شاهدته يجلس داخل كوخ خشبي حقير.. على وجهه تجاعيد حزن طاغية في التحدي.. تحاول التملص من قبضة زمن اهترأت أيامه... جسد ضعيف انطفأت فيه آمال الدنيا كلما يحاول التحاور مع أيامه القليلة الباقية.. غارق في عالم آخر صنع نسيجه بنفسه.. لا يتحدث مع أحد.. فله لغته الخاصة الممزوجة بالكثير من نكهة الصمت الدفين.. صمته, الصديق داخل كوخه القديم.. قدم ذاكرته وتقاسيم وجهه المنهك.. بين الأنقاض والنفايات يحاول الوصول إلى باب كوخه متقدما على رجليه ويديه كرضيع يحبو عنوة.. أكوام من النفايات, علب فارغة, وبقايا أخشاب.. والصراصير والفئران تمرح في جميع نواحي الأرض.. يده يكسوها السواد.. أظافره طويلة.. يأكل ما يوضع له من طعام في هدوء.. حاولت اخراجه من صمته فلم أستطع كان أكثرنا تفوقا في الدراسة.. لكن الأقدار قذفت به في قاع المرض والشيخوخة بسبب ما عاناه من آثار صدمة نفسية وعصبية. نظر إليَّ ثم طأطأ رأسه وكأنه يسألني عن هويتي من أنت؟ وإلى أين ولماذا أنت؟ انه لا يبالي.. لا يشعر بمن حوله ولا يستجيب لأي مؤثر, ينظر إلى الأشياء بذهول وأحيانا ببلاهة لا يشعر بها.. الأرصفة تهرب من تحت أقدامه.. يرفض التذكر فالذكريات مشنقة تحوّل أحزانه الطينية إلى آلام موجعة.. ها هو يبتسم لغفير القطط الملتفة حوله وكأنه يشاركها فرحها الحيواني بمودة كبيرة.. قلبه معلق كتباشير فجر لا هو في السماء ولا هو في الأرض.. وأقرب أهل الأرض إلى السماء هم أولئك الذين يشبهون الأنبياء في عطائهم, يطعم القطط منتظرا قوت يومه من جيرانه.. وبعد انصراف القطط تأتي الفئران تشاركه زاده وحاله.. ورغم ذلك تجده في دجى الليل ساجدا لله داعيا إياه.. يا رب.. يا رب.. يا رب... إن إطعام المسكين وسيلة تعبيرية عن عاطفة نبيلة وصور الإحسان التي قد تتغير حسب المحيط والظروف.. إلا ان ما يجب الاحتفاظ به هو حساسية القلوب وحيوية العاطفة والرغبة في الخير, ومن الحكمة أن نهتم بالمساكين ونتطلع إلى شئونهم وهمومهم لان ذلك يخفف من حدة البؤس والحرمان في حياة الضعفاء, فلو نظر كل منا إلى معجزات الله في الأرض من طلعة بهية أو زهرة ندية أو جناح رفاف أو روح نبية أو فعل جميل لفاضت السعادة عليه وتحول بذلك إلى نور يعانقه الصفاء والمودة والحب. محمد خليفة