مع ان العلوم والاوضاع الصحية الحسنة والتحضر والوعي التي رافقت مسيرة الانسان, قد شهدت الكثير من التطور, وانها قد ساهمت في اطالة عمر الانسان, إلى جانب النوافذ التي فتحتها العلوم والمتعلقة بالاستنساخ البشري ـ وان حجب ـ.. ستظل من الاساليب التي تنشد الخلود. وما دامت الاساطير قد لعبت دوراً مهماً في حياة البشرية وعلى مر العصور, الأمر الذي جعل كثرة من المبدعين والدارسين يأخذون على عاتقهم مهمة هذا التأثير الذي تتركه الاساطير على حياة الناس.. ولم يكن ادب امريكا اللاتينية والذي ترك بصماته على الادب العالمي إلا أدباً يعتمد في مرجعيته على الاساطير. وضمن هذا التأثير, توجه الروائي الليبي ابراهيم الكوني, الى الاساطير, مزاوجاً بين معرفته العميقة لها, ودرايته التفصيلية بالصحراء ورموزها وحكايا وحياة وتقاليد اهلها وتضاريسها وخفاياها... مؤكداً على مسألة الخلود, والدور الذي لعبته المرأة في فقدان الفردوس السماوي, ومنذ السطور الأولى, يضعنا ابراهيم الكوني في موقع نألف فيه الارض والمطلق.. الحياة ونقاء الآلهة. يقول: (لن يذوق طعم الحياة, من لم يتنفس هواء الجبال. هنا, فوق القمم العارية, يقترب من الآلة, يتحرر من البدن, ويصبح بمقدوره ان يمد يده ويقطف البدر أو يجني النجوم من هذا الموقع يروق له ان يراقب الناس في حضيضهم. يتسابقون بنشاط النحل, فيظن انهم قد حققوا المعجزة, ينزل إلى ارضهم فيجد انهم دراويش اشقياء يجدون في البحث ولكنهم لا يجنون سوى الباطل, اذن هناك آمال.. بدر, نجوم معجزة.. كلها في السماء, اما الارض فلا يوجد فيها سوى الباطل. فلماذا تبددت كل تلك الآمال, ولماذا تفرز موقع الباطل؟ هذا ما تناقشه رواية ابراهيم الكوني: (المجوس) وفي جزئين.. يوضح الكوني ان التفكير بالاستقرار, مشروع قائم.. والمجد ان يكون الاستقرار في عليين.. امام الارضين ـ حيث الاختناق والموت. ويتنبه الكوني إلى الكتب المقدسة, يراجعها, ويفيد مما ورد فيها خدمة لمشروعه الروائي. وفي عودة إلى نبع الحكيم, والمعطى المفقود, يوضح الكوني ان الاجيال تتناقل قولاً مفاده: (ان الذهب الابرق في ارض, عميت روح اصحابها, وفقد الناس الهوية والصواب. يسهل سفح الدم المحرم ولن تقف نفس الاثم عند حد) . وفي ادانة لهذا السلوك ـ يدعو اصحابه: (المجوس) وهم عبدة الذهب والمعادن النفيسة والأموال. انه ينظر إلى (الصقور.. تموت على الارض مهما تطاولت في السماوات..) ولان الكوني على معرفة بمعالم ودقائق وشخصيات الصحراء, فأنه يرى في: (دموع الدرويش في معجم أهل الصحراء اسوأ من عدوان القبائل الغادرة. دموع الدرويش تحرق القلب والبدن وتجر البلاوي والويلات) . ويستدعي خبرته في المرأة.. معمماً خبرته في هذا الكائن مراراً: (ان المرأة لا تغفر للرجل, اي رجل, اذا لم يفكر فيها كامرأة) و(ان على الرجل ان يظل امام المرأة في موقف القادر. وحتى اذا لم يقدر فعليه ان يدعي المقدرة ويكذب. المرأة تغفر الكذب, ولكنها لا تغفر العجز) . ويشبه المرأة بتلك الفأرة التي استطاعت ان تنجو وتنفلت من القطة التي اصطادتها, وبدلاً من افتراسها, راحت تتسلى بها.. ونجت الفأرة بسبب استهتار الهرة نفسها. ويؤكد: (الرجل قدر