منذ أربعينيات القرن الماضي كانت اذاعة الشرق الأدنى الناطقة بالعربية في حالة منافسة شديدة مع اذاعات القاهرة والمشرق العربي. كانت اذاعة بريطانية للسياسة والتمويل ولكنها كانت تضم رواد الفن الاذاعي العرب وقتها فيما كانت تحرص كل الحرص ، على أن تكون عند حسن ظن المستمعين تلبي رغباتهم وتسمع آراءهم وتركز بالذات على أن تقدم أحلى ما يريدون سماعه في برنامج (ما يطلبه المستمعون) . ولأنها كانت اذاعة بريطانية النشأة والهوى كان من الطبيعي أن تضعها أجهزة الأمن في القاهرة قيد المتابعة والرصد لما تقدمه من مواد, وذات مرة لاحظ موظفو المتابعة الداخلية في لاظوغلي أن طلبات المستمعين من مصر كانت تركز بشكل لافت للنظر على سماع أغنيتين على وجه الخصوص: ** الأولى بصوت ليلي مراد - ذلك الصوت الفضي الرائق بالغ العذوبة بعنوان (ياما أرق النسيم) وقد أنشدتها في فيلمها مع عبدالوهاب بعنوان (يحيا الحب) في آخر الثلاثينيات من كلمات الشاعر أحمد رامي وتتألق ليلى مراد حين تردد كوبليه بلازمة يقول: - الجو رايق وصافي والبحر موجه يوافي ** أما الأغنية الثانية فكانت من كلاسيكيات عبدالوهاب شخصيا وفيها يتألق صوت الفنان المقتدر بالترجيع والتطريب البديع ويقول: - في الجو غيم .. حجب القمر وهكذا كانت اذاعة الشرق الأدنى سعيدة في يوم بتقديم أغنية (الجو رايق وصاف) وفي اليوم التالي تقدم لمستمعيها المصاروة الأغنية الأخرى (في الجو غيم) .. وربما قيض الله لحضرات السميعة المغرمين ضابط مباحث أهل الشطارة والمفهومية.. أثار شكوكه تكرار التباديل والتوافيق في معاني الأغنيتين مابين الجو الذي هو رايق وصاف وبين الجو الذي هو غائم لدرجة أن احتجب وراء غيمته وجه القمر, هنالك عمد الضابط الهمام الى متابعة أسماء المستمعين وعناوينهم في مصر.. منساقا في ذلك وراء حاسته المباحثية السادسة وكان على حق تماما إذ انكشف الأمر حين توصل أهل الضبط والربط الى أن المسألة لم تكن اعجابه لا بصوت ليلى مراد ولا بموسيقى عبدالوهاب ولايحزنون وانما المسألة كان وراءها عصابة لتهريب وترويج المخدرات من خارج الحدود وكان معاونوها أو البصاصون العاملون لحسابها من عيون وجواسيس يرصدون حركة الشرطة ويبعثون برسالتهم عبر الأغنية فإذا كان الطريق سالكا والتهريب مأمونا فهي إذن أغنية الست ليلى عن الجو شديد الروقان وبالغ الصفاء وإن كانت عيون الأمن مفتوحة أو (مفنجلة) كما يقول المصريون, فلا أقل من اضاءة أنوار التحذير الحمراء أو دق ناقوس الخطر الذي يؤديه ولا غرو صوت عبدالوهاب منذرا المهربين أن في (الجو غيم) فالطريق مراقب والتهريب غير مأسوف. هكذا اشتبك الغناء بالجريمة وليس بالسياسة كما سبق وحكينا لك فيما سلف من أحاديث. مع ذلك.. ظل الغناء يلتحم بالسياسة ويحاربها في مراحل شتى.. أنظر مثلا الى الخديوي عباس الثاني وقد تسلم أريكة الحكم في بر مصر منذ عام 1892 وكان فتى متحمسا دفعه شبابه الى التحالف مع الحركة الوطنية ممثلة في الزعيم الشاب أيضا مصطفى كامل ضد سطوة الانجليز المحتلين.. ورغم أن عباس الثاني أو هو عباس حلمي مالبث أن ضعفت ارادته ووهنت عزيمته في أواخر العقد الأول من القرن العشرين, إلا أن المصريين ظلوا يعدونه - نكاية في الانجليز أيضا, رمزا للشرعية وعندما سافر الخديوي عباس كالعادة الى اسطنبول سنة 1914 لتقديم فروض الولاء والطاعة الى السلطان التركي - العثماني أو المتبوع الأعظم كما كانوا يسمونه, ما كان من الانجليز إلا أن منعوه من العودة الى عرشه في مصر التي لم تكتحل عينه برؤيتها حتى وفاته في أرذل العمر في عقد الأربعينيات على ما تعي الذاكرة, واعذرها - أرجوك إن جانبها الدقة أو بعضها في التواريخ فنحن نكتب بغير مراجعنا القابعة الآن حيث تقرئك السلام وتزجي التحية من ربوع القاهرة. المهم أن نشبت حرب 1914 العالمية الأولى وفرض الانجليز الحماية المهينة على أرض مصر.. ومنعوا حاكمها الشرعي عباسا من أن يعود الى عرشه وفرضوا الأحكام العرفية القاسية ويرزح تحت وطأتها الناس على نحو ما حكى العم الكبير نجيب محفوظ في الجزء الأول من ثلاثيته الجليلة (بين القصرين) . يومها لم يجد الناس متنفسا سوى في الغناء.. يومها سار الناس, الكبار والصغار يرددون نشيد مازال المخضرمون يحفظون مطلعه حتى اليوم وهو (الله حيّ .. عباس جيَّ) وكان القوم قد تسامعوا بحملة عسكرية حشدها الأتراك نحو سنة 1915 لغزو مصر وتخليصها من بطش الانجليز واعادتها الى حوذة السلطان العثماني, وإن هذا الجيش التركي العرمرم (تأمل ضخامة هذه الكلمة ودمدمة ايقاعها في لغتنا الشريفة) قد اقترب - باسم الله ما شاء الله - من حدود مصر الشمالية - الشرقية عند سيناء وأن الجيش المنتظر يضم ضباطا أكفاء من الألمان وضمن قيادته شخصيا عباس باشا حلمي الخديوي المخلوع الذي تؤكد الأغنية الشعبية أنه جيّ - أي عائد الى الوطن. والحاصل أن كان هناك حقا جيش وأن عباسا كان يعتزم أن يكون بين صفوفه.. ولكن الحقيقة أيضا أن الامبراطورية العثمانية ذاتها كانت تلفظ آخر أنفاسها وان قادتها الجدد من أركان تركيا الفتاة جمال باشا وأنور باشا وطلعت باشا.. كانوا في حال من الارتباك وقصر النظر - كيف لا وقد تولوا مقاليد امبراطورية وصلت الى أسوأ حالات التردي - وتلك أحوال درامية استطعنا لحسن حظنا التاريخي أن نعاينها ونتأملها بفضل الكتابات الضافية الدقيقة والممتعة التي خطها ببراعة أحمد شفيق باشا أكبر معاوني الخديوي عباس وقد أودعها 5 أجزاء من كتابه الحافل بعنوان (مذكراتي في نصف قرن) وكم أحسن القوم في مصر حين أعادوا نشر الكتاب بأجر زهيد لايتجاوز الجنيهات الخمسة للجزء الواحد - وتلك من الكرامات الباقية لدور القطاع العام في مجال الثقافة - من أيام العلامة الجليل الدكتور ثروت عكاشة أسعد الله أيامه على الدوام.