من الأمور الملفتة في الثقافة العربية ان معظم المثقفين العرب (بل كلهم حسب علمي) يلفظون اسم ( دون كيشوت) بهذه الحروف ويقولون: (الدونكيشونية) وهي الصفة المأخوذة من الاسم بالاحرف ذاتها, على الرغم من ان اسمه الحقيقي حسب اللفظ الاسباني هو (دون كيخونة) . وقد لحق التحريف اسم مؤلف الرواية أيضاً, فيذكر في الثقافة العربية على انه (سرفانتس) وليس (ثربانتس) حسب اللفظ الاسباني الصحيح. والطريف في الأمر ان الرواية الشهيرة التي كتبها مؤلفها في مطلع القرن السابع عشر, قد ترجمت إلى اللغة العربية منذ منتصف الخمسينيات بقلم الدكتور (عبدالرحمن بدوي) بعنوان (دون كيخونة) كما ترجم اسم مؤلفها حسب لفظه الاسباني (ثربانتس) وصدرت لها طبعة جديدة عن دار المدى بدمشق والمجمع الثقافي في (أبوظبي) منذ سنتين. ومصدر الطرافة هو ان المثقفين العرب اخذوا الاسم عن اللغة الانجليزية. والظاهر ان قلة قليلة منهم قرأت الرواية في نسختها الانجليزية أيضاً فترجموا اسمها واسم مؤلفها حسب اللفظ في هذه اللغة. ولكن المشكلة ان الثقافة العربية كلها تابعت لفظ الاسم هكذا (دون كيشوت) غير عابئة بالترجمة العربية المتاحة في الأسواق والتي قام بها واحد من المع المثقفين العرب, والمؤكد اذن ان الغالبية الساحقة لم تقرأ الرواية. ولكنك ترى كل من هب ودب على ارض الثقافة يذكر اسم الرواية واسم مؤلفها حسب ما شاع في الادبيات العربية. والاكثر طرافة ان هناك من يستخدم الصفة كثيراً للاشارة إلى اولئك الحالمين العاجزين الذين يحاربون طواحين الهواء. دون ان يكون قد قرأ الرواية. وتلك دلالة هامة على مدى تغلغل الشفوية والنقل في ثقافتنا المعاصرة. ويؤكد ذلك ما شاع من ترجمة مسرحية (شكسبير) الشهيرة (عطيل) وخاصة اسم بطلتها. ويقول (جبرا ابراهيم جبرا) في مقدمته للمسرحية التي ترجمها بأن اسم (عطيل) نفسه ترجم اجتهاداً وخطأ من قبل الشاعر (خليل مطران) فاسمه الحقيقي حسب المسرحية الانجليزية (اوثلو) وهو لفظ معروف في اللغات الاوروبية ومعناه (الحذر) ولكن (خليل مطران) ظن انه عربي فأراد ان يمنحه اسماً شبه عربي. ويقول (جبرا) ان اسم عطيل لم يتردد في العربية من قبل أبداً. ولكن الاسم درج في اللسان العربي المعاصر بسبب ترجمة (مطران) المغلوطة وصار المترجم الجديد مضطراً للقبول به. ولكنه رفض ان يقره على تحريف اسم بطلة المسرحية (دزيمونة) إلى (ديدمونة) ووضع الاسم في النص الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بـ (دزيمونة) ولكننا مازلنا نرى ان من يشير إلى مسرحية (شكسبير) هذه لا يزال يذكر اسمها بـ (ديدمونة). ويمكن للمرء ان يقبل ويقر الشائع من الاسماء حسب الترجمة اذا كان تغييرها صار شبه مستحيل. ولكن المترجمين العرب ما عادوا يعبأون بما انجزه غيرهم. فازدحمت السوق العربية باسماء الكتب والمؤلفات والمؤلفين الاجانب الذين يعاد ترجمتهم إلى العربية, وكل يترجم حسب ما يراه. بحيث بات الامر يشكل على القارىء فلا يعرف ان كان الكتاب أو الكاتب المذكور هو نفسه من يعرفه باسم آخر. والأمثلة لا تحصى. وهذه بعض نماذجها: فقد ترجم (سامي الدربي) رواية (كونكاس بوربا) للكاتب البرازيلي (ماشادو دوأسيس) عام 1963 في دمشق ثم ترجمت في مصر عام (1973) بعنوان (الفيلسوف ام الكلب) اما رواية (بلزاك) فقد صدرت في سوريا في الخمسينيات بعنوان (حب وطلسم او الجلد المسحور) ثم اعيدت ترجمتها في سوريا ايضاً وصدرت بعنوان (جلد الحبب) في التسعينيات, وثمة كثيرون ظنوا انهما روايتان للكاتب نفسه. ومن الغرائب اننا نجد في كتاب الدكتور (عبدالملك مرتاض) المعنون بـ (في نظرية الرواية) اسماء كتاب اجانب يقوم بتغريبها تماماً متجاهلاً الاسم الشائع تماماً: فيذكر اسم الشاعر الالماني (غوتة) أو (جوتة) بـ (قوث) ولن يستطيع اي قارىء ان يتأكد انه ذات الكاتب ولو لم يذكر بجانبه الاسم مكتوباً بالاحرف الاجنبية. وفعل مثل ذلك مع (روب غربيه) فصار (قريي) وأسهل منه (جون دوس باسوس) (جون دوص باصوص) و(تولستوى) (طولسطوي)... الخ. وبعض اخطاء أو تحويرات الترجمة لها مفعول قوي في الثقافة المتلقية ومنها ترجمة كتاب الفرنسية (ناتالي ساروت) الذي نقل إلى العربية اوائل السبعينيات بعنوان (انفعالات) وبجانبه ملاحظة تقول (قصص قصيرة جداً) ثم نقل إلى العربية عام (1999) بعنوان (انتحاءات) مع ملاحظة تقول أنه (رواية) ولكم ان تتصوروا ان عشرات المثقفين المهتمين بالكتابة نسجوا على منوال (ساروث) في كتابها مقدرين انها كتبت قصصاً قصيرة جداً. ولعل المصطلح نفسه الذي نتناقله مأخوذ من كتابها واذا بنا نرى اليوم انه كان رواية وليس مجموعة قصص. فهل هذه دون كيخوتية أم دون كيشوتية؟ ممدوح عزام