أحيانا يصل الانسان الى قناعة تامة بأن الموت بالنسبة له خير وسيلة يعالج بها نفسه من ضغط المشكلات اليومية أو الموسمية عليه وكل من حوله من أهله او من غيرهم, فيتخذ فجأة قرارا سريعا لانهاء كل ارتباطاته بالحياة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى للاستدامة الحيوية, وبفاعلية تضفي على ذات الحياة معنى مستقلا للرغبة في البقاء بدل قطع شريانه دون سابق انذار. الانتحار مشكلة تكاد تكون يومية اذا قلنا بان في العالم متابعة دقيقة لها ومع ذلك لم تصل الحلول المطروحة الى درجة القناعة التامة في التخلي عن مجرد التفكير المبدئي في التخلص من اعز منحة وعطية ربانية لهذا الكائن البشري. جدول الحوادث اليومية في هذه الحياة مليء بأخبار من يرفضون الاستمرار في هذه الحياة ويفضلون مغادرتها قبل ان تحط بهم الرحال على أرضها. بين يدي حادثة ضحيتها طبيب وظيفته الرئيسية الحفاظ قدر الإمكان على أرواح المقبلين على الانتحار ولكن تشاء مصادفات القدر ان يخوض ذات المعالج تجربة الانتحار بجدارة. لماذا يفشل الطبيب المداوي في علاج مرضٍ بلغ به الأمر أن وصل الى درجة الخبرة الدقيقة في البحث عن سبل الوقاية من الموت المحقق لكل من يقع تحت يديه من البشر بأصنافهم. لا نعرف السر المباشر لهذه الحالة المقلوبة من حيث التنفيذ العملي له ولكن يبدو من الوهلة الأولى أن ابتلاء الأصحاء بادواء المرضى صار ظاهرة جديرة بالاهتمام الانساني, حتى نتمكن من فك هذا النوع من الألغاز المتناقضة والمتضاربة في نتائجها الحسية. القصة تقول أقدم طبيب نفسي (33 عاما) على الانتحار باطلاق النار على نفسه داخل منزله, بسبب خلاف عائلي بينه وبين زوجته. والمفارقة هنا تكمن في أن المنتحر يعمل طبيبا نفسيا في مستشفى الفحيص للأمراض النفسية الذي يعتبر من اكبر المستشفيات الحكومية في الأردن ويتم فيه علاج الحالات النفسية المستعصية. وهذه ليست أول حالة ولن تكون الأخيرة, ولكن بلغ الاستعصاء لدى هذا الطبيب الذي قام بمعالجة الكثير من الحالات الصعبة بانقاذهم مما هو وقع فيه وكأنه لم يمارس هذه المهنة في حياته قط, فوقع في حفرة كان ينبه الآخرين من شر الوقوع فيها, الا أن الطبيب المداوي عجز من استجلاب الدواء لنفسه فخانه الدواء الذي تجرعه فأودى الانتحار بحياته التي نفعت الآخرين ولكنها لم تنفعه. د. عبدالله العوضي E-mail:DrAbdulla@albayan.co.ae