من الثقافي والسياسي وثقت خالدة السعيد للمسرح اللبناني (1960 ـ 1978), ودونت للتجارب المسرحية ولم تغفل عن قراءة ابعاد هذه التجارب. لم تصنف خالدة كتابها بالموسوعي فهو لا يشمل كل التفصيلات, بل يقدم اضاءة متماسكة لركائز تلك الحقبة الواقعة بين 1960 و 1978. وكان منطلقها هو ان هذه الحركة المسرحية في هذه المرحلة غير موصوفة او مدونة, لذلك ارادت ان تبني مرجعا او نواة اساسية لمرجع حول المسرح اللبناني, ووضعت الكتاب مستندة الى ثلاثة مراجع: (اللقاءات مع المسرحيين, حكاياتهم الاولى مع المسرح, الصحف المسرحية) . ارادت بذلك خالدة السعيد ان تدون للحركة المسرحية اللبنانية معتمدة على اللقاءات مع المسرحيين, وعلى ارشيف لجنة مهرجانات بعلبك, الذي احتفظ بكل ما يرتبط بأعمال المهرجانات المسرحية. واتسمت هذه اللقاءات بطابعها الحي والحيوي, الذي انبعثت منه روائح الصدق والانفعال والرغبة المشدودة نحوالمسرح, وكشفت رغبة تفجير الابداعات التي تختزن في دواخل هؤلاء المسرحيين مؤسسي الحركة المسرحية اللبنانية في التمهيد وتمايز خالدة بين مسرح عصر النهضة ومسرح الستينيات, من خلال حركتين: الحركة الاولى حملت عنوان: النهضة. والحركة الثانية جاء عنوانها: البحث والتجديد (الحداثة). الحركة الاولى قاربت من المسرح النهضوي والحداثوي واعتبرت ان شخصية المسرحي النهضوي هي شخصية المصلح, والمسرحي الحديث هو المثقف, بمعنى المتفكر الحر, المسئول والمسيس (هل يعني ذلك ان المثقف النهضوي لم يكن مفكرا حرا في تدعيم اسس المسرح العربي اللبناني؟) وتعتبر ان المسرح النهضوي نشأ في نطاق رجال الاصلاح ودعاة التقدم, لذلك بنيت الاعمال النهضوية على احداث او على شخصيات تاريخية. ملامح الحداثة الحركة الثانية حملتها اسم الحداثة وحصرت نشأتها في نطاق الفئة المثقفة, وتعتبر خالدة ان هذه الحركة المسرحية, ما ان تجاوزت مرحلة البناء وامتلاك القدرات التقنية حتى انطلقت راسمة ملامح الحداثة. ورأت انه في الستينيات طرأ تحول وتغير على شخصيات بعض المسرحيات الحديثة, فتحولت من رموز دينية الى رموز ثورية واشتراكية (الحسين والحلاج كمثلين). ربطت السعيد بين نشأة الحركة المسرحية اللبنانية في الستينيات وبين معطيات شكلت منطلقا داعما لهذه النشأة وتنوعت هذه المعطيات بين: انتشار المعارض وانتعاش الحركة الفنية التشكيلية في لبنان 1957, تأسيس مجلة شعر والتي استقطبت بدايات الحداثة الشعرية العربية ودفعت بها بعيدا وخاضت سجالات حادة مع التقليد, انطلاقة الفنون الموسيقية في نطاق الكونسرفاتوار, هذه الحركة الموسيقية وطموحاتها ومساعي افرادها ونشاطهم كانت من بين الحوافز التي ادت الى تأسيس مهرجانات بعلبك الدولية عام 1956, نهوض الصحافة اللبنانية في لبنان, ازدياد عدد الصحف الكبرى التي صارت تفرد حيزا مهما للثقافة, التي استقطبت الشعراء والمسرحيين والكتاب والفنانين, حركة التبادل والتداخل التي تمت بين عناصر الثقافة. وتتمتع الحياة الثقافية في لبنان حتى اوائل التسعينيات بهامش واسع من الحرية, في ظل ديمقراطية نسبية, لأعلى مستوى التمثيل البرلماني وقواعد التمثيل ومعايير الاقتراع, بل على مستوى حرية التعبير وحرية الاعتراض والتظاهر وحرية الاتجاه, واحترام التنوع والتعدد الطائفي والاثني, تميز الهامش الثقافي بالتعدد والتنوع, نشاط المسرح بأربع لغات ولكل لغة روافدها, التجارب المسرحية في لبنان نبعت من الحاجات المحلية وتحركت داخل الشروط والخلفيات الثقافية المحلية, الطموح المسرحي لصياغة تصورات جديدة, واعادة ترتيب القيم والعلاقات, سار جنبا الى جنب مع اعادة النظر في المنطلقات والتقنيات ونوعية المتلقي, مجيء التلفزيون الى لبنان عام 1958. لغة الاسئلة الكبرى هذه هي المعطيات التي ساهمت في نشأة الحركة المسرحية في لبنان. لقد اقتنصت خالدة السعيد بعض وهجها, وحاولت