تكثر الدراسات والأبحاث, وتتزايد الاسئلة عن الابداع الروائي, مما يجعل من الصعب الاحاطة بجوانبه المختلفة, لغزارته وتنوع أساليبه .. فالصور التي تقدمها الرواية تظل واحدة من أفضل الطرق للوصول إلى لمحة من الحقيقة الفنية والموضوعية, إذ يمتلك الروائي المبدع مفاتيح الوعي، بمقدرته الفنية في استلهام الواقع, فحقيقة هذا الفن تكمن في التشكيل الذي يفرضه على الواقع وفي مقدرة التشكيل على اخضاع هذا الواقع للقيم الانسانية. ولقد سجلت الرواية العربية ايجابيات جعلت العمل الفني الابداعي أقوى دلالة على كل ما هو جوهري, بقدر ما هو ملتصق بالقيم والتراث الانساني. وللإجابة على بعض التساؤلات التي تزدحم في فكر القارئ والمبدع على حد سواء, من حيث صلة الرواية بالواقع وهمه الاجتماعي والسياسي والاخلاقي, ومعرفة عناصر الرمز والتجريد فيها .. نلتقي في حوار هادئ مع الروائي العراقي المعروف (عبدالخالق الركابي) الذي يجمع في رواياته بين دلالة الرمز والاسطورة في محاكاة الواقع, ودور القصة القصيرة التي تستحوذ على البعض في اقصاء الرواية, والأسباب المؤدية إلى ذلك يقول: ـ ثمة كتاب يتوهمون ان الطريقة الوحيدة التي يبرهنون فيها على معاصرتهم هي طريقة الغاء (التجنيف) واللجوء إلى كتابة ما يسمى بالنص المفتوح, وذلك أمر لاضير فيه غير ان الضير كل الضير حين يغدو هذا الأمر لديهم أشبه بقانون لا يمكن الخروج عليه, لانهم بعملهم هذا يقعون في المطب نفسه الذي حاولوا الخروج عليه, وهو أن لا قانون مقدس في الكتابة الابداعية سوى قانون حرية المخيلة وجموحها. * ما هي المهمة التي يضطلع بها الروائي الآن, ومن هذا المنطلق هل هناك تشجيع للرواية الواقعية التي توثق التاريخ والحوادث للمستقبل؟ ـ تلك مهمة المؤرخ, وليست مهمة الروائي, فالرواية بطبيعتها تتوجه إلى الحاضر, ولا شأن لها بمن سيتخذ منها وثيقة في المستقبل, إذ أنها مهمومة بكوابيس الانسان وأحلامه ورؤاه, انها (نبت شيطاني) قد يعرش بجذوره في أعماق التاريخ, لكنه يمد بأغصانه أبداً في سماء المخيلة, أيهمني أنا مثلاً مدى تطابق كافكا مع واقعه أو تاريخه؟! اطلاقا, فما يهمني هو ثمرة مخيلته الفنظارية التي قدمت لنا رواية (القضية) و(القصر) و(المسخ), وكذلك الشأن مع فوجنر أو ماركيز .. انهم مجموعة روائيين عظماء ضاقوا ذرعا بمحدودية أفق الكرة الأرضية, فضاعفوا حجمها بسحر رواياتهم الاستثنائية. عالمية الرواية * عدا نجيب محفوظ وقلة آخرين هل هناك روائيون عرب عالميون؟ ـ فيما يخص عالمية بعض الروائيين العرب, في ظني, انه باستثناء نجيب محفوظ (هذا إن غضضنا الطرف عمن يكتب بلغة أجنبية مثل بن جلون, أو محمد ديب وغيرهما) لم يصل روائي عربي آخر إلى مستوى العالمية, لأسباب كثيرة, أخص منها بالذكر سببين أساسيين: أولها الترجمة بطبيعة الحال, وثانيهما تواضع مستوى بعض الروايات المترجمة! إذ كيف تتبوأ رواية ما مستوى عالمياً لا تكون جديرة به بسبب كونها ليست سوى صدى مكرر لروايات سبق لهؤلاء القراء أن اطلعوا على أصولها بلغتهم نفسها.. بمعنى أن العالمية لا تتأتى إلا لذلك الروائي الذي يفاجئ القارئ الآخر بجدة روايته وخصوصيتها ... تلك هي بعض شروط الوصول إلى العالمية وذلك ما حققه نجيب محفوظ في روايته, ففضلاً عن تتويج جهاده بفوزه بجائزة نوبل, استطاع هذا الروائي العملاق أن يلفت نظر القارئ الأجنبي إلى تفرد عالمه الروائي وخصوصيته. * هناك من يقول أن الشاعر أو الروائي أو القاص أو أي فنان موهوب تعتريه حالة يغيب فيها عن الوعي .. ما مدى صحة هذا القول؟ أم هي حالة من (تكامل الوعي) في العمل الابداعي؟ ـ الكتابة الابداعية لا تتحق في ظني إلا لمن يبسط أمامه ورقة بيضاء وقد تسلح بالقلم, أما من ينتظر الالهام وما شابه فأخشى أن يطول انتظاره العمر كله من دون نتيجة .. بطبيعة الحال هناك شخصية المبدع وسيكولوجيته المنفردة اللتان تهيآنه للابداع, وإلا لما كان الأمر وقفاً على أناس معدودين .. وهناك أيضاً اخذ الأمر على محمل الجد, فالابداع الحقيقي لا يأتي إلا بعد جهاد ومعاناة وقراءة مستمرة لشواغر الابداع, سواء في مجال الرواية أم الشعر أم الفلسفة أم السينما, وذلك لان اقتصار المبدع على نمط ابداعي واحد سيحدد من أفق نصه, فيأتي هزيلاً لا يلفت النظر, كما أن تعدد القرارات وتشعبها والخبرات الحياتية توسع من أفق ابداعه, إذ من الممكن أن يلهمه سماع احدى القطع الموسيقية كتابة رواية ما, كما قد يحفزه استمتاعه برؤية لوحة ما على كتابة قصيدة .. هذا من دون أن ننسى دور الحياة والتجارب التي يراها المبدع في تعميق خبرته الابداعية, فقد يلهمه همس انثى في جهاز الهاتف أموراً لا تعد ولا تحصى, ناهيك عن ارتباطه بقصة حب. * هل صحيح ان قراء الشعر هم أكثر من قراء الروايات؟ ـ في ظني ان المعادلة تصح لو قلبت الآية, فقيل مثلا ان كتاب الشعر أكثر من كتاب الرواية, وذلك لان كتاب الرواية لا تتأتى لأي كان .. انها تعد من أصعب الفنون الابداعية, تتطلب ممن يمارسها تكريس عمره كله لها .. في حين ان كتابة الشعر استسهلت في الفترة الأخيرة, حتى غدت ضربا من ألاعيب أكروباتيكية! مجرد سطور متفاوتة الطول لا يجمعها رابط, يعلوها عنوان كونكريتي غير مفهوم (وعلى الشعر السلام) .. وعلى العموم, وبغض النظر عن قلة عدد قراء نمط ابداعي معين أو كثرتهم, يبقى السؤال هو عن عدد القصائد الجديرة بالبقاء, فمن نافلة القول التذكير بالمتنبي أو السياب مثلاً, إذ يكفينا تذكر عدد الشعراء الذين كانوا يتعاطون الشعر في زمنهما, قياسا إلى عدد القصائد التي بقيت من بعدهم. تداخل زمني * قصتك مع رواية (سابع أيام الخلق) التي حظيت بدراسات نقدية أكثر من رواياتك الأخرى .. ما الذي يكمن وراءها؟ ـ قصتي مع هذه الرواية تتلخص بطموح قديم كنت أحسبه عصياً على التحقق, تمثل باستلهام فكرة كتاب ألف ليلة وليلة, أي الوصول إلى كتابه رواية ذات حبكة تركيبية تتوزع بين حكاية اطارية تنطوي على متن حافل بحكايات متعددة, يجمعها خيط واحد .. والمدخل الثاني الذي قادني إلى هذه الرواية تمثل في شغفي بكتب المتصوفة, ولاسيما كتب ابن عربي: (الفتوحات المكية) و(فصوص الحكم) و(رسائل ابن عربي), أما المصدر الثالث الذي ألهمني فكرة الرواية فقد تمثل بكتاب عبدالكريم الجيلي (الانسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل). تتألف رواية (سابع أيام الخلق) من قسمين أساسيين يتفرعان إلى ثلاثة عشر قسما ثانويا, تتداخل ببعضها على امتداد فصول الرواية, يتكون القسم الاول من حكاية اطارية تحمل عنوان كتاب الكتب. أما القسم