الدكتور عبد الحميد عقار أستاذ جامعي وناقد أدبي مغربي معروف له العديد من الكتب والمشاركات النقدية تنظيرا وتطبيقا, وهو مؤسس ومدير تحرير مجلة (الجسور) التي منعتها السلطات في يناير 1984 وهو مسئول في قيادة اتحاد كتاب المغرب في الفترة من 1989 - 1997. التقيناه في القاهرة وحاورناه: * يبدو لي أن النقد الأدبي العربي في المغرب يحتفي بالنظريات أكثر من احتفائه بالنصوص الأدبية ولغته عالية على القارئ. ما رأيك؟ ـ ان الحركة النقدية الأدبية بالمغرب تشهد تحولا عميقا في الأدوات الإجرائية وفي المفاهيم وفي التصورات التي توجد في أصل التحليل والتقويم والتأويل, ولهذا التحول أسباب متنوعة في مقدمتها يأتي دور الجامعة, يضاف إلى ذلك عمق التفاعل والتواصل بين المغرب والمشرق حيث عرفت الحركة الأدبية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة تداولا واسعا وحضورا أقوى مما كان عليه الأمر في السابق في أقطار المشرق العربي وخاصة بمصر ولبنان. هذه العوامل وغيرها ساهمت في أن يصبح النقد الأدبي بالمغرب مطبوعا بهاجسين اثنين: هما هاجس التأصيل النظري. وهاجس تجديد النظرة للأدب ولسبل تذوقه وتلقيه وإسهامه في تعميق الحقل الثقافي وإثرائه. * ما هي الاتجاهات الرئيسية في الدراسات المغربية؟ ـ هناك اتجاهان رئيسيان في هذه الدراسات تجاه النظريات النقدية الحديثة. الأول تكون فيه هذه النظريات مجرد خلفية فكرية ومنهجية, وهي لذلك لا تحضر في الدراسة بشكل مباشر بل تظهر في صيغة تبين مهارة الناقد واستيعابه النقدي لهذه النظريات وقدرته على جعلها تطور معرفتنا بالنصوص والآثار الإبداعية. والاتجاه الآخر هو الذي يبدو فيه الحرص على العرض المباشر الدقيق لهذه النظريات. ومن الملاحظ أن الغاية التعليمية والتنويرية واضحة الحضور وربما تتحول أحيانا إلى عائق أمام إدراك واستيعاب كنه النصوص والآثار الأدبية خصوصا. ومع ذلك فلا يمكن التغاضي عن وجود ثغرات في العديد من هذه الدراسات بسبب عدم الاستيعاب الدقيق لتلك النظريات أو التسرع في استثمارها وتوظيفها في تحليل نصوص قد لا تكون متوفرة على الثراء الأدبي الملائم. * من الشكل الظاهري يبدو أن حركة النقد أسرع وأوفر من حركة الإبداع في المغرب ما رأيك؟ ـ بالفعل قد يبدو للملاحظ أن حركة النقد الأدبي في المغرب تعرف دينامية وحضورا أقوى من الإبداع الأدبي نفسه, غير أن حقيقة الأمر مختلفة تماما, ذلك لأن كتب النقد والدراسات الأدبية تجد صداها وشروط تداولها في المغرب وخارج المغرب بشكل أقوى مما هو متاح للآثار الإبداعية والأدبية, لأن الإنتاج النقدي يلبي حاجات القراء والمتلقين مثلما يلبي تطلعات الباحثين والمشتغلين بحقل الدراسات بصفة عامة, ثم أن النقد في وضعه الراهن أصبح مجالا تتقاطع فيه المعارف وتتداخل فيه التخصصات, وبالمقابل فالإبداع الفني والأدبي بالمغرب لايزال يبحث عن سلطة معرفية وعن سوق تسمح له بالتداول الواسع. ولا يرجع ذلك لضعف هذا الإنتاج, لأن الإبداع الأدبي وبخاصة في القصة والرواية والمسرحية شهد خلال العقود الأخيرة تراكما كميا ونوعيا جديرا بالانتباه. * ما هي مساحة هامش الحرية المتاح للمبدعين في المغرب؟ ـ الحرية بالنسبة للمبدع فضاء لا سقف له سوى سقف المعرفة والأخلاق الفكرية. وفي المغرب وبعد فترات من التردد ومن عدم القبول بحرية التعبير وحرية الإبداع يمكن القول أن الكاتب المغربي اليوم يعيش في فضاء أوسع حرية مما كان عليه قبل عقدين من الزمن. ـ لقد صار اهتمام الإبداع الأدبي بالمحظور وبالمسكوت عنه في اللغة وفي الثقافة وفي القيم اهتماما واسعا وخلاقا. فالعديد من المحرمات أصبحت تشكل موضوعا ومدارا للعديد من الروايات والقصص والمسرحيات والقصائد الشعرية, ولغة الإبداع نفسها بدأت تتخلص على أيدي المبدعين من قيود الحظر والنظرة السلفية لها, فضلا عن أن المتخيل الفصيح أو الشعبي أصبح منبعا أساسيا للإبداع من خلاله يتم التقاط مكونات الذاكرة الفردية والجماعية, ويتم التقاط ما لم يكن من السهل التحدث عنه في الإبداع الأدبي قبل هذين العقدين, كل ذلك وغيره يؤكد نوعا من التحرر في الإبداع الأدبي تجاه سلطتي الحظر والتهميش. * هل هناك وقائع قمع لمن يخترقون (التابو) من المبدعين؟ ـ سجل التاريخ الثقافي الحديث والمعاصر للمغرب عدة حالات لقمع حرية التعبير وحرية الإبداع, حيث تعرضت بعض المجلات وبعض الكتب للمنع والمصادرة خلال الفترات التي شهدت توتر العلاقة بين السلطة والمجتمع وخلال الفترة التي شهدت حدة الصراع الاجتماعي والثقافي بالمغرب, ولكن منذ أواخر الثمانينيات تقريبا وباستثناء حالات عارضة لم تعد الكتب التي يمس موضوعها بعض المحرمات تتعرض للتوقف أو المنع. * وكيف ينظر التيار السلفي وتيار الإسلام السياسي لمثل هذا التحديث في الأدب والثقافة في المغرب؟ ـ هناك بالتأكيد تميز بين التيار السلفي وتيارات الإسلام السياسي التي تستند إلى العنف الجسدي أو اللفظي وتتبنى فكرة احتكار الحق في فهم الدين وتأويله تأويلا أحاديا يخدم أيديولوجيا معينة. فالتيار السلفي بالمغرب لعب دورا إيجابيا في تطور الثقافة والفكر بالمغرب إلى حدود الخمسينيات من هذا القرن لأن هذا التيار امتزجت لديه قيم الإصلاح والتجديد بالحاجة إلى مقاومة الاستعمار, وإعادة بناء الوعي الوطني بالسيادة. وهو تيار لا يعترض بعنف على التحديث وعلى التوجهات الجديدة في الثقافة وفي الفكر في المغرب وإن كان يخالفها الرأي في بعض الجوانب, بينما تيارات الإسلام السياسي المعاصرة وإن كانت لا تمارس إلى حدود اليوم عنفا وتطرفا كالذي تشهده بعض الأقطار العربية إلا أنها تطرح نفسها باعتبارها (البديل الوحيد) الممكن للحداثة بالمغرب. والاختلاف في الرؤى يضفي على الحقل الإبداعي والثقافي بالمغرب سمة التنوع ويعتبر منبعا للثراء ومجالا للتمترس بقيم احترام الآخر والتسامح والقبول بالرأي المخالف. * من الملاحظ كثرة الطرق الصوفية وتجذرها في المغرب فهل انعكست الثقافة واللغة الصوفية على الأدب في المغرب؟ ـ تمثل الكتابة الصوفية رافدا أساسيا من روافد الحداثة الأدبية في المغرب, وأحد المراجع التي تساهم في تجديد الشكل الأدبي للقصة أو القصيدة أو الرواية وعلى هذا فإن الخطاب الصوفي أصبح يحظى بأهمية خاصة حتى في الدراسات النقدية والجامعية لأن هذا الخطاب يعتبر ملتقى المخيلة الشعبية والمخيلة العامة أو الخاصة. هذا فضلا عما يتميز به من طابع إشراقي يتحقق فيه إلغاء الحدود بين العيني والملموس وبين المتخيل, بين الأرضي والسماوي, بين الفردي والجماعي. فتحي عامر ـ القاهرة