوف الدماء الى الركب؟ نعم ربما.. اي والله) . هزت رأسها وراحت تتابع عملها في تقطيع قرون الفاصولياء. وعلق جدّي بأسى مؤكدا حديث زوجته: (لكن الجرح هذه المرة كبير وفظيع, فظيع, استر يارب) . وانا اتوه بين التعليقات وأمر الحصول على معلومات اكثر عن الشيخ صالح العلي خارج الكتب المدرسية! ينقطع شرودي والحق بالشاب الذي توجه نحو الحاجز القصبي الذي يفصل المطبخ عن بقية الدار. وابدى اعجابه الشديد حين عرف ان جدتي هي التي صنعت اطباق القش الملونة وزينت اطرافها, ثم علق عليها الكثير من الصور: وجوه العائلة من الراحلين والاحياء, كبارا وصغارا, وبعض صور المعارف والجيران, استطاع الشاب ان يميز صور ابيه وهو في بداية شبابه. وعلى الطبق الاخر كانت صور تحمل رسما لمدينة طرطوس, جزيرة ارواد, قلعة المرقب, البحر, برج صافيتا, وكثيرا ايضا من الصور, بطاقات المعايدة التي ارسلها والدي الينا خلال السنين الماضيات, كلها صور من الارجنتين, مدائن, قرى, آثار, بحر, شوارع وغيرها. وفي بعضها صور لعائلتي واخوتي خلال رحلاتهم هناك. همس لي الشاب بتأس: (لابد انك مشتاقة اليهم؟) وكأنني تيبست, ولم اجب, احسست ان كلمة الاشتياق هذه لا معنى لها, وان السنين تغير المشاعر. وتغيم اشياء كثيرة.. هذا ما اكتشفته فيما بعد وانا افسر صمتي وعدم قناعتي بأي جواب, وبعد ذلك عرفت ايضا بأننا نحن والسنين والغياب الذين نعطي للمفردات والاجوبة معانيهاوتغيراتها قيمتها او زوالها!. وبعد غداء ذلك اليوم, اخرج الشاب علبة متوسطة الحجم من حقيبته الصغيرة, مد يده لي قائلا: (هي لك. تعالي لأريك اياها) , جلست بفرح سري وارتباك واضح, فتح العلبة, ثم اخرج قطعا صغيرة الحجم كثيرة, فهمت انها لعبة تركيبية, اذ ان الوانها تشابه تماما الوان الصورة على غلاف العلبة. قال: (هيا ركبي القطع وشكلي اللوحة لأرى شطارتك) . علقت جدتي الجالسة بجانبي ترتق بعض جواربنا المثقوبة على الكعب او عند اصابع القدمين: (نعم, هي (شاطرة) كثيرا, كما انها الاولى في صفها, وتسبق جميع البنات والصبيان) . سربلني فرح هائل وانا اسمع رأي جدتي بي ولأول مرة ايضا. حاولت التركيز, وقد ارتعش داخلي وفار حين لامست اصابع الشاب كفي ودون قصد منه. ورحت ألملم شتاتي على القطع المحيرة, كان يساعدني, قائلا: (هكذا تماما, تعلمي ان تبدأي بالقطع ذات الالوان الموحدة, كوني الفضاء اولا والاطار ثم ستجدين الامر سهلا هنا في الداخل, هل فهمت, بل ان ذلك يفيدك في اشياء كثيرة فيما بعد, لعلك لن تفهمي قصدي الان, لكنك ستذكرينه حتما. وخز احس به, اذ يتهمني بعدم الفهم! ابتلعت الاهانة وانا افكر انه باستطاعتي فهم اي شيء, فلماذا يظن نفسه العارف فقط؟! كانت القطع المركبة تعلن شيئا فشيئا عن الرسم المشابه على الغلاف, خضرة وزرقة ازهار, حيوانات اليفة, نهر, فراشات, بيت منعزل جميل, وعلى الضفة كان شاب وفتاة يجلسان على صخرة وقد