تمثال الكاتب المصري, دائما تطالعني ملامحه, بنظرته إلى الأفق المبين, وهذا الاحساس بالرضا والشجن الجميل, وتلك الجلسة الخاصة التي لم يعبر عنها أي فنان آخر عبر التاريخ الانساني. لنتوقف عنده, ولاستدل أولا بما ورد في هذا الكتاب العميق الذي صدر في سلسلة عنوانها (كتالوج 77)، يشرف عليها الفنان السكندري عصمت دواستاشي وله في الثغر نشاط ثقافي ممتد. المؤلفان يعملان في المتحف الروماني, فاطمة مدكور وأحمد عبد الفتاح, راجعه الدكتور دواود عبده داود رئيس قسم الاثار بجامعة الاسكندرية, والفنان أحمد عبد الوهاب رئيس قسم النحت بالفنون الجميلة السكندرية, يضم الكتاب خمس عشرة قراءة لقطع فنية مصرية قديمة, يمتزج فيها التأمل بالفلسفة, فكيف تحدثا عن تمثال الكاتب المصري؟ ينتمي التمثال إلى الاسرة الرابعة (2855 ق.م) ويوجد الآن في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوسطن الامريكية, في المتحف المصري واللوفر نماذج أخرى للكاتب المصري, متقاربة في الملامح, متوحدة في الجلسة والتطلع, في التمثال تشويه لحق به عند اليد اليمنى والقدم اليسرى, غير أن المؤلفة فاطمة مدكور ترى أنه داخل في نطاق الرؤية الفنية, أصبح التشويه جزءا منه ودلالة, لا يوجد نشاز من وجود هذا التشويه, لأنه يتضمن أيضا جزءا من التاريخ الطويل, تذكرنا الكسور ومحاولات المحو بوطأة الاحداث, وقسوتها, إنها رؤية لا تقتصر فقط على التمثال, لكن لنضعها في الاعتبار عند زيارة أي أثر, أو رؤية جدارية مصرية قديمة تم محو جزء منها أو سرقة أي جزء آخر. منذ اسبوعين مضيت إلى معبد ابيدوس في سوهاج, للمرة الثالثة خلال هذا العام, لأتأمل اللوحات الجدارية لايزيس واوزوريس التي ابدعها الفنان المصري في عصر سيتي الاول, ذروة الفن المصري كله, بل لا أبالغ إذا قلت الانساني, ولي فيها شرح يطول أمره, وهيام, ولجت أقدس أماكن مصر القديمة, كان بعض الزوار المصريين يتطلعون بلامبالاة, ويلمس بعضهم الألوان الرائعة التي أعد وصولها بهذه الحالة إلى عصرنا معجزة, وحسن حظ, لكن.. إلى متى ستبقى هكذا؟ كنت أفكر في طقوس الدخول في العصر القديم وما آل إليه المكان الآن, حقا ما أشد الفارق, انه التبدل والتغير الذي يطال ما يبدو ثابتا, راسخا, مستعصيا على التبديل, حقا. تصف فاطمة مدكور حضور التمثال, أنه حركة في الثبات, ستحدث فنيا حركة ديناميكية, إذن فالتمثال غير متجمد بذلك الثبات, تنبثق حركته الداخلية مباشرة إلى داخلنا. قسماته وتضاريسه نابعة من نظرة فنية خاضعة لقوانين ناضجة مدعمة بقوانين روحية عميقة رزينة, بجلسة رياضية موظفة لشكل محدد, بها إيحاء إلى الجدية الشديدة في احترام ووقار شبيهة بطقوس اليوجا حيث تكون أجهزة الجسم في اتزان بحضور قوي وتعمل بأعلى قدرة صحية ونفسية لها, ولأنها جلسة رياضية تستمر لزمن طويل جدا, يصل الانسان من خلالها إلى مشاعر روحية لا نهائية الحدود في اللاشعور والوعي تشبه العبادة, وقد تجسم ذلك الثبات الطويل بالمضامين الشكلية والروحية لفن طقوس اليوجا في كل التماثيل المصرية. وهنا أتذكر تلك الجداريات المدهشة في مقابر بني حسن بالمنيا, حيث مناظر الحياة اليومية والرياضية, وتحتوي على معظم أوضاع اليوجا التي نعرفها, هذا الوضع المعبر عن الثبات في حركة, وحركة في الثبات. صفاء السكينة لكم حيرتني تلك السكينة, وهذا الصفاء المدهش, المهدهد للنفس, إذ أقف أمام أي تمثال مصري قديم, تلك النظرة إلى بعيد, إلى نقطة ورائي, تتجاوز الحضور المادي للنحت ولي. مع طول التأمل والنظر إلى تلك القطع التي وصلت إلينا سالمة, أو شبه صحيحة, أيقنت أن كافة المنحوتات تتطلع إلى نقطة واحدة, نقطة لا يمكن تحديدها, أو تعيينها, بمعنى أننا لا يمكن القول انها هناك, في هذا الموضع, وفي هذه النظرة التي لا مثيل لها في أي نحت آخر يكمن أحد أسرار الفن المصري, ولأنني أدرك أهمية الاسم كما علمنا الأجداد, وكما سبق أن حاولت التوضيح والشرح فلابد أن أجد حلا وسطا, أو اسما لعله يوضح بعضا مما أرمي إليه, وقد فكرت, وأمعنت النظر طويلا, فلم أجد إلا ذلك الوصف (الأفق المبين) . الأفق المبين, انه تلك الجهة التي لا يمكن تحديدها, مع أنها جلية, واضحة, فلنتطلع إلى الافق حيث حد التقاء السماء بالارض, نتوهم إدراكه وهو مستحيل, عصي, ذلك أننا إذا بلغناه فسوف نفارقه ويفارقنا, وهذا ما ينطبق أيضا على الزمن, تلك القوة الغامضة التي نعرف أعراضها, ولا ندرك كنهها, من أين وإلى أين؟ وعن أي حد نوجد نحن؟ وأي مرحلة تلك التي قدر لنا أن نشهدها, وماذا بعد؟ وإلى أين؟ انه الأفق المبين. هذا الافق القصي, المرئي, الداني, هو ما حاول الفنان المصري القديم أن يشير إليه, أن يبلغه بابداء المحاولة وليس بالمحاولة ذاتها, فهو يدرك أن التحديد صعب, بل .. مستحيل, لكن الجهد الانساني في أقصى حالات نبله لا يعرف اليأس أو الكلل, يستمر في المحاولة بقصد عبور المستحيل, فإن لم يقدر بالفعل, استطاع بالابداع, بتحميل فنه الرسائل , لتنتقل من جيل إلى جيل, ومن وقت إلى وقت, من حد إلى حد, في اتجاه الافق المبين, من هنا مصدر هذه النظرة الهادئة, النورانية الاشعاع, التي نطالعها في التماثيل المصرية القديمة, سواء من الدولة القديمة, أو الوسطى, وحتى الحديثة, انه الرضا, انه اليقين بالطي, ومحاولة إنسانية مبكرة, رائعة, للتعبير عن الوجود الانساني, والاشارة إلى هنا, إلى حيث كنا بالفعل, وإلى حيث نأمل أن نكون باستمرار, حتى بلوغ الافق المبين. تماما كما اكتشفوا الاسماء والكتابة, اكتشفوا الفن, انه بديل العدم, انه محتوى الخلاصة, سواء مظاهر الحياة اليومية أو الجوهر, من هنا كان المفهوم الخاص للفن في الحضارة المصرية القديمة, الفن حياة, فالمصري القديم عندما ينحت حجرا سواء كان من الديوريت أو الجرانيت أو الحجر العادي, إنما يحاول إيجاد البديل للحياة, وإذ يرسم شخصا أو حيوانا فوق جدار بيت أو معبد, فهذا الرسم له قوة الوجود الفعلي, ويتجاوزه إلى تلك الازمنة التي لن يبلغها الوجود الاصلي, من هنا كان الاعتقاد أن محو اللوحة يعني محو صاحبها نهائيا من الوجود, واستمر هذا المعتقد ساريا حتى الآن, بعد دخول المسيحية إلى مصر, انطلق المؤمنون الجدد إلى المعابد لتشويه الوجوه المرسومة, وفقا للعيون المنحوتة, وتحطيم التماثيل, رغم أن هذه الاعمال كانت تبدو في الظاهر مضادة لتراث الاجداد وعقائدهم, لكنها كانت تعبر عن نفسها, بمنظور الاجداد أنفسهم, فمحو الصورة لإبادة صاحبها معتقد قديم, وفي ريف مصر واحيائها الشعبية مازال الاعتقاد بالحاق الأذى عن طريق عروسة من ورق قائما في ترديد اسم المتسبب في الحسد أو الايذاء, وكذلك محاولة التعرف على ملامحه من خلال قطعة (شبة) توضع في النار, وتتقلب إلى أن تستقر على وضع معين, عندئذ تثقب بأبرة ويكون المعنى الكافي, أن نفس هذه الوخزة نفذت في الشخص المعني, لم يكن ذلك طقسا, بل كان فعلا, وهكذا كان الفن المصري القديم. رسالة من عصر إلى عصر يحمل تمثال الكاتب المصري رسالة, عبر الازمنة المتوالية, والحدود الجغرافية سواء كان في القاهرة, أو اللوفر الفرنسي, أو بوسطن الامريكية, وأن كان لحضوره في الغربة تأثير خاص سأتوقف أمامه فيما بعد, غير أن جوهر الرسالة إنساني, شامل, كوني. تقول فاطمة مدكور في كتاب (قراءة فنية لآثار مصرية) : ننظر إلى ملامح الوجه طبيعة واقعية مثالية بوعي كامل للتشريح والدراسة, تعطي إحساسا بالحياة والرغد نظرة للأمام ثابتة تشيع فيها ابتسامة خافتة فيعبر الوجه عن راحة أبدية سعادة أبدية وتخترق نظرة العينين من خلال ذلك إلى ما بعد الواقع تخترق غلالات ومجالات الكون العميقة. ان نظرة الوجه التي للأمام , بذلك المنطق تسيطر على مشاعرنا وكأننا ننفذ إلى العالم الخاص بالتمثال أو الذي رمي إليه الفكر خلف التمثال, فتستغرق نفوسنا في رحلة كونية, المراد الدخول إلى منتهاها, نفقد الاحساس بواقعنا ونعيش في واقع آخر, لا نهائي المعاني الانسانية والحدود المادية, فينقلنا ذلك من عالمنا إلى عالمه فنظرة عينين بالوجه الذي صنع بدراية واقعية في التشريح, بذلك التصرف الفني الجمالي في علاقات عناصر الوجه, في نعومة وإنسجام.