تتطور تجربة قصيدة النثر في الخليج العربي, ويتسع حضورها وتأثيرها في الحياة الثقافية والأدبية, بصورة تعبر فيه عن مدى التحول في القيم الفنية والابداعية, المرتبطة بالحساسية الشعرية والأدبية الجديدة ولعل أهمية هذا التحول تكمن في أنه يحدث في بيئة كان الشعر التقليدي، منه حتى وقت قريب هو المهيمن على المشهد الشعري هناك, وكان الشعراء هم الممثلون في الغالب لهذا الشعر. إن هذا التبدل الذي طرأ على واقع الشعر الخليجي ما كان له أن يحدث لولا حالة الانفتاح التي شهدتها دول الخليج على المستويات المختلفة, ولولا التبدل الذي طرأ على واقع العلاقات الاجتماعية والثقافية السائدة, حيث أسهم كل ذلك في حدوث هذا التحول سواء على مستوى الحساسية الشعرية والوعي الفكري والجمالي, أو على مستوى حضور المرأة كقيمة إبداعية هامة, إذ يصعب التفريق بين هذين التحولين في الأسباب والدلالات والمعنى. لقد أدت التبدلات الواسعة التي حدثت في حياة المجتمعات الخليجية, وخاصة في المجتمعين الكويتي والإماراتي, إلى هذا التحول في القيم والمفاهيم والحساسية, ويمكننا أن نتلمس ذلك بوضوح من خلال واقع تجربة قصيدة النثر, ومساهمة المرأة الشاعرة فيها خاصة على مستوى الجيل الثاني من الشاعرات الخليجيات, إذ إن الجيل الأول منهن بحكم تأثرهن بتجربة قصيدة الشعر الحر ـ قصيدة التفعلية ـ بقي في إطار هذه القصيدة, وقيمها التعبيرية والفكرية والفنية كما هو الحال بالنسبة للشاعرة الكويتية سعاد الصباح, والشاعرة البحرينية حمدة خميس اللتين تنتميان جيلياً إلى مرحلة فورة قصيدة الشعر الحر في لبنان ومصر وسوريا والعراق. إن قراءة خارطة الشعر الجديد والمعاصر في الخليج العربي تكشف عن تميز حضور الشاعرات الإماراتيات والكويتيات بشكل خاص في تجربة قصيدة النثر, في حين يتوضح حضور الشعراء الرجال في هذه التجربة كما هو الحال في تجربة الشعر العُماني على سبيل المثال, الأمر الذي يؤكد ارتباط ذلك بطبيعة التحول الذي طرأ على طبيعة العلاقات الاجتماعية ومنظومة المفاهيم السائدة في هذه المجتمعات. ويمكن القول ان الحديث عن تجربة قصيدة النثر في الخليج العربي بشكل عام, وفي دولتي الامارات العربية المتحدة, والكويت بشكل خاص لايمكن أن يتم دون الحديث عن أهمية الدور الذي تلعبه الشاعرات الخليجيات في هذا المشهد, بل إن الصوت النسوي في هذه التجربة يمثل الصوت الأوضح والأكثر تمثيلاً لها سواء في تنوع التجارب وأدواتها التعبيرية, أو في اغنائها وانفتاحها على الفنون الأخرى, وسعيها لتأكيد شرط الحرية في الإبداع, والمطارحة, والتعبير عن عالمها الأنثوي ووعيها لوجودها وللعالم حيث تتبلور الرؤية هنا, ونزداد كثافة وتوتراً وحرارة في استنطاق ذاتها الإنسانية, وإشهار حضورها كتعبير عن تمردها على أشكال المصادرة وتوسيعها لفضاءات الحرية, والكتابة التي تكتمل بمجازها وسطوعها العاري. من هنا فإن مقاربة تجربة الشعر المعاصر في الخليج, لايمكن أن تتحقق من دون الحديث عن تجارب ظبية خميس, وميسون صقر القاسمي, وحمدة خميس, عالية شعيب, نجوم الغانم بعد أن أصبحن يمثلن جزءاً أساسياً من هذه التجربة, يحمل خصوصية التجربة والمطارحة والقول, ويعبر عن هواجسها وقيمها ورؤياها المنفتحة على الحياة والعالم والأشياء من خلال وعي يؤسس لعلاقة مختلفة, وحضور أكثر عمقاً وجرأة في مغامرة البحث والتجريب وسؤال الإبداع الذي لايتوقف, وفي سؤال الذات والعالم وما يولده من قلق وتوتر وحضور يعكس إشكالية هذه العلاقة, وفداحة التجربة وعمقها الإنساني الحاضر في لوعة الغياب. وبقدر ما تكشف هذه التجربة عن هواجسها وشواغلها الفكرية والجمالية, فإنها تذهب في ارتياد مجاهل سرية لأقاليم الكتابة الشعرية الجديدة مسكونة بالولع في استكناه الغامض, واستحضار الغائب على مساحة البياض المجروحة بحبر الوجع وأسئلة الندم لأنوثة تحاول أن تمتلئ بذاتها, وتمضي في سفر التخوم والأعالي حيث: الوجوه وجوهنا والمرايا ليست هي وهذه التجاعيد نقشتها شظايا مرآة كبيرة صرخت حين ألقى عليها طفل صامت حجره ثم مضى لكن دائماً (الآن) و(هنا) في فضاء ينزاح بعرائه الفاضح وعريه, تنهض أصابع الجمر لتقبض على لحظتها المسروقة, لكنه كالنهر: شرايين متوقدة تسبح في دمي ترسم خارطته وتترك أحزانها على الضفاف وهكذا تفتح الكتابة (بوابة القلب) والحلم, ووجع الأسئلة حيث كل شيء يمضي, و(عقارب الساعة تسرق اللحظة, وترحل) , وحيث الذات في انكتابها تكسر الحدود وتحطم فواصل الغياب لكي تمتلئ بكل شيء (العشق ـ الآخر ـ الحلم ـ الوجود ...) مما يجعل الشعر خروجاً من الذات إلى العالم .. إلى الحياة المكللة بالحب عبر وعي يحاول أن يمتلك العالم جمالياً, ويعيد رسم أيقوناته التي انكسرت في فضاء الغبار, الأمر الذي يجعل هذا الحضور حضوراً في العالم, والأشياء من أجل استكناه واستظهار صورة هذا الالتحام في أبعاده الوجودية والروحية والذاتية, ولكن على ماء نهر الكتابة التي تذهب دون ضفاف .. وهنا يكمن معنى هذه الكتابات, ومعنى هذه التجربة التي لا تتعب من البحث والسؤال الذي هو سؤال الذات والعالم, والآخر, والأشياء الهاربة, وما يمكن أن نقبض عليه في غفلة عن ذاتنا المتروكة لاستباحات الكلام في لحظة عرينا الكاملة. مفيد نجم