تشابكت اصابعهما. حدقت بهما, اسخن, وانا اراه واراني, ويتوقف النهر وتطير الفراشات الى الغيوم البيضاء في اعلى اللوحة. وتمتد ذراعه دون اي جرح او دماء لتكن مطرحا آمنا لي. قال: (سأرسل لك الكثير من هذه اللوحات ان اعجبتك, فأنا مغرم بتركيبها, ولعلني اعوض عجزي امام ما يحدث لاعادة تركيب ما تمزق وما تدمر, ليتني افعل ذلك حقا!) نظرت اليه اذ احسست انه يحدث نفسه, ولأعترف اني لم افهم ما عناه, لكني استطعت ان اتلمس احساسا بالقهر في عينيه ووجهه وحركة اصابعه. وفكرت في عدد السنوات التي يزيدني بها, احسسته كبيرا وشارباه الكثيفان يوحيان بالرجولة. قلت بأنني احببتها. وقبل ان اسمع رده, لم اجدني الا والسؤال يندلق مني: (متى ستنتهي الحرب في لبنان؟) لم يجب, وظل شاردا, بينما اصابعه تلامس الذراع والشاش. نظر الى الصور المعلقة تارة الى (جيفارا) واخرى الى الشهداء وحطت على (الشيخ صالح العلي) قلت بارتباك: (لقد كان مجاهدا, قاتل الفرنسيين في جبالنا, يساعد بقية الثوار في باقي مناطق الوطن. ثم توقفت وابتسمت! قال: (اعرف ذلك, ولكن اريد ان تحكي لي كيف عاش, وكيف ناضل, وكيف مات؟) قلت: (لم ندرس ذلك. في كتاب التاريخ) وكنت بذلك اداري خيبة ابتسامتي! اجاب بهدوء وثقة: (مازلت صغيرة, ولكن تعلمي ان تقرأي الكتب خارج البرامج المدرسية هي ليست كافية لتركيب حكاية مقنعة وسليمة, ربما ستفهمين هذا اكثر حين تكبرين!) . هي ذي اهانة للمرة الثانية! كأنما غضب مزق في, اجبت بحدة: (انا كبيرة) ضحك وقال: طبعا, طبعا, ولكن حين تكبرين اكثر) . لم استطع النظر في سواد عينيه المترفقتين تتأملان وجهي. اشحت بنظري وابتعدت وانااشعر بالحنق مازال, ولم اصغ لجدتي التي طلبت الي الجلوس لشرب الشاي, عادتنا اليومية بعد استيقاظ جدي من قيلولته القصيرة. خرجت وانا اتابع ظلي على الارض الاسمنتية التي لمعتها جدتي بشدة هذا الصباح, كنت ارى ظلي مبهم الملامح, يتطاول حينا ويتقزم حينا اخر. ولم يكن الضوء يمارس لعبته بالمشاركة حينها, اذ ان جدتي ردت, الباب الغربي قليلا لتجنب حرارة الشمس التي بدت تنحدر في طريقها نحو البحر البعيد. دخلت, وخرجت, آلاف المرات مررت وانا اتابع ظلي والاف المرات حاولت تحديد ملامحي, وايضا ظل الذي وقف امام (الساموك), وامام الاطباق والصور, مشيرا بيساره, ويمناه مربوطة بالشاش. آلاف المرات عاد كلامه, وانا اقبع مع الكتب التي كنت استعيرها من بيوت الاقارب والمعارف, والقليل الذي استطعت شراءه خلسة عن جدتي الحريصة على مصروفنا وأموال ابي: (الامانة) كما تردد دائما! آلاف المرات فككت اللوحة العتيقة ذاتها, بعثرت النهر والغيوم, طيرت الفراشات ابعدت الخراف عن العشب, نسفت البيت, فككت تشابك اصابع الفتاة والشاب, ازحت الصخرة من تحتهما اغوص بهما في الماء, غضبت انه لم ينتبه اليّ, وأنه لم يرسل لي غير تلك اللوحة, تأججت الصورة المشتتة, اضطرب الحنق, واعدت