لم تر هذه الاجيال ماريشال حي الحسين, وأنا لم أره إلا عابرا وأن كانت شهرته في الخمسينيات تملأ القاهرة, فلقد كان يرتدي حلة عسكرية متسخة, وحذاءً أسود غليظا, ويزين حلته بعدد هائل من الاوسمة والنياشين معظمها من أغطية زجاجات المياه الغازية, ويمسك بعصا الماريشالية, ويسير في حي الحسين متبخترا مصدرا أوامره. وفيما بعد وعندما زرت الاتحاد السوفييتي - عليه رحمة الله - رأيت منظرا جمد له الدم في عروقي, فلقد رأيت الضباط السابقين يجلسون على قارعة الطريق وأمامهم أوسمة و نياشين وقبعات عسكرية, يعرضونها للبيع. ومن هذا الذي لا يغريه هذا المنظر, فيتقدم ليشتري وساما ناله ضابط سوفييتي في الحرب العالمية الثانية, وقد يكون بطلا من ابطال ستالينجراد؟ ورأى من معي أن الامر أهون من أن نهتم به, فهذه الاوسمة لا تفيدنا في شيء, فتقدمت وحدي من الضابط العجوز الذي تفوح منه رائحة الخمر, وبالتأكيد كان يبيع أوسمته ليشتري مزيدا من الخمر. ومددت يدي لاشتري بعض الاوسمة والقي بين يديه بعض الدولارات المحرمة آنئذ, وفي لحظة أحسست بالرثاء لهذا الرجل, وتذكرت قصة إحسان عبد القدوس (علبة من الصفيح الصدئ) فبطله دافع عن العلبة القديمة حتى بحياته, أما هذا الضابط فيجلس ليبيع أوسمته, وأحسست بالرثاء له, لكن ذلك لم يدم سوى لحظات, فلقد تغير الاحساس فجأة, وأخذت أرثى لنفسي لأنني أريد شراء أمجاد شخص لا أعرف حتى أسمه. وماذا أفعل بهذه الاوسمة؟ لعلي اعلقها للزينة؟ لكنها ستذكرني في كل لحظة بمأساة ضابط باع دلائل شرفه, ترى ماذا باع قبل ذلك؟ واسقطت الدولارات القليلة بين يدي الضابط, وسارعت بالهرب دون أن آخذ شيئا, وحتى دون أن يلاحظ هو نفسه ذلك. في هذه الايام تذكرت ماريشال حي الحسين, ولو أنه كان يعيش, ولو أنه كان هنا لزين نفسه بأوسمة حقيقية تخطف الابصار, ولكن هل كان الماريشال يعرف أن أوسمته من الصفيح؟ وقلت لنفسي متفلسفا: هنا ماريشال بلا أوسمة.. وهناك أوسمة بلا ماريشالات. وأظن ماريشال حي الحسين أخذ هيئته من الماريشال روميل الذي كان أحد أبطال الشعب المصري السريين, ففي الحرب العالمية الثانية كانت بريطانيا مازالت تحتل مصر, ولذلك مال معظم المصريين إلى الالمان, بحسب القاعدة التي تقول: عدو عدوي صديقي, وفي الثلث الاول من الحرب كان الالمان هم ابطال الحرب, فلقد كانوا يتقدمون دائما, وزاد هذا من شعبيتهم, وكان روميل هو ألمع قواد المانيا, وأكثرهم دهاء, والناس يحبون القادة الماكرين. وأذكر أنني في العام الماضي زرت ولأول مرة مركز قيادة روميل في العلمين ومررت بلحظات غريبة, احسست فيها أنني اعيش مع روميل في هذا الخندق الكبير المجهز بذكاء شديد. ولقد أحب الناس روميل, وتخيلوا أن الالمان سيكونون سبيلهم للتحرر من الانجليز إلى حد أنه قامت مظاهرات تهتف: إلى الامام يا روميل! وكان الحزب (الالماني) إذا صح أن نقول هذا التعبير يضم أعلى السلطة أي الملك فاروق الذي أحس بالاهانة عندما حاصر الانجليز قصر عابدين في 4 فبراير ,1942 وكان في هذا الحزب رؤساء وزارات مثل علي ماهر باشا, وكان من أهم قيادات هذا الحزب - وهو غير رسمي طبعا - الفريق عزيز المصري باشا أهم شخصية عسكرية في ذلك الوقت, ولقد حاول عزيز المصري أن يسافر إلى المانيا ليتفاوض مع هتلر على وضع مصر بعد الحرب, وارسلت المانيا طائرة عسكرية انتظرته في الصحراء الغربية, ولكنه لم يصل إليها لأن سيارته تعطلت في الطريق. وفي المرة التالية ركب طائرة مع حسين ذو الفقار صبري وعبد المنعم عبد الرؤوف, ولكن