ماذا يحدث في قرية صغيرة, تحظر تماما اي علاقة بين الذكور والاناث, حين تتكرر مفاجأة بعض الفتيات. في عز ظهيرة صيف, وهن في وضع متحرر, ليس فقط باقتحام عيني غريب من جنس الرجال للمحظور من اجسامهن, بل الادهى والأمر، ان يكون هذا الرجل عاريا تماما, ولن يستطعن ابدا ان يتأكدن من شخصيته, لأنه بمجرد ان يشعرن بوجوده وتنطلق صرخات استغاثتهن, يكون قد ولى هاربا! كانت تلك هي (القيمة) الرئيسية, لرواية عادل عصمت الجديدة (الجسد العاري) , التي صدرت عن دار شرقيات للنشر وكانت قد صدرت له من قبل رواية (هاجس موت) (1995). وحده, الفن, بما يمتلك من خيال مجنح, خصب, لا حدود لحركته, يقتحم المحظور, ليعري لنا هذا العالم الخفي, في ومضة كاشفة, وهو ما فعله الكاتب الموهوب عادل عصمت, حين ابتكر في لحظة استبصار هائلة, علاقة جديدة, اتخذ منها تكئة لولوج أعتاب هذا العالم واضاءة خباياه. واذا كانت ادق ادق اسرار الانثى, واكثرها بعدا عن الاعين هو جسمها, واذا كانت ادق ادق اسرار الرجل, واكثرها بعدا عن الاعين هو جسمه, فإن الخيال الجميل لهذه الرواية, استطاع ان يقتحم ادق تلك الخصوصيات, وذلك حين كانت الانثى في ذروة الكشف عن مكنوزها السري, وهو جسمها, عندما ترقد في عزلتها عارية, او عندما تتجرد من ملابسها للاستحمام, فاذا بها تشعر بثقل نظرات الطرف الثاني, الرجل, المحظور التعامل معه, واذا هو ايضا, في ذروة كاشفة, متجرد من ملابسه, عاريا! اذن, كان عادل عصمت موفقا حين ابتكر هذه العلاقة الجديدة, لأن الطرف الدخيل في اطارها, هو (الرجل العاري) سيثير اسئلتنا, حول مبرر عريه.. أهي مجرد رغبة في العبث تتسم بقدر من الشقاوة تنزع الى الجنوح الى عالم الطفولة ثانية, حتى يجري عاريا في اي مكان دون ان يهتم به احد؟! ام هي مجرد رغبة خبيثة في لفت انتباه الآخرين, المنكفئين على ذواتهم, الى وجود جسده؟! ام هي رغبة في استعراض مكونات جسده الطبيعية ونقاط قوته وضعفه, كاشفا, في الوقت ذاته, عن جزء من نفسه الحقيقية, عن اشواقه المكبوتة, وأوجه قصوره وعدم قدرته؟! ام ان الرجل العاري ـ وهذا هو الاهم ـ يدعونا بفعله, بعد ان نزع عن نفسه الثياب الاجتماعية بكل ما تعنيه من مظاهر كاذبة, الى ولوج ذلك العالم المكنون, عالم الانثى والذكر المشترك, السري الدفين, المليء بالرغبات والتيارات والتصادمات والاحباطات, لنتفحصه عن قرب, من الداخل؟! يتكون بناء الرواية من تسعة اجزاء في الجزء الاول, بدأ تأصيل تلك العلاقة عبر (مفتتح) جامع, يليه ثلاث وقائع محددة, ويحقق هذا المفتتح جملة نقاط هامة حين يوضح ـ اولا: ان السرد في الرواية يتم بواسطة ضمير جمعي لأهل القرية, وهو صوت هادئ النبرة, بسيط, موضوعي. ـ ثانيا: يحدد هذا المفتتح زمن ظهور الرجل العاري وهو فصل الصيف ـ ثالثا: يقدم السرد الرجل العاري كحقيقة منتهية, تقريرية, كما المؤرخ في دقته, ليوهمنا بحدوث ظهوره, لكنه سرعان ما يلاحقنا بفتح ابواب عالم سحري قديم, متوارث عبر وجداننا الجمعي, عن تلك العوالم الاخرى, التي تحيط بكوكبنا مصحوبة بالكائنات التي تسكنها, ليدعونا كقراء الى استقبال هذا العالم, بفتح ابواب خيالنا بالمقابل!. بعد ذلك المفتتح تأتي ثلاث وقائع تؤكد ظهور الرجل العاري. الاولى والثانية بصرية بواسطة فتاتين هما (منتهى) التي كانت