فيما يتذبذب مستقبل صناعة التعدين في الغرب بين تحقيق النجاح والثروة والفشل المتمثل في الازمات الاقتصادية فان ما تفرضه قوانين الوعي البيئي الان صار يلزم بعدم تكرار المآسي التي حدثت في الماضي.(مالاكوفر) وغيرها هي بعض من مواقع التنقيب، عن المعادن الباقية في صحراء نيفادا الامريكية. ورغم عظمة الانجازات الاقتصادية التي حققتها المشروعات في الماضي الا ان كل ما يمكن ان تلتقي به عيون الانسان اليوم هو الحلم القديم الذي تحطم ولم يبق منه سوى الوادي الضيق ووادي الموت الذي شاركت في تشكيله ايدي البشر وتحول على مر الزمن الى مجرد قمم مثيرة للاشمئزاز باسطح ذات ألوان صفراء شاحبة معرقة بالأحمر تحيط بها غابات من الاراضي السوداء في واحدة من أهم مناطق كاليفورنيا. وقبل قرن من الان تمكن عمال المناجم من حفر ممرات مائية كانت تنسل بسهولة عبر الصحراء. ومن نهاية تلك القنوات كان ينبعث شيء شبيه بعوامل الموت. كانت الخلاطات التي تفصل المعادن تصل الى الوادي لتغطي ما تراكم قبلها من طبقات الطين في أودية الموت. ومع ان مثل هذه الممارسات تعتبر من الاشياء غير المشروعة اليوم الا ان المالاكوف مازال مصدراً للتلوث البيئي كما يؤكد العديد من أنصار الحفاظ على البيئة. ولعل اهم ما ترمز الى وجوده مثل هذه الحكايات القديمة ذات المشاهد الحقيقية التي تدخل الانسان في صنعها هو مدى ما وصل اليه حلم الافتتان بالمناجم الذي استحوذ على الغرب ذات يوم وتحول الى حلم مجنون بالثروة لم يسيطر عليه حتى القانون. في سنة 1872 اعلنت الحكومة الامريكية ان كل الاراضي المملوكة لها هي اراض صالحة للتنقيب عن المعادن ليشمل ذلك كل شيء من الذهب الى الصخور الصلبة. ورغم ان تاريخ صناعة التعدين يبدأ في الحقيقة بهذا القانون الملازم لخلق حالة التطور والانتعاش الاقتصادي في الغرب, ورغم كل ما تشير اليه الاحصائيات الصادرة عن المؤسسات الاقتصادية, الا ان جزءاً من هذا القانون هو مما يطلق عليه في الواقع الكارثة البيئية. يقول جون دوبرا الخبير الاقتصادي بجامعة نيفادا ان معدل ما ساهمت فيه الثروة المعدنية في الاقتصاد المحلي لسنة 1998 يقدر بـ 7.7 مليار دولار من الذهب والفضة وهو ما أدى الى توفير 84.000 وظيفة ساعدت في انعاش المئات من التجمعات البشرية المتفرقة على امتداد الاراضي الممتدة من الاسكا الى صحراء نيفادا وساهمت في ارتفاع معدلات الدخل الفردي, فيما يرى اخرون ان هذا القانون لم يساهم الا في الاضرار بظروف الحياة الانسانية والبيئة, لاسيما تلك الاضرار الاقتصادية المترتبة على ارتفاع معدلات الضرائب الممنوحة للحكومة والتي لا ينص عليها قانون 1872 في الأساس. قانون 1872 اما كيف ساهمت القوانين العامة التي تنظم مهنة التعدين ومنها قانون سنة 1872 في بناء المجتمعات الانسانية المتقدمة في الغرب, فان احدا لا يمكنه ان يغفل احداثا مثل الحدث الهام الذي اعقب اكتشاف الذهب في منطقة كاليفورنيا في سنة 1848 السنوات التي شهدت هجرة مئات الآلاف لمواطنهم الاصلية وتدفقهم عبر حدود هذه الولاية باتجاه المناطق الداخلية. ومثلما شيدت مدن كبرى في كاليفورنيا بجهود ابنائها قامت كذلك مدن لا تقل عنها اهمية مثل سان فرانسيسكو وشيكاغو ونيويورك ولندن بامدادها برأس المال اللازم لعملية التطوير والبناء. ومع المال سمعت قعقعة المصانع ودوي السكك الحديدية والروائح المنتنة النافذة من مصاهر المعادن وتقاطرت جيوش العمال الى هناك من كل مكان في العالم. وتحولت المعسكرات القفر البدائية الى مدن صناعية تعج بالدخان وبالمخلفات السامة. وحتى سنة 1866 لم تعد تلك القوانين البسيطة قادرة على مصادرة حق الزحف الحضاري الاكثر شراسة الذي تسببت في قيامه جهود عمال المناجم المهرة والاكثر قدرة على تحقيق حلم الثراء الامريكي الاكثر تحد. وفيما كانت الادعاءات والاحتجاجات السلمية والمظاهرات الدامية تجتاح مدن الثروة غير المحددة الطموح فان شيئا مثل هذه الفوضى التي كان يفتعلها الناس العاديون لم يتوقف بسهولة حتى اللحظة التي اعيد