عن دار المدى للثقافة والنشر بدمشق صدر كتاب (مهاجمة المستحيل ـ مقاطع من سيرة ذاتية للكتابة) للأديب الروائي والناقد ادوار الخراط. يقوم من خلال هذا الكتاب بمحاولة القاء الضوء على تجربته الابداعية في كتابة القصة والرواية, حيث يجيب عن الاسئلة الهامة المتعلقة بهذا الفن. يقول ادوار الخراط: انني كاتب عربي اساساً, معجون لحمه بلحم اللغة العربية والتراث العربي, ان للاقباط ثقافتهم التي لا يمكن نكرانها داخل الثقافة الشعبية المصرية, وداخل الثقافة العربية الإسلامية المحيطة. وفي لفتة من النص القرآني الكريم البليغ ومن التراث الإسلامي العريق, اكثر بكثير مما فيها من الانجيل, وان تناوله لشخصيات قبطية كجزء من المجتمع المصري لا يتيح ان يعطي هذا التحريف حول ادبه. وان الطبيعي تناول الكاتب لما يعرفه, وعايشه, وخالطه مخالطة عضوية, والطقوس والشعائر والفلكلور القبطي هو مصري اصلاً, ولا ينفصم ولا يتنافى مع الثقافة العربية الإسلامية. في اول فصول الكتاب حول ما يتعلق بمفهوم القص, وماذا يريد من القصة والرواية؟ يجيب انه المفهوم ذاته للعمل الغني, هذا العمل الذي له مقومات طالما اختلف جميع المشتغلين في شئون الكتابة في توصيفها. وعلى الرواية أن تتجاوز ما أنجزته في القرن التاسع عشر, وتكثف رؤية الكاتب تكثيفاً منظماً جوهرياً, له نسق داخلي, مضمر وعضوي. ويؤكد الخراط انه لا يكتب القصة الا بعد ان تعيش معه, وبه, فترات من الزمن, يحدث فيها التخمر والنضج البطيء على نار محتدمة, ثم تهدأ.. يصرح الخراط ان بعض قصصه طال زمن نضوجها قبل الكتابة عشر سنوات وبعضها نحو ثلاثين سنة, من بداية انبثاقها في العالم الداخلي المزدحم, في طور التخلق المستمر, وان روايته الاكثر شهرة (رامة والتنين) قد قضى في كتابتها سنوات ثمان.. وخلال رحلته الابداعية يميز ادوار الخراط تطور الكتابة لديه من مرحلة إلى مرحلة. ففي (حيطان عالية) القصص التي كتبت قبل العام 1955, ثمة جنوح إلى نسق رومانسي في الحس والنظر إلى الاشياء, بقدر من السذاجة, تريد تجاوز براءتها دون فقدانها الكامل فيما بعد تصبح الحساسية التقليدية لا تفي بما يريد.. ليتحطم بمزيج من الوعي والتلقائية, بمزيج من القصد والاستجابة لدوافع فكرية حسية, ثقافية فنية, ليحطم الحساسية القديمة.. حيث لم يعد الزمن بتسلسله المنطقي المضطرد الذاهب إلى الامام, هو السيد. ولم تعد اللغة القديمة بسياقاتها المألوفة, بل يعمد إلى عملية تحطيم, او تفجير اللغة.. يتخذ التصور الحلمي مكاناً, ولم تعد هناك حاجة إلى التوازن المفترض بين عناصر العمل الفني, من وصف, وتقديم, وحوار ونتيجة.. هذا ما يوضحه الانتقال من الرصد البصري في قصص (حيطان عالية) و(ساعات الكبرياء) إلى ما يمكن تسميته طغيان الحواس في رواية (رامة والتنين) ومجموعة (اختناقات العشق والصباح) ومن ثم الثنائية الاسكندرانية: (ترابها زعفران) و(يابنات اسكندرية) .. وصولاً إلى ما يسميه بكلية الرؤية. وقد لاحظ النقاد ان لدى الخراط نوعاً من (وحدة القاموس) الولع بمفردات بعينها, رغم تنوع عوالم وشخوص قصصه. فرأى هو صحة ذلك, وارتباطه برؤية داخلية وشعرية, للعالم الخارجي. ويتعلق ذلك بتعدد الأصوات داخل اللغة الواحدة. وهناك في بعض القصص مستويات الحوار والاقتباس من الحديث الشعبي, وهذا موظف داخل النسيج نفسه, فتتحول المشكلة إلى كيفية التناغم بين هذه المستويات. وهناك الصيغ الحوارية التي تدخل في صلب السرد وتؤثر في تحطيم الصرامة. ويتابع الخراط توصيف تجربته الابداعية, فيرى ثمة فارق بين ما كتبه, وبين ما اراد قوله.. فما اراده هو (المطلق) في العدل والحب والحرية, أي المستحيل, ودون المستحيل هناك الممكن أي الجزئي والقاصر والمحبط. ويتساءل بعد ذلك اذن لماذا اكتب؟ ويجيب: اكتب مدفوعاً بقوة قاهرة حيث لا املك سوى الكتابة سلاحاً للتغيير. اما عن جذوره الفكرية, فتبدأ كما يخبرنا الخراط من الجذور المنبعثة من المسيحية الارثوذكسية القبطية, وما انبعث عنها فيه من اخلاقية في التفكير. بعدها تأثير افكار الليبراليين الفرنسيين والاشتراكيين الغابيين الانجليز, وما ترسب من قراءاته للأدب الروسي والشعراء الانجليز, ثم قراءات اخرى عن طاغور وغاندي, وكتابات جبران الرومانسية واشواقه لعدالة وحرية ومساواة مستحيلة.. أما عن الأسلوب في قصصه ونصوصه فهو يؤكد ارتباطه بالنسيج الذي تتكون منه المادة العضوية الخام لهذه القصص, فهو أسلوب لا واقعي. ويمضي ادوار الخراط إلى تحليل تجربته في علاقة الابداع بالسلطة والحرية.. فيبدأ بجواب بسيط هو ان الحرية في الكتابة شرط ومناخ, فمن غير حرية ليس هناك عمل فني, ان وجود العمل الفني نفسه هو حرية, والحرية المطلقة لا تعني لديه الانفلات والفوضى وانعدام القانون. فهي مسئولية واختيار. وكذلك فان شروط ازدهار تلقي هذا العمل الفني وتوافر الاستجابة له هو مناخ الحرية في الثقافة, وفي المجتمع بشكل عام.. حيث احترام الآراء الاخرى وتسييد الحوار والعقل, وليس الانصياع لمتطلبات القوى النفسية والاجتماعية المدمرة.. ويرى الخراط ان كتابته تستلهم حريتها, وقانونها (من بين ما تستلهمه) من فن الرقش (الارابيسك) العربي العريق الممتد من صياغات وخطوط متكررة حتى حدود اللانهائي, فليس ثم بداية ولا نهاية, فالشكل المفتوح, كأنما بحث عن ابدية ما. هذا تحد للزمنية, للقيود, وللوضع الانساني.. ويتعرض إلى بعض منغصات الرقابة مع كتبه. وإلى مفهوم كان هو السائد في تلك المنغصات (خدش الآداب العامة) والذي جاء مع قانون المطبوعات الذي صدر في مصر في ايام الاحتلال الانجليزي. اما عن البدايات, فيقول ادوار الخراط انه في سنوات التكوين, والقراءات الاولى, (قرأتهم جميعاً) (كما يقول اليوت) (عرفتهم جميعاً) وكأنني لم اقرأ, ولم اعرف احداً منهم في آن.. ولم تكن القصة شيئاً خارجاً عني يلفت اهتمامي بها شيء ما, ماذا يمكن ان يلفت اهتمامك بالحياة, الا انها حياتك نفسها.. ويتساءل هل مخرج الكتابة كان بسبب ضغوط حياتنا الاجتماعية وكفاحنا الوطني في الثلاثينيات وباكر الاربعينيات, ام تراثي وثقافتي بابعادها الدينية.. الميتافيزيقية.. ويصرح ان تجاربه الأولى الطفلية كانت اعادة كتابة ما قرأه واعادة تخليقه وتشكيله.. اما قصصه التالية فكانت شيئاً بين الشعر والتأمل والتهويمات الرومانسية, عن رعاة وجوابين على سفوح الاولمب وفي وادي النيل, وسقوطهم بين آلهة الحب والقدر من ناحية, وبين اشخاص نصف اسطوريين ونصف انسانيين.. بعد ذلك جاءت قصص (حيطان عالية) التي نضجت على تلك النيران الاولى المتطاولة المدى من الصياغات والقراءات ومعاناة بدء تشكل الوعي بالقضايا الاساسية التي ما زالت شاغلته حتى الآن.. اما عن كيفية تشكل القصة لديه, وشراراتها الأولى, فانهن يقول: بداية تتخلق القصة عندي ـ على الارجح ـ من صورة, صورة تتشكل في الوقت نفسه بأصوات, بكلمات, بمادة اللغة وقوامها. سواء كانت هذه الصورة لمشهد خارجي, أو لفعل يدور بلا انفصام عن هذا المشهد الذي يضم الخارج والداخل, الواقع واللاواقع, أو للتكون الأولي ـ المتحقق فعلاً منذ اول لمسة, لشخصية, أو حتى صورة لحوار.. أما المكان فله حضوره وسطوته في أدب ادوار الخراط, فالمكان هو حدث, فما من سبيل إلى تركه غير متعين, وهو في تحدده المجسم لابد ان يكون متعيناً بمعنى ما, ولكنه قد لا يكون مسمى.. واحياناً يصبح المكان متراكباً ومتزامناً, اي يصبح مركباً من اماكن عدة وفي ازمنة عدة, ولكنه محدد. وحول المصطلح الذي يسميه (الكتابة عبر النوعية) يقول ادوار الخراط ان (القصة القصيرة والرواية) قد تتداخلان وتتواشجان باعتبارهما نوعين ادبيين, ليصبحا ربما (نوعاً) واحداً, متعدداً في آن.. فالحدود القاطعة للأنواع الادبية قد اصبحت موضع تساؤل.. والمواصفات التقليدية والحدود بين كل نوع ونوع, وبين كل فن وفن قد تهاوت, بهذا المعنى نتصور المقصود بـ (الكتابة عبر النوعية) . فهناك نفس روائي في قصصه القصيرة, ورواياته في فصول لها قدر من الاستقلالية, وهناك أيضاً انسياب شعري يسميه الخراط (النسيج الشعري أو الماء الشعري الذي يتخلل العمل جميعه ويترقرق فيه) . أما تصوره النهائي عن هذا الفن, ان يكون ابعد عن التجريد, فيه حشد يمور بكل عناصر الحياة, ويتفاعل معها, وفيه تلك الحرارة البدائية اللاعجة, مصهورة في قوام ساطع النور, شديد النقاء, وربما شديد الكثافة والتركيب معاً. ومع ذلك فالفن عامل من عوامل التغيير, لأنه دائماً خطوة إلى الامام في المجهول, وهذه مغامرة الفن..