ولد محمد إقبال في التاسع من نوفمبر عام ,1877 تلقى دروسه الاولى على يد والديه وشقيقه ومعلمه ليتخرج من مدرسة الوجدان التي تشرف عليها التربية الروحية, كان عميق الايمان بالله تعالى وبرسوله الكريم فعرف نفسه وصان كرامته. بعد نيله البكالوريوس في العربية, حصل إقبال على ليسانس الحقوق من جامعة لندن عام 1905, ثم نال الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ميونيخ, له عشرة دواوين, اولها: اسرار النفس, وآخرها: رسالة من الحجاز. وقصائد إقبال عميقة كحياته, هدف الى افساح الطريق بين العبد وربه مباشرة. يقول: عبّد طريقك بفأسك. دعا الى اغناء الذات, ودرس المجتمعات الانسانية. اراد للشعر ان يمتزج بحقائق الوجود, وان يناجي النسائم, كان شاعرا فيلسوفا ثائرا على الظلم والظالمين, داعيا لبناء عالم يعكس شمولية الاسلام. ناشد الذين يجهلون حقيقة الاسلام ان يمعنوا النظر في القرآن الكريم. ومذهب إقبال في الفنون عامة انها تقصد ان يتحلى الانسان بالاخلاق التي ارادها الله عز وجل, وكل فن اتسم بالضعف والفساد لا قيمة له, من هنا يرى الفن تعبيرا عن تأثير الانسان في الطبيعة. ولإقبال قصيدة بعنوان: (العالم بلا قلب) , يطوف فيها بالبحر فيراه دائب الحركة, فيسأل: هل بين آلاف الدرر واللآلئ التي في قاعه قلب كجوهر قلب الانسان؟. لكن البحر يهرب بأمواجه, فيذهب الشاعر الى الجبل ويسأل: انت لا تسمع آهات البائسين, أفبين يواقيتك كلها ما يعدل قطرة من دماء المنكودين؟ لكن الجبل لا يحير جوابا, فيسامر الشاعر القمر: انت دائم السفر, ويبين العالم خميلة جميلة ببهائك البديع, افهذا النور المنبعث منك هو سنا حرقة قلبك؟ فينظر القمر شطر الشمس.. وعندئذ يتجاوز الشاعر الشمس والقمر ويمثل في حضرة الله عز وجل: عالمك واسع جدا, لا استطيع ان احيط بعلم ذرة منه. ويتغنى إقبال في قصيدة (صدر الشاعر) بمزايا القلب, لكن اكثر الناس لهم قلوب لا يفقهون بها, فكيف لهم ان يلحقوا بـ: (مأدبة العشق) ؟ وعن كلمة الحب يقول إقبال: أحب احتراقي بنار اشتياقي ولا أرتضي عيشة الخاملين فناء الفراشة في النار يعلو حياة الجبان طوال السنين كان إقبال متمكنا من اللغة العربية, ترى في قصائده كثيرا من الكلمات العربية الى جانب التركية والفارسية, وكلها مذابة في الأوردية. ونظر إقبال الى العربية نظرة احترام لأنها لغة القرآن والحديث, وكان متفتح النفس تجاه جميع الامم, انه كاشف صادق لجوهر الحياة. ولقد كان إقبال يؤمن بضرورة تحرير العقل, ففي إحدى خطبه يقول: لم اكن يوما في احدى الجماعات او الهيئات قائدا ولا جنديا اخضع لقائد, وانما استنفدت اعوام حياتي دراسة واطلاعا لحقيقة الاسلام, وكان اهتمامي وتأثري بروح الاصول الاسلامية, مما اكسبني بصيرة اكتشفت على ضوئها ان الاسلام حقيقة عالمية, وان أصوله ضمان لتحقيق النتائج المرجوة. واذا كان إقبال قد اهتم بقضية التجديد, فإن نقطة البدء في فكره الفلسفي انما تتمثل في الذاتية, فمن عرف نفسه أحب ربه. واراد إقبال ان يبدأ الطريق من ذاته بحيث ينطلق الى غاية الغايات, من هنا كانت فلسفته تتضمن دعوة لبعث جديد للأمة الاسلامية. ودعا إقبال لرؤية الحياة على حقيقتها, واشار الى البناء على مجد الماضي الى جانب ما انتجته الحضارة المعاصرة من تقدم. كان يحلم بعالم تسوده المحبة وتنام فيه الاهواء, نظر الى الواقع فبدت أمراضه واضحة كالشمس في رائعة النهار, فأراد ان ينقذ السقيم, ووضع حكمته الخالدة التي هي وقود الخلاص, وحادي القافلة الى الاسلام. مات إقبال في الحادي والعشرين من ابريل عام 1938, وبنيت مقبرته قرب المسجد الكبير بلاهور بعد ان صدرت عنه خمسة آلاف عنوان باللغات الحية. دمشق ـ علاء الدين حسين