المرأة. ولا يمكن ان يكون للمرأة غاية في الحياة سواه, وكل النساء اللائي بحثن عن شىء آخر, هدف آخر. سر آخر ضيعن حياتهن وضعن. الله لم يخلق شيئاً بلا معنى, وعندما خلق المرأة مخلوقاً جميلاً, قدر للرجل ان يقطف هذه الثمار, والثمار تذبل وتندثر في الفناء اذا لم تقطف في موسم الحصاد. المرأة الذكية هي التي تهيء نفسها للقطاف. المرأة الحقيقية, هي التي تزين وتجمل لتكون ابهى واشهى انسجاماً مع شريعة الكون وامتثالاً لارادة الآلهة, ولهذا فان المرأة الذكية دائماً سعيدة, اما المرأة الاخرى الشقية, فمخلوقة غبية اذا بحثت في الحياة عن شىء آخر غير الرجل) . ونحن اذ ننقل هذه التفاصيل في نص رواية ابراهيم الكوني, فانما نهدف إلى طبيعة النظرة التي يعتمدها الصحراوي نحو المرأة, وفي واقع السرد الروائي يمنحنا الكوني ويعدنا في اعتماد تلك النظرات وكأنها تمثله هو اكثر من شخصياته الروائية.. الأمر الذي يتطلب وقفة تأمل ومناقشة ومراجعة.. فمثل هذه النظرات تجعل المرأة في اسفل درك من السلم الاجتماعي, وانها كائن غير جدير بالثقة, كما الرجل في موقع آخر.. وفي اسطورة من اساطير الهنود الحمر, ينقلها الينا الكوني عن جيمس فريزر وكتابه (الغصن الذهبي) حيث تقول الاسطورة. عجن الاله جسد الانسان من الطين. وصعد إلى السماء كي يعود له بالروح لاحيائه تاركاً خلفه الكلب لحراسة البدن اثناء غيابه, في هذا الوقت جاء ابليس ونفخ في الكلب ريحاً باردة فخدرته, دثره بغطاء من فرو حتى يضعف يقظتها, ثم بصق على بدن الانسان وغمره بالقاذورات إلى حد جعل الاله يشعر باليأس لاستحالة تطهير الجسد من العفن الشيطاني. من هنا قرر الاله, ان يقلب جلد الانسان ويجعل ظاهره في باطنه. هذا هو سبب عفونة باطن الانسان) . في حين ترد اسطورة حددها ابراهيم الكوني باسمه وقد جاء فيها: (انطلق المهاجران في مسيرة العبور ـ قطعا مسافة. بدأت المتاهة توجه الأول بطلب إلى السماء ـ ربي. هبني جرة مختومة من ذهب ـ فتودد الثاني وركع بدعاء ـ اللهم هبني جرة ماء. امتدت الصحراء ـ حرق قرص الشمس الارض ـ اشعل النار في السماء ـ انهار الأول في منتصف الطريق ـ دس رأسه في كنزه ـ فعجز التبر ان ينقذ قلبه من الحريق. بلغ الثاني واحة المحال ـ يحمل في القلب جرعة الماء ـ وفي اليد الاخرى جرة المال وفي الاسطورتين, هناك بحث منذ الخليقة الاولى عن شىء, عن خلود ومجد وغنى.. بعيداً عن حكمة ان يوجد الانسان انساناً.. وليس مجوسياً عبداً للذهب.. يبحث الواحد منهم عن (الذهب في العيون البريئة..) ان عيوناً حجرية, لا يمكنها ان تجد الذهب في براءة العيون ونقائها.. لكنها تفتش.. تظل تفتش عن الذهب لانه (مصيدة الصبايا وسيد السوق) . ان ما ذهب اليه ابراهيم الكوني, لا يعتمد على مخيلة مجردة, وانما على مرجعيات ثرية ومعايشة وتفاعل كلي مع عالم صحراوي مفتون بالرؤى والاساطير.. ومن هنا كانت لعنة (المجوس) بمثابة تجديد وتنويع على قصة (لعنة الذهب) الاثيرة التي صارت تمني لمس الاشياء ـ الذهب وبالاً مدمراً ونهايات مفجعة.. و(مجوس) ابراهيم الكوني بلغتها الشفافة والعميقة والدالة استطاعت ان تقدم عملاً روائياً عربياً نادراً.. بغداد ـ حسب الله يحيى