جبال وصخور نارية, منحدرات تتسلسل عتباتها الى اسفل مشكلة منظرا يانعا بالخضرة, ابراج وقصبات ترتفع فوق القمم واخرى في قعر الوادي, بيوت من طين واخرى سعف, طريق الفيل, ورحلة الشتاء والصيف, ذاكرة الحجيج وذاكرة تجار الاقمشة والحرير والبخور وذاكرة الحروب والولاة والسلاطين, كل ذلك سوف تحتضنه عسير ودروبها والذين مروا والذين استقروا.. هذا ما يمكن ان يجعل بصرك وذاكرتك والتاريخ الذي دونته القوافل في ذلك المسير الطويل على الصخور والجدران يتمازج في خليط عجيب يجعلك مشدودا الى معرفة اسرار القصبات التي ترتفع عاليا وتلك الخطوط الدائرة والمستقيمة التي صنعتها عوامل التعرية في جدران الطين, فيما انت تفكر مليا كيف يصنع المكان تاريخه وكيف يحوله موقعه بين الاماكن الاخرى الى نقطة توتر في فعل التاريخ واحداثه وانتاج متواليات العلاقة بين الانسان ومكانه.. انها عسير التاريخ المبعثر عبر الدروب التي اقتحمتها الاقدام ذهابا وايابا, وتلك الصخور الصامتة وذلك الطين الذي سيحفظ كل تلك السيرة. فرغم طغيان ملامح التحديث عليها مازالت دروبها ومسالكها وصخور جبالها وحجارة قلاعها وحصونها وقصباتها تختزن ذاكرة زخمة من الاحداث التاريخية, في رحلة الشتاء والصيف لتجار قريش سوف تعرف هذه المنطقة بفريقها المؤدي الى اسواق صنعاء وموانئ عمان واليمن, تنقل عبره القوافل الطيب والبخور والمنسوجات والجلود والاسلحة والمعادن النفيسة الواردة من الهند والصين وغيرهما من بلاد الشرق. حصونها وقصباتها التي مازال يستخدمها السكان الاصليون الى اليوم تقف شامخة حاضنة تلك الذاكرة من عمر التاريخ انها (عسير) التي ستعرف ايضا بطريقها المسمى درب الفيل نسبة الى الفيل المعروف في حملة ابرهة, القائد الاثيوبي الذي حمل على مكة المكرمة سنة 570 ميلادية والطريق نفسه سلكه المسافرون الحجاج اليها, كما عرف بطريق البخور. سميت عسير نسبة لرجل عدناني من سكانها القدماء يدعى (عسير) وهناك من يرجح ان هذه المنطقة كانت تسمى (جرش) لكن غلب عليها اسم عسير نظرا لمسالكها العسيرة ذات الصخور الجبلية والقمم الشاهقة والاودية العميقة, وسميت كذلك بلاد السراة. لموقعها المهم على الطريق اكتسبت قبائل عسير نفوذها وقوتها واستطاعوا في ايام الجاهلية ان يفرضوا الاتاوات على قبائل قريش المسافرة من مكة المكرمة الى اليمن. لقد كان موقعها في الجزء الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية اثرا بالغا جعلها تحتفظ بتلك القصص التاريخية. حينما شع نور الاسلام في شبه الجزيرة العربية قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبدالله الازدي في السنة العاشرة من الهجرة, يرأس وفدا من قومه لإعلان اسلامهم, وعند ذلك أمّره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من اسلم من قومه وامره بالدعوة للاسلام, فخرج صرد قاصدا حاضرة عسير فحاصرها لكن قلاعها وحصونها وقفت حائلا ضد حملته فتراجع عنها وعندما خرج اهل عسير في طلبه فاذا به يكر عليهم ويقاتلهم ويهزمهم فانتهت تلك المواجهة باتفاق على دفع الجزية وتولى صرد الازدي امر عسير, ثم توالت الخلافات عليها والتي حملت في تاريخها العديد من الاحداث. تزين عسير وجبالها الكثير من المباني الطينية والصخرية العالية وهي عبارة عن الحصون والقصبات واغلب مداخلها مصممة بطريقة تجعل من الصعب اقتحامها لانها كانت ذات مهمتين هما السكن والمراقبة والدفاع, فيما استخدمت بعض القصبات في حفظ الحبوب وعلف الحيوانات, ويتميز الحصن في عسير بأن له قاعدة مربعة او مستطيلة وهو اكبر مساحة وحجما من القصبة ويقيم اصحابه فيه, اما القصبة فغالبا ما تبنى على المرتفعات وتكون لها قاعدة دائرية, لكن القصبة لا تتسع الا لعدد قليل من الرجال يرابطون فيها فترة قصيرة للمراقبة والدفاع, وكان لأهل عسير مثل سكان بلاد ما بين النهرين ويعمدون احيانا الى اشعال النار واطلاق الدخان ايذانا بالخطر. ويملك الحصن او القصبة شخص او أسرة وقد يكون ملكا لأهل القرية وفي هذه الحالة تستعمل كل جماعة طابقا من البناء, ومازالت هذه الحصون والقصبات تعكس على مر العصور تاريخ عسير وبطولات اهلها. صخور جبال عسير ووديانها ومبانيها الاثرية تحمل الكثير من النقوش ورموز الكتابة العربية وغير العربية الى جانب تلك الرسوم المعبرة عن ممارسات الانسان الذي سكن عسير عبر الحقب الزمنية التي مرت بها ولهذا يمكن ملاحظة رسم لرجل يمسك رمحا او سيفا, او آخر يركب بعيرا او يجره, الى جانب رسومات تصور الثروة الحيوانية كالابقار والطيور والحمام والماعز وتلك التي انقرضت كالغزلان والاسود والنمور.. كما تحتفظ صخور عسير بالكثير من الكتابات بحروف حميرية وسبأية مما يدل على ان السكان اللاحقين ساروا بدروب عسير وتوقفوا ليسجلوا ملاحظاتهم وذكرياتهم على صخور الوديان والجبال. وقرب قرية صمخ التابعة لبلدة بيشة تصطدم عين المشاهد بتلك الكتب العربية المحفورة في الصخر او المنقوشة على الجدران الطينية بالخط الكوفي غير المنقوط ويقول المؤرخون انها ربما تعود الى نهاية العصر الاموي وبداية العصر العباسي. ولان دروب عسير مؤدية الى مكة المكرمة قبلة المسلمين والحجاج فان رحلات الحج عبر تلك الدروب شهدت حالات وفاة حجيج في طريقهم الى مكة, واضطرت القوافل العابرة لدفن موتاها هناك, لهذا تكثر في عسير القبور التي نقشت على حجارتها اسماء الحجاج المتوفين.. لقد شاء موقع عسير لها ان تكون بجبالها ووديانها وصخورها مكانا لذاكرة الذين مروا بها ذهاباً واياباً. مرعي الحليان