حينما تقترب بالطائرة من غينيا الجديدة, فإن اول ما سيشد انتباهك هو تلك الامتدادات الواسعة من اللون الاخضر المنقطة بلون احمر وردي. وتعتبر الغابات المطيرة الاستوائية في غينيا الجديدة من اكثر البيئات غنى بالكائنات على الارض. لكن هذا التجسيد للجمال ينقطع فجأة امامك وانت تشاهد اعمدة اللهب المتصاعدة من الغاز المحترق في حقول النفط, وقد قتلت حرارة الاعمدة النارية تلك مساحات من الاشجار حولها, لتمثل رمزا مكتملا لتجاهل الانسان للطبيعة. فجأة وانت تراقب حقل النفط يبرز بجانبك مخلوق كبير ربما تستغرب رؤيته, انه طائر (الشبنم) الشبيه بالنعامة, لكنه اصغر منها, على كل حال فإن هذا الطائر الخجول, الغريب, الذي لا يعرف الطيران والذي يعتمد في حياته على كرم الغابة يندر ان تراه الان قريبا من الاضطراب الذي احدثه البشر. وغينيا الجديدة جزيرة ليست كباقي بقاع الارض بمساحاتها الشاسعة من الغابات المطيرة وطيورها الفريدة وآلاف القبائل من السكان المحليين الذين كانوا لايزالون حتى فترة قريبة يستخدمون ادوات حجرية وليس لهم الا قدر من رمز التواصل مع العالم الخارجي. لكن اكتشاف النفط هناك قبل عقد من الان اخذ يهدد ذلك الفردوس البعيد, حيث تدير مجموعة من الشركات العالمية ضمن شركة مشتركة اسمها (جونيت فينتشر بارتنوز) اكبر حقول النفط والغاز الطبيعي في غينيا الجديدة على طول نهر كيكوري. يقع نهر كيكوري في دولة بابوا غينيا الجديدة, وهي التي تمثل النصف الشرقي من جزيرة غينيا الجديدة, وتتضمن منطقة مجرى كيكوري جبالا بركانية خامدة وانهارا تحت الارض وشلالات لا تحصى وكتلا حادة من الحجر الكلسي داخل منظر طبيعي ساحر. وصناعة النفط ليست الخطر الوحيد الذي يتهدد الغابة المطيرة البكر. اذ ان معظم هذه الغابات تواجه ايضا خطر القطع لتصدير الاخشاب ولن يتم الاحتفاظ الا بـ (جزر) منعزلة من الغابة. ليس هذا فحسب بل ان نشطاء الحفاظ على البيئة مضطرون لتبرير حماية كل فدان من الارض بتقديم وثائق تثبت قيمته الحيوية. لكن ربما اخذت الحال تتغير. ففي مورو حيث مقر ادارة شركة النفط التي تديرها شركة شيفرون الامريكية النفطية هناك اجراءات قد تكون مفاجئة بالنسبة للبعض. اذ يقوم حراس خاصون يعملون لصالح الشركة بتفتيش امتعة القادمين, على الرغم من ان الجمارك كانت قد فتشتها في مطار العاصمة. ويفتش هؤلاء الحرس عن الاشياء المحظور ادخالها الى الارض المستأجرة للشركة وهي: الكحول, المخدرات, الاسلحة بأنواعها. كما يفتش الحراس ايضا المغادرين من مورو, بحثا عن الواح الصابون المهربة من الشركة ولفائف المناديل الورقية او اي نباتات او حيوانات او قطع منها. وتقوم الشركة بهذه الاجراءات بهدف الحفاظ على البيئة. اذ عقدت الشركة اتفاق شراكة مع صندوق الحياة البرية العالمي لحماية منطقة كيكوري. المستوطنات البشرية في غينيا الجديدة مهما صغرت تكون دوما محاطة بأراض مفتوحة بعد ان قطع السكان اشجارها وزرعوا بدلا منها حدائق صغيرة وصادوا طيورها او اخافوها ففرت. لكن الحال ليست كذلك في مورو. فالاشجار الساحقة تمتد حتى الطريق الذي يحيط بأراضي الشركة دون اي حدائق صناعية او غيرها. والطريق المؤدي الى المعسكر من الطريق الدائري لم يكن اكثر من طريق ترابي يمر عبر الغابة. وعلى مرمى البصر والسمع داخل المعسكر تمكن مشاهدة بعض اكثر انواع الطيور حبا للعزلة مثل النسور والببغاءات وطيور الجنة. والحياة النباتية داخل اراضي الشركة لاتزال بكرا لأن اتفاقية الشراكة مع الصندوق تبقي نشاطات الموظفين داخل تلك الاراضي تحت مراقبة مكثفة. اذ ان خطر الاسلحة يعني منع الصيد, ومنع اخراج اي نوع من الحيوانات او النباتات او اجزائها يعني منع العمال من جمع اي منها بأي وسيلة كانت. كما ان الحظر على قطع الاشجار وانشاء الحدائق يقلل الى ادنى مستوى اي تخريب يمكن ان يطال الغابة. طبعا, قد يتساءل المرء عن السبب في كل هذه الشدة, واذا ما سألت فإن مديرا بيئيا في شيفرون سيقول لك انها (بوبال واكسون فالديز وبحر الشمال) . وهو يشير في ذلك طبعا لأبشع ثلاث كوارث بيئية شهدها العالم, وهي الكوارث التي كلفت شركات يونيون كاربير واكسون وشيل مليارات الدولارات. وطبعا فإن شيفرون وشركائها لايريدون ان يتعرضوا لمثل هذا الاحتمال, فالوقاية خير من العلاج. جلال الخليل