في العام 1938 سوف يقدم حمد الرجيب مسرحية (اسلام عمر) وسيقوم باداء دورين, دور امرأة اسمها فاطمة ودور سراقة, وسيكون الرجيب بذلك اول هاو للمسرح في الكويت بعدها سيتولى الرجيب الاشراف على عدد من المسرحيات المدرسية توزعت ادواره فيها بين الاخراج والتمثيل، وصناعة الماكياج والديكور. وفي العام 1948 سوف يبتعث الرجيب الى القاهرة لدراسة فنون المسرح, ولكنه قبل ذلك الرحيل كان قد ترك في الكويت بذرة مسرحية هي التي ستفجر طاقة التمثيل العربي الارتجالي لتمضي بعد ذلك مسيرة المسرح الكويتي التي تشكلت خصوصيته من تلك الكوميديات الاجتماعية الانتقادية, وكانت الانطلاقة الاولى حينما استدعى محمد الرجيب الفنان محمد النشمي للمشاركة ضمن فريق مدرسة الاحمدية التمثيلي في العام 1940 ليقدما مجموعة من الاعمال المسرحية الارتجالية والتي ستغرز طاقة النشمي وقدرته على تقديم هزليات تجذب النظارة وترسخ فعل التواصل المسرحي بين الممثلين الجدد والجمهور الذي بدأ يعي اهمية تلك الهزليات, التي كانت تقوم على التأليف الارتجالي. ويشير د. ابراهيم غلوم في فصل الاستجابة التلقائية للتغير من الارتجال الى الانقسام ضمن كتابة المسرح والتغير الاجتماعي في الخليج العربي: ان محمد النشمي يعد رائد المهزلة الشعبية المرتجلة ومؤسسها في الكويت والخليج العربي, ليس لانه اقدم من ارتجل التمثيل العابث, بل لانه في تقديرنا اول من خرج بهذه الظاهرة من فصول المسرحية التاريخية وجعلها تتميز بوجود مستقل وتتألف من خلالها اهداف واضحة لم تكن تقتصر على مجرد التسلية العابرة كما كان في السابق بل حرر الارتجال المسرحي مما علق به من افكار عوقت تطوره فترة من الزمن, ولم تكن فكرة الارتجال عن الشكل السائد للكوميديات الشعبية المرتجلة التي عرفها رواد المسرح العربي, وهي ان العرض المسرحي لا يعتمد على النص المكتوب, وانما يعتمد على اتفاق مسبق بين الممثلين حول العرض وحول فكرة القصة التي يراد تمثيلها. التغيرات الاجتماعية تأثر النشمي بالتغيرات الاجتماعية التي احاطت به وكأي فرد في المجتمع كانت له وجهة نظر عكستها طاقته المسرحية امام النظارة ولكن النشمي ايضا تحرك نحو المعرفة لاشباع رغبته من الاستزادة من فنون هذا العالم المسرحي ورغم ارتجالياته الفطرية الا انه يقول في مذكراته بعد سفر زميله حمد الرجيب الى القاهرة: حاولت ان اسد الفراغ, الا انني توجهت انا الاخر الى القاهرة لحضور (كورس) في الكشافة والاشبال والجوالة وبعد مرور ثلاثة شهور اخذت اتردد على مسرح نجيب الريحاني واختمرت الفكرة في ذهني بان اكون فرقة شعبية في الكويت عدت بعدها الى الكويت وظللت ثلاث سنوات ابحث عن الاشخاص الذين باستطاعتهم تكوين هذه الفرقة. ويشير د. ابراهيم غلوم ان محمد النشمي وجد بعد ذلك من يعتمد عليهم في تكوين فرقته من بين الهواة في فرقة الكشافة المدرسية, وما ان حل العام 1955 حتى باشر النشمي في عرض اولى مسرحياته المعتمدة على اسلوب الارتجال الجماعي وهي باسم (مدير فاشل) . لقد عرض النشمي حوالي ثماني عشرة مسرحية انتزع جميع موضوعاتها وافكارها مع رفاقة من الممثلين