لم أستطع أن أمنع نفسي من متابعة ما ورد من روايات بالغة الكثرة عن النساء في الباب الأخير من كتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة. ولم أدهش لكل ما وجدته في هذه المرويات من سوء ظن غالب بالنساء, فذلك بعض التراث الشعبي الذي حرص جانب منه على العداء السافر للمرأة بوجه عام, وتشويه صورتها على نحو مطلق, والتحقير من شأنها بما لا يدع سبيلا إلى الاستثناء, فالمرأة في هذا الجانب هي أصل الشر في الخليقة, وهي ثعبان الغواية الذي لا نجاة منه إلا بالقضاء عليه, وهي حبائل الشيطان, والكائن الذي لا عقل له ولا روية ولا أمان. وما أكثر الحكايات والمرويات التي يذكرها القدماء في هذا الاطار لتبرير سوء الظن المتأصل بالنساء. وهي حكايات ومرويات كان لها نصيبها الملحوظ في (كتاب النساء) من موسوعة (عيون الأخبار) . وقد ذكرها ابن قتيبة تحت عنوان (باب مساوئ النساء) الذي يستفتحه بما ينسب إلى وهب بن منبه من انه قال: (عاقب الله المرأة بعشر خصال: شدة النفاس, وبالحيض, والنجاسة في بطنها, وجعل ميراث امرأتين ميراث رجل واحد, وشهادة امرأتين كشهادة رجل, وجعلها ناقصة العقل والدين لا تصلي أيام حيضها, ولا يسلم على النساء, وليس عليهن جمعة ولا جماعة, ولا يكون منهن نبي, ولا تسافر إلا بولي) . ولا أعرف هل قال وهب بن منبه هذا الكلام أم لا, فهو كلام ظاهر العوار, يلبس الباطل بالحق, والحق بالباطل, شأنه في ذلك شأن القول الشعبي المأثور الذي تناقلناه في عبارات من قبيل: (ما نهيت امرأة عن شيء إلا أتته) . ومثل ذلك ما روي عن سمرة بن جندب الذي نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم القول: (إنما المرأة خلقت من ضلع عوجاء فإن تحرص على اقامتها تكسرها. فدارها تعش بها) . ومثل ذلك ما نسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من انه قال: (النساء عورة فاستروها بالبيوت, وداووا ضعفهن بالسكوت) . وفي رواية أخرى منسوبة له: (لا تسكنوا نساءكم الغرف (العالية) ولا تعلموهن الكتابة... وأكثروا لهن من قول لا فإن نعم تغريهن على المسألة) . وذلك قول يتبعه ابن قتيبة برواية ينقلها عن الأصمعي الذي ينسبها إلى عقيل بن علقة, وكان غيورا, أجاب من سأله عمن خلفه في أهله يصونهن, فقال: الحافظين العري والجوع. يعني انه يجيعهن فلا يمزحن, ويعريهن فلا يمرحن. وواضح ان هذه الصورة الشائهة عن المرأة ظلت موجودة على امتداد عصور التراث العربي, صحيح انها كانت تهيمن في عصر وتخفت في عصر, وأن هيمنتها كانت مرتبطة بعصور الضعف والهزيمة, وأن تقلصها كان قرين عصور القوة والازدهار في الحضارة الإسلامية, لكن ظلت الصورة نفسها موجودة, تناوش حتى الكتابات التي لا يتوقع المرء وجودها فيها, أو على الأقل تنسب إلى كتاب ما كان المرء يتوقع نسبة هذه الصورة إليهم. ومن هؤلاء ابن المقفع الذي يعده الكثيرون رائدا من رواد العقلانية في الحضارة العربية الاسلامية, والذي عرف بآرائه الحكيمة التي لا تنطوي على تعصب. ومع ذلك فقد نسب إلى ابن المقفع ما يرويه ابن قتيبة على النحو التالي: إياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن (نقص), وعزمهن إلى وهن, واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن, فإن شدة الحجاب خير لك من الارتياب. وليس خروجهن بأشد من دخول من لا تثق به عليهن, فإن استطعت ألا يعرفن عليك فافعل. ولا تملكن امرأة من الأمر ما جاوز نفسها, فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها, وأدوم لجمالها, وإنما المرأة ريحانة وليس بقهرمانة, فلا تعد بكرامتها نفسها, ولا تعطها أن تشفع عندك لغيرها. والعجيب أن هذه الصورة التي تلفت الانتباه بكثرة مروياتها قد شاعت في غير عصر من عصور الحضارة العربية, وهي الحضارة التي تنتسب إلى الإسلام الذي وصل في مدى تكريم المرأة إلى درجات غير مسبوقة في تاريخ البشرية. وكيف يمكن لمسلم عاقل أن يصدق هذه المرويات وهو يعلم أن الإسلام هو الذي أوقف وأد البنات, وأن نبيه الكريم ما كان يمكن أن يضع أمهات المؤمنين ولا سائر نساء المسلمين هذا الموضع الذي تضعهم فيه هذه المرويات باطلاقها الذي لا يبقي ولا يذر؟ وكيف يصدق عاقل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن تعليم النساء الكتابة وقد كان النبي الكريم نفسه يأذن لهن بالكتابة في زمنه؟ وماذا عن عمر بن الخطاب الذي اعترضت عليه امرأة في المسجد قائلة: أتسلبنا حقا منحنا إياه الله؟! فأجاب عمر بقوله الشهير: أخطأ عمر وأصابت امرأة. وهل يصح عقلا, والأمر كذلك اتهام المرأة بفقدان العقل واتهامها في الوقت نفسه بأنها حبائل الشيطان التي تغوي بمكرها وفتنتها في آن؟ أليست هذه المرأة هي التي كلفها الإسلام بالواجبات الدينية نفسها التي كلف بها الرجل دون تمييز؟ وإذا كانت هذه المرأة فاقدة العقل والأهلية معا, فلماذا منحها الإسلام حق التصرف في مالها مهما عظم هذا المال, وجعلها حرة في تدبير أموالها في البيع والشراء, والهبة والوصية, والتملك والوكالة؟ ولماذا منح الإسلام المرأة بعد الحقوق التي نتذكرها في هذه الأيام, خصوصا حق خلعها لزوجها إذا لم تحتمل الحياة معه؟! الواقع أن كل هذه المرويات التي أسهمت في تشويه صورة المرأة في عقول الكثيرين على امتداد التاريخ الإسلامي إنما هي مرويات تنتسب إلى مأثورات شعبية سلبية, ولا تنتسب إلى صحيح الدين أو حقائق الحضارة الإسلامية التي ازدهرت بإسهام المرأة المسلمة فيها إلى جانب الرجل. ولولا ذلك ما حدثتنا (ألف ليلة وليلة) عن حكمة شهرزاد التي قرأت ودرت وجمعت علوم الأواخر إلى علوم الأوائل, شأنها في ذلك شأن الجارية تودد التي أحسنت علوم العرب والعجم, وفاقت علماء عصرها من الرجال الذين غلبتهم في بغداد القديمة. وحكاية الجارية تودد حكاية عربية نموذجية من حكايات (ألف ليلة وليلة) التي تستبدل بالصورة الزائفة للمرأة الصورة الأصلية التي تستبدل بالشر الخير, وبالجهل العلم, وبالمعتقدات الشعبية الفاسدة المعتقدات السليمة التي يعرفها ذوو الفضل والراسخون في العلم. ويكفي للتدليل على زيف الصورة التي تنطوي على سوء الظن بالمرأة كتب (تراجم النساء) في كل فرع من فروع المعرفة العربية, ابتداء من عشرات الشاعرات والمغنيات والأديبات