ان تخزن في كتابها الفوران الثقافي الهائل, حيث بات الفن المسرحي ميدانا للمعاني الاساسية التي شغلت الناس, وباتت لغة القضايا والاسئلة الكبرى التي طرحت. في هذا الميدان, تلاقي الحدث اليومي في الستينيات مع النظرية الفنية والسياسية, في هذا الميدان كانت التيارات المتعارضة تتجابه احيانا وتتلاقى حينا, تتصارع وتتفاعل, وكان الجمهور ينمو وتتطور علاقته بالثقافي والفني. وهكذا ربطت خالدة السعيد نشأة الحركة المسرحية اللبنانية, في لبنان, بعناصر ثقافية وسياسية مهمة, تقوم بمحاولة تأريخ لظهور المسرح اللبناني ـ العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر, وتعرض لمسرح المدارس الذي انتشر بكثافة في لبنان عام 1975, وربما قبل هذه المدة ثم تنتقل الى بعض المبادرات الفردية الجادة في مرحلة الثلاثينيات, مع تأسيس جمعية ترقية التمثيل الادبي, كما قال محمد شامل وكانت هذه الفرقة تشاهد عروض الفرق المسرحية المصرية التي تأتي لتزور لبنان وتعرض على خشبة مسرح الكريستال. وقامت خالدة بقراءة وتوصيف واقع مسرح النهضة وبدايات مسرح القرن العشرين في لبنان, بحيث اعتبرته مسرحا ادبيا يعتمد على نصوص خاضعة لمعايير الكتابة الادبية وموروثها الغنائي والبلاغي والخطابي, اكثر منه لمقتضيات الحركة الدرامية, ولكن مع حلول الاربعينيات ونهاية الحرب العالمية الثانية, كان تيار الاحياء التاريخي قد استنفد, واخذ بالانحسار, وكانت هزائم مطلع القرن قد دفعت الناس الى التأمل في الواقع, معتمدة منهجا واحدا في وصفها وتوثيقها وقراءتها لمختلف المراحل, ففي مرحلة عصر النهضة يكشف هذا المنهج عن مستويات العرض في سياقها التأريخي والوصفي كالتالي: المستوى المشهدي: كان المسرح النهضوي قد تبنى شكل الخشبة الايطالية, ومستوى التمثيل: فقد تراوحت الاساليب والنظرات بين حدي الغلو والمبالغة من جهة, والامانة للواقع من جهة ثانية, مستوى مؤسسات الاعداد: حيث نهض المسرح اللبناني, في هذه المرحلة , على مبادرات الافراد وجهودهم بشكل كامل. ويمكن القول ان الاعداد قد اتبع المسار الحرفي الشعبي المألوف. لكن المعهد الوحيد الذي قام في لبنان, كان معهد الزهراء لتعليم التمثيل. وفي مرحلة الستينيات تقسم المؤلفة كتابها الى ثلاثة مستويات هي: التأسيس, الانطلاق والبحث, آفاق البحث المسرحي. التأسيس تعزو السعيد هذه المرحلة وتربطها بتأسيس مهرجانات بعلبك الدولية عام 1956, وقد نهض بهذه المهرجانات وتقاسم مسئولياتها مجموعة من النساء المثقفات العارفات بالفن. ويؤازرهن ويدعم مشروعهن مجموعة من رجال الاعمال ورجال الثقافة والسياسة. وانبثقت منها لجنة المسرح العربي (من اعضائها: سلوى السعيد وسعاد نجار وفؤاد صروف) تعاونت مع منير ابو دبس في تشكيل معهد التمثيل الحديث الذي اعتبر الحجر الاساس للمشروع الذي تطلع اليه اعضاء لجنة المسرح العربي. وبدأت انطلاقة الحركة المسرحية في لبنان تدعم اسسها, تبحث عن منصتها, وعن نصها, وعن ممثلها, لتتفق ضمنا مع جمهور يفقه اللغة المسرحية آنذاك (بحركتها, وبصرياتها, وجمالياتها). ويتم الكشف عن اعمال المسرح الحديث الناتج من معهد التمثيل الحديث, من خلال مصدر واحد ومراجع اعتمدتها خالدة لتوثق بواسطتها للمسرح اللبناني في الستينيات. المصدر: كان عبارة عن لقاءات اجرتها مع معظم المخرجين والممثلين, والكتاب, في هذه المرحلة, بحيث استشفت من خلال السيرة الذاتية التي يرويها المسرحي ملامح المسرح والعوامل الثقافية والاجتماعية التي ساهمت في تكوين هذه الشخصيات المسرحية. اما المرجع: فكان العودة للصحافة, واختارت منها المقالات النقدية التي تناولت المسرح في هذه المرحلة, وهنا لابد من الاشادة بدور مهرجانات بعلبك عندما حفظت ارشيفها الخاص, وانقذته من نيران الحرب اللبنانية التي اتت على اغلب مواد الثقافة في لبنان ومظاهرها. فسهلت