يستطيع القارئ الذي ينتهي لتوه من قراءة ديوان (منازل الجلنار) للشاعرة نجوم الغانم أن يؤكد انها رومانسية تماما, ويمكن أن يجد في الديوان أكثر من شاهد على رومانسية التجربة الشعرية التي تقدمها الشاعرة في الديوان, بدءا من اشارتها في بداية الديوان, والتي تقول فيها: (كتبت هذه الآلام في الفترة بين 1995 و1998, وما زالت أطيافها تستوطن الجهات) ومرورا بتجارب الديوان وآليات المعالجة الشعرية فيه. منذ البداية, نحن أمام عالم, تعيد الشاعرة تشكيله ليصبح له ملامحه الخاصة, وتعتمد الشاعرة على عناصر مادية محضة, في تشكيل مفردات التجربة, ولكن العلاقات التي تنشأ بين هذه المفردات, تحيل التجربة إلى العالم الداخلي للشاعرة. في النص السابق تبدو الشاعرة في (الحي الغريب) , وصفة الغريب تلك تبين احساس الشاعرة, رغم انها صفة للحي, ويتولى العقل الباطني للشاعرة تشكيل الصورة, فالقمر غير المكتمل (كسرة من رغيف فضة) , وهو غير مكتمل, فقد (اقتاتت الليالي نصفه) , وهذا التشكيل يترجم احساس الشاعرة بالخطر, وهلعها من الزمن, هذا الهلع الذي سوف نرى له تجليات عدة في الديوان, وهو هنا - ممثلا في الليالي - يقتات نصف القمر. إن الوجدان الداخلي, هو الذي يتولى تشكيل الصورة, عند نجوم الغانم ويقدم بذلك تجربة لها خصوصيتها, ولها أيضا بعدها الرومانسي, الذي تجلى فيه بروز عنصر الطبيعة كمكون رئيسي من مكونات المفردات, وفي الاحساس بالغربة, والضيق بالمكان, وفي احساس العزلة الذي تعيشه (أشياء) الشاعرة. ويشكل الخوف من الزمن, مكونا رئيسيا من مكونات التجربة التي تطرحها, ويتجلى الخوف من الزمن في صور مختلفة, منها صورة الموت, والشاعرة تطرح الموت كأحد خيوط تجربتها, حتى انها تهدي الديوان (إلى روح أبي التي تقترب كلما حل المساء, كأنها حمامة لا تقوى على الابتعاد عن بيتها, إلى الموتى.. والذين يحتضرون) , وقدمت الشاعرة قصائد كاملة شملت (في الوقائع ترميني بصولجانها) عن الموت, تقول الشاعرة في قصيدة (على أبواب مآتمنا) وهي تقدم مشهدا للواعظات اللواتي يقدمن ما ينتظر منه تهدئة أهل الميت, وتذكيرهم بالموت كعبرة, تقول: انفكت قلائد الزائرات, عدن لبيوتهن مستريحات البال, متماسكات, كفارسات فزن بالمعركة. أما نحن فعدنا لترقيع أرواحنا, مسمرات في حضور النتوء الذي شرخنا. تتحدد شاعرية النص من هذه المواجهة بين الذات والآخر, الذات التي لا تمثلها الشاعرة فحسب, وإنما تتمثل في أهل الميت جميعا, ويتمثل الآخر في النسوة الواعظات, والراوية التي اعتلت المنبر لتخطب ساعة, وتتولد الشاعرية من اختلاف المقاصد بين طرفي المواجهة, فبينما يرغب الطرف الآخر - الطرف الواعظ - في الاستعانة بالمنطق الديني, والحديث عن (الشرائع وإرادة السموات) , على حد تعبير الشاعرة, فإن مقصد أهل الميت مغاير لذلك, إنه الهدف المستحيل, ويعي أهل الميت ذلك, ومن هنا تسميه الشاعرة (المعجزات) لانه يتمثل في (عودة الرميم إلى الحياة) . ولأن طرفي المواجهة مختلفان في المقصد, فإن النتيجة تختلف لدى كل منهما, وهو ما تقدمه نجوم الغانم في المقطع السابق, حيث النسوة الواعظات يعدن لبيوتهن مستريحات البال, متماسكات كفارسات فزن بالمعركة أما أهل الميت, فقد عادوا (لترقيع) أرواحهم. إن هذه النتيجة ليست خلاصة صراع بين طرفين, وإنما هي رصد لما يحدث الموت فينا من آثار إن الشاعرة تمكنت من تحويل الحدث, حدث الموت, من يومي نثرى إلى حدث ذي صبغة وجودية, يبدو فيه الإنسان صريع مصير يدمره, ولا يعرف مواجهته. وإذا كانت نجوم الغانم, قد وضعت يدها على أحد الأبعاد الوجودية في التجربة الإنسانية فحولت تجربة الموت من حدث مؤلم وحزين, إلى حالة شعرية ووجدانية, لا تطرح موقفا, وإنما تقدم رؤية, لها دفؤها, فإنها تنحو في قصيدة (رصاص رحيم) منحى تقترب فيه من العبث, ولكنها تقدم فيه القلق الإنساني, تقول: تحت السماء التي ليست لي صوب بندقيته نحوي متوقعا أن أنحني أو أفر هاربة. نظرت إليه كان يرتجف كحصان ترك الليل برمته في العراء وكنت أبتسم مصلية أن يطلق الزناد سريعا لانني قبلها بليلة فقط تمنيت أن تصيبني رصاصة طائشة. وتحت هذه السماء التي لا يملكها أحد, يتفجر الحدث العبثي البسيط, الذي يتمثل في بندقية مصوبة تجاه الشاعرة, والفاعل في القصيدة غائب تماما, أو مغيب, هل هو إنسان, أم خطر, أم شعور...؟ ولعل عدم ذكره يسهم في تعميق الحس العبثي والشعري معا, إذ يفتح المجال لتأويلات النص. وتتجلى العبثية في مواقف أخرى, فالذي يصوب (يرتجف كحصان ترك الليل برمته في العراء) وهي صورة ذات ملامح تراجيدية تنبع مما هو معروف عن الحصان وقوته وابائه, وكيف انه هو الآخر - رغم هجومه - يعاني العراء, بكل ما للعراء من دلالات. كما تتجلى العبثية في ثبات البطلة فلم تنحن أو تفر هاربة, بل إنها كانت تبتسم (مصلية أن يطلق الزناد سريعا) ويكشف النص عن عمق هذه الرغبة, وانها ليست وليدة لحظة, فقبلها بليلة فقط تمنت أن تصيبها رصاصة طائشة. الديوان تجربة ذات بعد إنساني, والشاعرة تقبض بيدها على أدواتها, وتحقق لنصوصها الأفق المفتوح الذي يسمح بتعدد القراءات, وان أفلت الزمام من يدها قليلا فتسللت إلى القليل من نماذجها بعض التزيد, الذي يتناقض مع شاعرية النثر, اضافة إلى ان بعض الهنات اللغوية والنحوية قد أفلتت من يدها, أو من الطباعة, مثل قولها: (منصحات وقانعات بالأقدار) والصواب ناصحات ومثل قولها: (ها نحن عند الله محروسين بالسلوى) والصواب) محروسون) . بقلم: د. مشهور فواز