بوجه عام, مرورا بالزاهدات والمتصوفات والمحدثات والفقيهات, وليس انتهاء بالكاتبات والعالمات اللائي أضفن إلى ثراء الحضارة الإسلامية ما جعلها أصل النهضة الحديثة في العالم كله. وهل كان يمكن للسخاوي في الضوء اللامع, أو ابن حجر في الدرر الكامنة, أو ابن رافع السلمي في تاريخ علماء بغداد, وغيرهم كثير, أن يذكروا من أخبار المحدثات (عالمات الحديث النبوي) ما ذكروا إلا وهم يعرفون الميراث الذي تركته نساء فضليات, أجاز لهن علماء الحديث النبوي روايته وتعليم المعرفة بصحيحه من ضعيفه؟ وأضيف إلى ذلك معاجم الشاعرات وتراجمهن, وكتاب مثل (بلاغات النساء) لأحمد بن أبي طاهر طيفور وغيره من المؤلفين القدامى الذين انشغلوا بكتابة النساء في الحضارة الإسلامية, ويكفي لمن يريد المزيد من أن يراجع بعض ما أنجزه مصنفو العصر الحديث في هذا الموضوع من كتب تشبه ما كتبه محمد ذهني عن (مشاهير النساء) وعمر رضا كحالة صاحب موسوعة (أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام) . وكلها كتب تؤكد الدور العظيم للمرأة في الإسلام, والمكانة الكريمة التي حققها الإسلام للنساء اللائي كن علامات التقدم في حضارته التي دعت كلا من الرجل والمرأة إلى المنافسة في العلم والفضل وكل ما يسهم في عمار الأرض واصلاحها. ولكن من أين جاء أصل هذه الصورة الزائفة عن المرأة؟ وكيف تراكمت مروياتها وتكاثرت حكاياتها التي لم تخل من تلفيق وتدليس وادعاء؟ أغلب الظن انها جاءت من تأويلات المتزمتين الذين تحدث عنهم ابن قتيبة في مقدمة (عيون الأخبار) . أقصد إلى هؤلاء الذين تلقفوا بعض الوقائع الصحيحة في المأثور الديني, مثل قصة خروج آدم من الجنة, ونسجوا حولها حكايات ووقائع وجدوها في الميراث الشعبي السابق على الإسلام, وأضافوا إليها ما هو استمرار لمعتقدات الجاهلية, وسيجوا ذلك كله بمرويات وأقاويل وأحاديث, اما منزوعة من سياقها, واما مكذوبة أو مخترعة. وكان الهدف من ذلك ابقاء المرأة في أدنى مكانة اجتماعية, وتأكيد هيمنة الرجل عليها بقليل جدا من الحق وكثير جدا من الباطل, ومن ثم مواصلة استغلال المرأة أبشع استغلال وحرمان المجتمع الاسلامي من ثمرات علمها وعملها. ولذلك, لم تشع هذه الصورة الزائفة, ولم ينقطع صعود الحضور الاجتماعي المعرفي للمرأة في الحضارة الإسلامية, إلا مع فترات الاضطراب السياسي, والعصور التي يغلب فيها التقليد على الاجتهاد والنقل على العقل, وشاعت أفكار التعصب التي اقترنت بهزيمة الحضارة الاسلامية واجتياح المغول والتتار لمدنها الكبرى. ومع ذلك ظلت المرأة تؤدي دور الأم والزوجة, وتواصل بقدر ما تستطيع, وفي قيود من القمع الذي تزايد مع شيوع التعصب والهزائم, إسهاماتها في مجالات المعرفة بأنواعها, وظلت تحلم باستعادة كامل حقوقها التي حصلت عليها بفضل الإسلام, واستمر الوضع على هذا الحال إلى أن جاءت النهضة العربية الحديثة, وأخذت الأقطار العربية تقبل على ثقافة الاستنارة الإنسانية في العالم المتقدم, وتعمل على استعادة ميراثها الإسلامي العقلاني الذي حجبه المتزمتون طويلا بما أشاعوه من صورة زائفة عن المرأة.