مهمة توثيق مسرح هذه المرحلة والقت بعض الجانب التحليلي عليها برؤيته الموضوعية. طالت الدراسة معظم العاملين في المسرح, وذكرت القسم الكبير من اعمالهم, وتطرقت الى تفاصيل يمكن من خلالها ان نكشف عن جدية الحالة المسرحية في لبنان, وجدية واضعي اسس الحركة المسرحية التي نتجت من تفاعل عوامل كثيرة اختص بها لبنان دون سواه من البلاد العربية في تلك المرحلة. الانطلاق والبحث تفاعل المسرح اللبناني مع المسرح الغربي, واغتنت الخشبة المسرحية بممثلين, منهم من جاء من التخصص (نضال الاشقر, روجيه عساف في الخارج), ومنهم من تخرج من معهد التمثيل الحديث الذي اسسه منير ابو دبس في لبنان (ريمون جباره, الياس الياس, رضى خوري, انطوان كرباج). كما بدأ النص المسرحي اللبناني يتشكل تأليفا بعدما استغرق عمقا في الاقتباس والترجمة والاعداد (ظهر من الكتاب جورج شحادة, وعصام محفوظ, وكتب المخرجون نصوصهم: شكيب خوري, ريمون جباره, جلال خوري). وجالت العملية المسرحية في سياق ابداعي وذلك بظهور مخرجين اطلقوا المسرح اللبناني من خلال سبل اخراجية مميزة (جلال خوري, ريمون جباره, يعقوب الشدراوي, انطوان ولطيفة ملتقى, شكيب خوري). آفاق البحث المسرحي لم تتوان خالدة السعيد في صفحاتها البالغة سبعمئة وست عشرة صفحة عن الاحاطة بكل ما يكشف عن دينامية الحركة المسرحية في لنبان, فلجأت الى الصحف, والدوريات, والمسرحيين انفسهم, وتناولت هذه المرحلة برؤية موضوعية وعلمية, تتيح للباحث والمثقف باعتماد هذا الكتاب مرجعا اكاديميا. ولم تتوان ايضا خالدة عن الكشف عن دور لجنة المسرح العربي المنبثقة من لجنة مهرجانات بعلبك التي احتضنت المسرح, ودعمت المسرحيين, اعلاميا وماديا دون ان تتدخل برؤيتهم الفنية والفكرية. بعد قراءة هذا الكتاب نكتشف ان الحركة المسرحية في لبنان, في مرحلة الستينيات تحديدا, كانت تترافق مع انتعاش الحركة المسرحية في مصر, وفي سوريا, وفي تونس, وفي المغرب, والكويت. الامرالذي يشير الى ان المسرح العربي تمكن من بلوغ حالة التأسيس, والانطلاق والبحث في سياق ابداعي متفاعل مع الابداعات المسرحية العالمية. لاسيما ان المسرحيين العرب وخاصة المصريين قد بدأوا يتخرجون متخصصين في المسرح, اخراجا وتمثيلا من معاهد مسرحية غربية (ايطالية, وروسية, والمانية), مما افسح بالمجال امام الانفتاح على التيارات والمدارس الغربية, نصا, وتمثيلا, واخراجا. حيث نكتشف ان المسرح بدأ ينتقل من مرحلة المحاكاة الى التفاعل فالتغير, اذ صار يأخذ من المسرح الغربي, في بعض الاحيان, ما يتلاءم مع رؤيته الفكرية, وما ينسجم مع دوره الثقافي, لأنه عندما عرف بريشت والعبث واللامعقول وقبلها الواقعية, فقد كانت الاجواء الثقافية والفكرية تمهد لانتشار التيارات المسرحية الحديثة والحداثية. فتعدت المسرح حالة الاستنساخ الببغائي لتبلغ حد التفاعل ومن ثم الابداع المسرحي الذي يشي بخصوصية عربية لبنانية. كما صار المسرح العربي ولاسيما اللبناني وفي الوقت نفسه يبحث عن لغته الخاصة التي تمكنه من خلق علاقة تتفاعل مع الجمهور, وتشكل محاور للنقاش والبحث, عبر الندوات والمؤتمرات والصحف التي عقدت وظهرت في مرحلة الستينيات, هذه المرحلة الغنية, التي ساهمت بكل معطياتها بتأسيس وانطلاق حركة مسرحية لبنانية مبدعة, التي تمكنت الباحثة خالدة السعيد من تدوينها وتوثيقها بدقة لا متناهية في الكتاب, من الضروري ان يشكل منطلقا للأبحاث العلمية التاريخية وللدراسات التحليلية في المسرح التي تتابع سيرورة المسرح اللبناني. المؤلفة تقصت في كتاب (الحركة المسرحية) لحظات حية وخلاقة في تاريخ الثقافة اللبنانية بعدما توغلت في ذاكرة المدينة, الذاكرة الشاسعة والمفتوحة على هذه الحركة المسرحية المتعددة الاتجاهات والبحوث, وانطلقت من خبرات المنابع الاولى المسرحيين منهم. بيروت ـ د. وطفاء حمادة