الطائرة سقطت في الدلتا, وحسين ذو الفقار صبري هو اخو علي صبري الذي كان رئيسا للوزراء فيما بعد ونائبا للرئيس, وكان عبد المنعم عبد الرؤوف من المؤسسين لحركة الضباط الاحرار مع جمال عبد الناصر. ولذلك أعتقد أن ماريشال حي الحسين كان متأثرا بروميل, ولأن الذاكرة اختلطت بها الاشياء لا أدري العلاقة بينه وبين شخص آخر, كان يقف في أهم مناطق الزحام لينظم حركة المرور. ولكي تعرف من أين انطلقت في هذا الحديث, فلقد كانت البداية التي لم اصارحك بها حتى الآن, هي أنني رأيت نفسي ماريشال حي المهندسين أسوة بماريشال حي الحسين. حقا أنا لم أضع على صدري أوسمة وهمية, وبالطبع لم أضع أوسمة حقيقية, لكنني ضبت نفسي, وأنا اسير في طريق ماريشال الحسين. فلقد كنت اقلب الاوراق التي حملتها معي من الجزائر بعد حضور المؤتمر القومي العربي العاشر في ابريل الماضي, فوجدت بعض الاوراق تحت عنوان (الدوامة) , ويبدو أن العنوان هو ما ابعدني عن الاوراق, ولكنني عندما تصفحت الاوراق وجدتني أقرأها بلهفة. الكاتب هو جنرال حقيقي وليس مثلي أو مثل ماريشال حي الحسين, فهو اللواء متقاعد أديب الامير, وللأسف الشديد لم تتح لي الفرصة للتعرف عليه, فلقد كانت الفترة التي قضيتها هي أسبوع واحد, وعدد الحاضرين كبير. ولقد صدمتني الصفحة الاخيرة في بحث أديب الامير التي أورد فيها احصاء مقارنا سأحاول قراءته, ولعلي أكون قريبا من أديب الامير, وليس من ماريشال حي الحسين . الرقم الاول هو أن عدد جنود الجيوش العربية هو مليونان وأن عدد الجيش الاسرائيلي 175 ألفا! وهذا الرقم يحتاج لأن نكتبه أمامنا في كل مكان, ففيه ما فيه, فيه أننا الأكثر جندا والاضعف قوة, وفيه أن القوة ليست بالعدد, بل بالقدرية والتسلح, وفيه أننا لم ندخل معركة أبدا مع اسرائيل, وكانت قواتنا أكبر كما يقول هذا الرقم, فنحن ندخل المعارك ممزقين, وأحيانا يكون بعضنا جواسيس علينا لحسابهم. وحتى الاسلحة فيها نفس التناقض, فالارقام تقول بعد ذلك ان اسرائيل تمتلك أربعة آلاف دبابة و700 طائرة مقاتلة, أما العرب فيمتلكون 16 ألف دبابة و 2600 طائرة مقاتلة. ويقول أديب الامير في بداية ورقته: (حين دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين في مايو 1948 لم تكن تتمتع بالتفوق العسكري على القوات اليهودية في فلسطين لا من الناحية الكمية ولا النوعية, فضلا عن الارادة السياسية للتحرير) . وهذا المعنى نفسه في كتاب محمد حسين هيكل الاخير عن الجيوش والعروش, فلقد دخل البعض حرب 1948 لينقذوا انفسهم من الغليان الثوري في بلادهم, ودخل البعض باتفاق الخيانة مقابل بعض المكاسب الخاصة. ولم يحسب أحد قوته بالمقارنة لقوة العدو, ولم يكن لأحد خطة ولا حتى نية القتال. وكي لا ترى أن الارقام التي ذكرتها وحدها كفيلة بالنصر تعال لنرى أرقاما أخرى. تنفق اسرائيل - حسب احصاء اللواء الامير - سنويا 1500 مليون دولار على الابحاث العسكرية, وحاول الرجل - حفظه الله من الاكتئاب - جمع الرقم الذي تنفقه البلاد العربية على الابحاث العسكرية وفشل فقال انها اما أنها ارقام هزيلة أو غير دقيقة. أيضا رصد عدد العاملين في الابحاث العسكرية في اسرائيل بـ 13 ألفا في حين أنه لم يحصر العاملين في العالم العربي. ولا أريد أن أطيل في قراءة هذه الورقة الهامة, فأنا لست خبيرا في هذه الامور, وأخشى اتهامي بأنني ماريشال حي الحسين أو حي المهندسين. على أي حال ما أكثر الماريشالات في بلادنا, وما أقل الجيوش رغم احصاءات - أو حسب احصاءات - أديب الامير.