تجميعها. ثم لجأت الى قص بعض صور اهلي واخوتي, باعدت بين الوجوه, ضيعتها وأحيانا اعدت الصاقها, واخرى تركتها مفككة تائهة, مزقت المدن والشوارع, رحلاتهم والتصاقهم, مزقت دموعي وألمي, وتلفعت بدفء حضن جدتي, بل اني صرت احضنها انا, الملم ضعفها, وجسدها الهزيل, كآباتها, واحزانها بعد رحيل جدي المباغت المفجع. وحده (الساموك) كان يسند ظهري في ليالي وحدتي وانتظاري, واقلب صفحات الكتب التي اضعها على ركبتي, يحضرون جميعهم: الشيخ صالح العلي, جيفارا, شهداء ايار, شهداء الشهور والسنين كلهم! وجراح الاوطان, والاحلام, نزف بيروت الذي لايزال, نزف المجازر التي لم تنته بعد, نزف ليالي جدتي, ونزف حنيني الى عائلة! ويعودني جرحه المتخثر الاسود, قهر عينيه وهو يحلم بتركيب الشمل الممزق, افهم اجل, وافهم اكثر, لم تكفني لوحة تركيبية واحدة, فاقتنين الكثير منها, لم تهدئ من نزفي, فأروح ادلقه على دفاتر الرسم المخبأة وعلى اصابعي الملطخة بالألوان والايام والانتظار, بالخوف والحلم الذي يظل قطعة هاربة في لوحتي التركيبية. خواء يوشي زوايا الاطر والفضاءات التي امعن في ترتيبها اولا, كما نصحني في ذلك اليوم العتيق, لكني كثيرا ما كنت اضيع بين التركيز على الداخل في الوسط او على الاطراف, يتناثر توهاني, يتعتق في كل المساءات, الى ان كان ذلك المساء: وكانت الساعة تشير الى الثامنة مساء, موعد نشرة الاخبار التي اشاهدها يوميا في التلفاز الصغير الملون الذي دخل منذ زمن قريب الى قريتنا. كان الباب الغربي مشرعا, يحمل قطعة من السماء الصافية, وهلالا صغيرا ينساب ببطء شديد نحو البحر بعيدا وراء السهول والجبال, وكانت جدتي تلملم الصحون, ترتبها على الرفوف المكدسة اوان ونظافة, واوجاع زمن عتيق لا يروح او يتفكك او يتبدد! اجفل اذ يباغتني صوتها, فتطير الالوان والرسم, تنفلت الريشة من يدي, ابعد اوراقي, لأتجه صوب الباب المفتوح, وارى الضيف القادم, صامتا كان, واقفا يغيب وجه الهلال! كان ابن عمي الذي تربطني به سنون وبوح واخوة. كدت ارحب به وادعوه للدخول, سحرني وجهه المسود, وجموده الفظيع, ظل واقفا بالباب وهو يمد لي يده برسالة مفتوحة, بأصابع مرتجفة احملها, وادخل, فيدخل ورائي. افتح الورقة المطوية بعد ان تأكدت من العنوان ان الرسالة ليست لي ولا من اهلي, وانما لابن عمي هذا. وتنط عيناي ما بين عينيه الضبابيتين المعاني, وما بين السطور, اقرأ, واشهق, وجدتي التي انهارت بجذعها تقتعد الارض العارية, تحثني ان اقرأ ببطء اكثر, وكان صوتي المرتجف يعلن: (انه انفجر في بيروت, وبالكاد تعرفوا على جثته او بقية الجثة, وما وجدوه جزءا من صدره, وجيب قميصه الذي يحمل بطاقته الشخصية, وكيف انه كان يسير آمنا, وفجأة تقصقص اشلاء طارت في الفضاء, تناثرت, وقرأت ايضا: ان الحرب تجيد تمزيق اللوحة, ودون تسلية او اي مزاح ابيض او اسود, تشتت القطع وتضيعها! قاصة من سوريا