الثاني من الرواية فيمثل المتن الحكائي وموضوعه مضمون مخطوط (الراووق), في هذه الرواية ثمة زمنان أساسيان تتداخل فيهما أزمنة متعددة بعدد الشخصيات الرئيسية: الزمن الأول هو زمن الرواية المحدد بأسفار كتاب الكتب السبعة, أما الزمن الثاني فهو زمن مخطوط الراووق الموزع بين بقية الفصول .. تتمثل البؤرة المركزية لهذين الزمنيين بعملية (الخلق) الروائية, أي هناك (كون) روائي محدد بين غلافي (سابع أيام الخلق), وهناك (روائي) يدأب بحثاً عن شخصياته الروائية التي تبحث بدورها عن (خالقها), تلك هي أبرز خطوط الرواية, وثمة عشرات من الأمور التي لايسمح ضيق المجال لي بذكرها, إلا أن ما تهمني الإشارة اليه, إن أحداث الرواية تجري في مدينة خيالية مفترضة تحمل اسم (الأسلاف) اتتبع تاريخ نشوئها من قرية صغيرة الى مدينة عصرية كبيرة كما ان (مطلق) بطل الرواية المحوري يمر على امتداد حياته بأطوار متعاقبة حاولت بها اختصار تاريخ البشرية: فهو في البداية يقترن بالانسان الاول وتوزعه بين محوري الخير والشر الذي يحسم بخروجه من فردوس الامان إلى واقع القلق والمعاناة, أي أن نعيمه وواقعه يبقيان حالتين وجدانيتين أكثر من كونهما واقعين ماديين, وكذلك الامر معه حين يمر بدور قابيل وهابيل, فقد جسدت الامر بانتصار حرفة الزراعة على الرعي, وهكذا تستمر التحولات! الطوفان والقحط ووباء الطاعون, إذا يغدو مطلقاً بعده بشرا سويا كالآخرين فيموت تاركا للرواة من بعده مهمة تأليف سيرته التي تظل تنمو على مدى مئات السنين, يضيف الرواة إليها ويحذفون بقدر ما تسعهم مخيلتهم ـ شأن رواة كتاب ألف ليلة وليلة ـ لتغدو في آخر الأمر نصاً مفتوحاً لا يعرف التوقف عند حد .. تتعدد النسخ بعدد كتابه, واحداها رواية سابع أيام الخلق .. هذه الرواية لها خصوصية في نفسي كما أسلفت لكونها حظيت بدراسات نقدية أكثر من رواياتي الأخرى, كما نشرت عنها مجلة الآداب البيروتية دراسة خصصت لها أحد أعدادها .. وقد صدرت منذ أسابيع الطبعة الثانية للرواية عن دار بيسان. * لو قمنا بمراجعة نتاج المرحلة التي بدأتم بها كيف يمكن أن نرصد تطورات حركة الرواية في العراق من خلال تاريخكم الابداعي الطويل؟ ـ بعد جيل فرمان والتكرلي, فضلا عن مهدي عيسى الصقر الذي كتب الرواية في الفترة الأخيرة, ابدع العديد من كتاب جيل الستينيات روايات على جانب كبير من الأهمية مثل الصديق عبدالرحمن الربيعي, وأخص من رواياته بالذكر (الوشم) و(الانهار) و(خطوط الطول وخطوط العرض) كما ان الشاعر فاضل العزاوي كتب روايات مهمة لعل أبرزها (القلعة الخامسة) وهناك الروائية لطفية الدليمي وروايتها (من يرث الفردوس؟) ومحمد شاكر السبع وروايته (المقطورة), ورواية ابتسام عبدالله (مطر أسود .. مطر أحمر) ورواية علي خيون (العزف في مكان صاخب) .. على العموم من الصعوبة بمكان أن تتعدد الروايات ويتعدد الروائيون مثل ما هو شأن القصائد والشعراء, فالرواية كما سلف لنا أن ذكرنا تعد من أصعب الفنون الابداعية. * أخيراً؟ ـ من المؤكد أن الرواية الحقيقية تكون وليدة الأوضاع المستقرة, لذلك سُميت الرواية بفن المجتمع البرجوازي أو فن المدينة, إذ أن استقرار الأوضاع يمهد الخلفية الراسخة التي يستطيع الروائي أن يحرك شخصياته عليها. بغداد ـ ازدهار سلمان