من المشاكل الظاهرة, او المصاحبة لعملية التغير الاجتماعي, فقد كان التغير وراء الكثير من مظاهر القلق للطبقة التي ينتمي اليها النشمي, لانه ما ان بدأت ردود فعل التغير تعكس ملامحها حتى اسفرت عن مشاكل جمة واصبحت هذه المشاكل عقبة في سبيل التطور, لقد سخر النشمي كثيرا واضحك الناس على همومهم وسلوكهم في ملاحقة ذاك التغير واندغامهم فيه, تناول النشمي الزواج وتمسك الاسر ببعض التقاليد وجمودها في محيط التغير وعدم قابليتها وتأهلها له فينتقد الزار والنذور, كما يسخر من التخبط الاداري وغياب القوانين المنصفة... ويشير د. ابراهيم غلوم الى ان النشمي ورفاقه تعرضوا لمضايقات نفسية كثيرة لكنهم حصلوا في مقابل ذلك على رضاء جماهيري واسع تمثل في مشاركة الجمهور المسرحي ثم يذهب النشمي ورفاقه بعيداً وفي محاولة استشرافية حينما يقدم في العام 1957 مسرحية شعبية اكثر تشاؤما عنوانها (قرعة وصلبوخ في باريس) استمد جوها الهزلي المتشائم من فكرة ان المجتمع لم يحسن استغلال الثروة الاقتصادية بعد ظهور النفط, فبدلاً من ان نكون عاملا في تغيير احواله الاجتماعية والقضاء على تناقضاته وتخلفه اصبحت عاملا في انحلاله وتعميق تناقضاته. وكأن النشمي يقرأ لنا ملامح الحاضر في القرن الواحد والعشرين... لقد اوقفت مسرحية النشمي تلك بعد ليلة واحدة من عرضها. ظاهرة فريدة لقد شكل محمد النشمي ورفاقه ظاهرة فريدة في بدايات مسيرة الحركة المسرحية الكويتية وبالاخص في ظاهرة المسرح المرتجل الذي خلف بعد ذلك الطابع المحلي لفن كتابة المهزلة بحيث جعلت منه سبيكة يعاد تشكيلها فيما بعد سواء في لهجة الحوار العامي او في البيئة الطبيعية لمصادر الضحك بما فيها من عادات وافكار حتى اصبحت اللهجة العامية منذ المسرح المرتجل اساس التلقي. واكب نجم الارتجال الكوميدي محمد النشمي مجموعة من المسرحيين الكويتيين وجاء من بعده مجموعة اخرى ولكن شكل المهزلة الاجتماعية التي صاغ ملامحها النشمي تغلغلت الى نسيج الحركة فوق خشبة المسرح الكويتي, ليأتي من بعده رعيل اخر سوف يأخذوا المسرح الكويتي الى تخوم مشابهة في تناوله للمتغيرات الاجتماعية وليتجذر صوت المسرح الكويتي عميقا في صوت المجتمع فيتحول الى صوته ومرآته التي تحوي تناقضاته وتجليات ابداع الخطاب الهزلي المستفز والقادر على التغيير.. ان ما يميز المسرح الكويتي وما كان يميزه في الاربعينيات الى منتصف الثمانينيات هو ذلك النهج الذي سار عليه النشمي ورفاقه حينما حولوا المسرح وهزلياته الى صوت وضمير المجتمع يرتفع الاول حينما ينبض الاخر بالحياة.. تجربة النشمي ورفاقه في المسرح الارتجالي كانت ستنطلق الى افاق عالميتها لو ان ذلك الخط استمر او تم تبنيه فيما بعد, الا ان دخول الطرق المسرحية في تكويناتها الرسمية ووجوب وجود نص يمثل الارضية الثابتة لانطلاق الهزليات الاجتماعية اثر كثيرا على استمرار حالة التداعي الابداعي لدى رفاق النشمي وبدا ذلك جليا حينما مثل هو ورفاقه النص المكتوب.. ان تجربة النشمي وان اخذت حقها في التسجيل والارشفة الا ان فعلها وطريقة ادائها جديرة بالبحث والدراسة الجلية..