فيها تطبيق قانون سنة 1872 والذي تشتمل فقدانه ايضا. ما يدعو الى عدم المساس بكل المصلحة الانسانية. واذا كانت المصلحة الانسانية هي ما يهم البشر من قبيل اولئك المدافعين عن حقوق الانسان والبيئة فان مثل هذه العبارة لا تشير الا الى شيء واحد هو ان حلم الثراء مازال يراود عمال مهنة الثراء الغابرة. ومما يقوله بعضهم وهم من ذوي الاراء العصرية ان قانون التنقيب عن المعادن في هذه المناطق الذي يعود تاريخه الى سنة 1872 والذي نجح قديما في تغذية الحلم الامريكي المتمثل في السماح لأي كان بالبحث عما يحقق الثراء في أي مكان لم يعد كذلك اليوم. فهذه الاصطلاحات الكثيرة التي ادخلت عليه لم تنجح في الواقع الا في تجريدنا من حقوقنا. حقوقنا جميعاً انا وأنت وأبناؤنا في وضع اليد على ما نشاء من أجل تحقيق هذا الحلم بالثروة. وقديما كانت صورة هذا الرجل لا تتعدى صورة عامل المناجم أو المنقب الذي يمتلك حرية التصرف في أي مساحة من الاراضي القصية الواقعة على مشارف المدينة وكانت صورة ادواته اليدوية البسيطة وهي تخترق الصخور المشهد الذي طواه التاريخ في صفحاته ولا يمكن لاحد ان يعده جزءاً من الواقع الذي تعيشه المجتمعات الصناعية الغربية يومنا هذا. واذا كانت صور اولئك الرجال والنساء وقرى المناجم الكثيرة المتناثرة على اطراف المدن الكبرى قد تحولت الى تجارب مدفونة في ذاكرة بعض من اولئك الذين عايشوا التجربة, اي منذ الثلاثينيات مثلا, فان جواب احدهم على السؤال عن توقعاته بالمستقبل كفيل بأن يوفر الاجابة يقول بعض المتقاعدين القدامى ومنهم جاك ماردوك انها مهنة لا تجلب الحظ السعيد في زمن يبعث على الشعور بالكآبة كنت تنطلق بشكل فردي وتحمل ادواتك البسيطة وتستمر في طرق الصخور حتى يتراءى لك ذلك الثقب الذي تغرس فيه اصبع الديناميت. ومع ان قلة من الرجال تمكنوا من تحقيق الحلم الا أننا لم نتمكن من ذلك. كما ان هذا لا يحدث الان مطلقا. وقد فاتتنا فرصة تحقيق الحلم الذي ذهب برمته الى شركات التنقيب الكبرى. نفايات المناجم وفي الاقسام التي تشرف عليها الادارة الخاصة بمراقبة الحياة البرية والثروة السمكية تتوالى البلاغات عن موت الكثير من انواع الطيور. وكما يقال فان ما يقع اليوم من حالات النفوق الجماعي لهذه الكائنات الحية هو الاكبر من نوعه منذ الخسمينيات وهو جزء من الثمن الذي كانت تسدوه الى وقت قريب جميع الكائنات الحية بما فيها الاسماك والطيور التي تتسمم بفعل نفايات المناجم التي تحملها مياه الانهار, قبل وقت قصير من توقف العمل فيها. ومن هذه القاعدة التي تفترض اليوم الفشل التام في الوفاء بالمتطلبات البيئية فان استمرار العمل في المناجم لاتزال مهنة محفوفة بالمخاطر ولا عزاء بعد ذلك في ان تظل ملاحقة بالاحتجاج. والمناداة بالمزيد من الاصلاح كالمطالبة بالكفّ عن أعمال التنقيب في اماكن مثل التجمعات البشرية الحساسة. وتحديد المواصفات والمقاييس البيئية اللازمة لحماية الحياة البيئية من أضرار مخلفات هذه المناجم والبدء بتنفيذ البرامج الكفيلة بالعمل على حماية مصادر الحياة في تلك المناطق. ومع ذلك فان ما يقوله البعض ومنهم مايك ميلر لمواجهة هذه الاقتراحات هو انه ربما تعذر على الحكومات الغربية البدء بمثل هذه المشروعات التي تحظر ممارسة مهنة استخراج المعادن من أي مكان, ان مهنة التنقيب عن المعادن تفرض علينا ممارستها حيث وضع الله هذه الثروات ووزعها في الاماكن المخصصة لها على وجه الارض وعندها لا يمكن منع اي مخلوق من الوصول الى هذه الاماكن. وهذا ما يؤيده المدافعون عن الانجاز الصناعي الضخم. وأقل ما يقوله هؤلاء هو ان عامل المناجم السابق قد ذهب الى غير رجعة ليحل محله الانسان الاكثر وعيا بمتطلبات الحياة البيئية. كما يمكن لاحدنا ان يتصور الان هذه المناجم العصرية, التلال الحقيقية المكسوة بالاعشاب وعلى بعد قليل منها تقع البحيرات النظيفة التي تسرح فيها قطعان الحيوانات الاليفة كالغزلان وما يسير يسر الناظرين من أجل تحقيق المعادلة الصعبة بين الثراء أو التوقف.