راقدة عارية الا من قميصها الوردي, وشعرت بحضوره غير المرئي, ولم تحتمله فغطت نفسها, وعندئذ رأته (يقفز السور عاريا, فارعا مضيئا في النور غير المحتمل لتلك الظهيرة وجسده يلمع كأنه مدهون بالزيت) , وبعد عدّة ايام, كانت (سعاد) تضع الذرة للبط في الخزانة العلوية وهي مقرفصة, حين شعرت بجدار الطين البعيد في عمق الخزانة المظلم يتحرك ورأت الرجل العاري امامها, لم يتحرك من مكانه لكنه كان يقترب. اما الواقعة الثالثة, فكانت (حسيّة) تعتمد على الرائحة, وحدثت بعد ذلك بعدة اسابيع على الرائحة (جاءت الصرخة هذه المرة من بيت امرأة عجوز كان بصرها قد ذهب) , وهي التي فضحت الامر وجعلت من الرجل العاري, لأول مرة, وجودا عينيا, فلم تكن الصرخات التي اطلقتها صرخات شخص رأى عفريتا, بل صرخات بشرية, بها حشرجة وقوة ورغبة في امساك الرجل الذي اقترب منها بروح شابة مجنونة. اما الاجزاء الثمانية الباقية من الرواية, فقد توزعت لتقدم العالم الداخلي لأربع حكايات طويلة مختلفة لم يتم تضفير اثنتين منها في نسيج مطرد, فجاءت كثلاث وحدات في تتابع متوال. الحكاية الاولى حول فتاة في فترة المراهقة والتلمذة (نوال نصار) , التي وصلها خطاب من محب مجهول, كان يراها اجمل الجميلات, حتى سمع بعلاقتها الشائنة في طنطا مع زملائه الاخرين, (مؤمن), الذي ارسل لها الخطاب, بعد ان كفر بالشعر الذي كان يكتبه بعدما سمعه عنها, وتنتهي حياتها بالانتحار حرقا. ويتضفر مع هذه الحكاية خلال الجزء الخامس حكاية (شوقية) ام مؤمن, التي فقدت اخاها (مؤمن) الكبير الطيار, الذي كانت تحبه حبا جما, فحاولت ان تجد في وليدها(مؤمن), بعض ما فقدته بموت اخيها, واخذت عليه عهدا وهو طفل ينتقل الى المدرسة الاعدادية, ان يدخل كلية الطيران, ليكون عوضا عن حلمها المهدر. الحكاية الثالثة, حكاية رجل وامرأة ناضجان (حمّاد وفرحة). والحكاية الرابعة, حول (سميرة ومحروس الطبال), التي ادعت كذبا انها شاهدت الرجل العاري, حتى تعطل زواج محروس, الذي هجرها ليتزوج من اخرى. وربما, طمح عادل عصمت من خلال هذه الحكايات, الى ابراز اكبر حيز ممكن من هذا العالم الداخلي للذكر والانثى, بدءا من فترة المراهقة (حكاية نوال نصار ومؤمن), وانتقالا الى عالم الكبار, وما يجتاح الحياة الزوجية من عواصف وتحولات نتيجة الغيرة وظروف الريف (حكاية حماد وفرحة), او تارة اخرى نتيجة الملل والثراء (حكاية سعاد ومحروس), مرورا بعلاقة حب اخت لأخيها (حكاية شوقية ومؤمن الكبير), وهو ما نتج عنه عدم تضفير هذه الحكايات ـ التي تصلح كل منها رواية مستقلة ـ في نسيج واحد, بل برز اغلبها في وحدات مستقلة متتابعة, وذلك لأن الفيصل في الفن, هو مدى التوفيق في اختيار جزء وبعث الحياة فيه, حتى ينصرف الاثر الى الكل!. اما حكاية حمّاد وفرحة فهي اعذب تلك الحكايات واجملها اطلاقا, بتوفيق عادل عصمت البالغ في رسم ابعاد علاقة بين رجل وامرأة, او بين زوج وزوجة, برهافة حس بالغة, مروية بذلك الشجن الهادئ الحزين, الذي يعكس عمق الالم, حين تأتي الطعنة من حيث لا تنتظر المرأة, من اقرب المقربين اليها, الذي فضلته على غيره, لتمضي مدانة, وفق مواضعات ريفية متوارثة, دون ان تذنب, وتعذب على ذنب لم ترتكبه, لتطفو ثانية على سطح واقع مرير مضطرة ان تعيش بين جدرانه!. حسين عيد ـ القاهرة