تعرض صفوة الفنون المرئية للقرن الماضي في المتحف الوطني للفنون الجميلة في العاصمة سانتياجو وذلك على مدار هذا العام, والمعرض من ايحاءات فنانين كبار تشيليين مثل: خوان فرانسيكو جونزاليس, بيدرو لونا, أرتورو جوردون, لويس فارجاس وماركو ريتشارد وهي الجزء الأول الذي يشمل الخمسين عاماً الأولى. ويعتبر تاريخ قرن شيئاً عظيماً بالنسبة لأي بلد, ليس بسبب التأرجحات التي يواجهها وإنما بسبب ما حقق من نتائج على صعيد الهوية الوطنية. أما في بلد مثل تشيلي فان قرناً يشكل جزءاً حسناً من تاريخه وفيما يخص فنونه المرئية فلقد كان القرن العشرين محدداً على الرغم من تذبذب نتاجات الحقب الأولى منه مع ان السنوات التي تلتها سادها نشاط ملفت للانتباه شمل اقتراحات تشكيلية وعملية وبحث لا متناهي عن لغات فنية جديدة. وكان من الصعوبة بمكان العثور على فن يرتبط بالتشيليين انفسهم, كذلك الامر بالنسبة الى تخليهم عن القواعد المثالية لأوروبا التي احتفى بها في تشيلي مع كثير من الحب. هذا ويمكننا ان نجد في كل اجزاء الطابق الاول لمبنى الفنون الجميلة والمسمى (تشيلي.. مئة عام من الفنون المرئية) , معرضاً يأخذنا الى أجواء الابداع المرئي للقرن الماضي بأكمله, ووفق هذا الاطار تم تصنيف هذا التموج الى ثلاثة اقسام كبيرة لشموليته وأهميته وكلف بكل منها فريق عمل مختلف للمعالجة, مما يعني عدم وجود قاسم مشترك بين الأقسام الثلاثة. افتتح التصنيف الأول الذي يعيدنا الى بداية القرن حتى سنوات الخمسينيات, ونطلع من خلال الفترة الواقعة بين 1950 ـ 1973 على أحد أصناف الفن الانطباعي بمضامين فلسفية وسياسية وإجتماعية حادة بالاضافة الى تضمينه بتساؤلات وإجابات عديدة. ونلتقي في النهاية في الفترة من 73 وحتى نهاية القرن بأعمال تعكس فناً يعتبر شاهداً على مرحلة حرجة من جانب, وأعمالاً مثقلة بالاستعارة وحضور قوي للرموز من الجانب الآخر. وبالمجمل يمكن القول أنه أنموذج يشمل قرناً, ويبدو لنا أنه قريب جداً ولكن مع كثير من المظاهر المنسية أو المجهولة. روايات مختلفة هناك فارق شاسع ما بين فنانين مثل ارتوروجوردون, فالينزويلا يانوس أو خوان فرانسيكو جونزاليس وفنانون آخرون مثل أنوفري جاربا, بيدرو ليرا أو رامون سوبركاسياكوس, بمعنى آخر يوجد ملامسة مختلفة للفن. وهنا يكمن جوهر الاختلاف. أي في الكيفية التي يتناولون من خلالها اشكالية التشكيل حيث يلاحظ فروقات شاسعة. وذلك على الرغم من تناولهم لنفس الموضوع ونفس الطبيعة ونفس العادات, وكان لدى المكلفين باختيار القسم الأول أسباباً جمالية ونظريات منمقة ويذكر ان جميعهم أكاديميين محترفين يعملون في جامعة تشيلي, بالاضافة الى المؤرخ البريطاني باتريك فافيان المختص بتاريخ الفنون. هؤلاء جميعهم اعتبروا ان لا ضرورة لرؤية المعرض من زاوية التسلسل التاريخي لأعماله ولا على أساس قوائم الجرد ولقد تركوا جانباً نصوصاً مهمة كتاريخ الرسم التشيلي لايفيليك وجالاز او تلك التي لروميرا واعتمدوا تقسيماً جديداً, وأرادوا أن يثبتوا للجمهور المهتم ان الحركات باختلافها والضرورات التشكيلية ليست ظواهر معزولة وهي موازية لحركات أخرى. ومن أجل ايضاح طبيعة الفنون الوطنية لهذا القرن, قاموا بتصنيف المبدعين في اربعة مراحل كبيرة وهي على التوالي: النموذج الاوروبي, الايحاء والدافع, الحجة التجميلية وبين العام والخاص. السوابق (لا شيء يأتي من العدم) بهذه المقولة أراد الفريق المعالج رفع سوية بعض الحقب في القرن التاسع عشر, في عملية تهدف الى اطلاع المتفرج على ما كانت عليه تشيلي كبلد صغير ومعزول او على سانتياجو الضئيلة بسكانها الذين بالكاد يصلون الى ثلثمئة الف نسمة مع بداية القرن الماضي. من هنا جاء عنوان هذا الفصل (النموذج الاوروبي) , فالقارة القديمة التي ألهمت المجتمع التشيلي هي ذاتها التي قامت بهذا الدور على صعيد الحركة الفنية, وذلك عندما عكست أكاديمية الفنون الجميلة, التي تأسست عام 1849, الفن الكلاسيكي بشكل جيد جداً وبجواره إعجاب كبير بالتفاصيل التقنية وحماسة في السرد, وهي (الأكاديمية) التي سمحت بأن يأخذ شكل التعليم وجوهره طابعاً فنياً منتظماً وقاسياً وغير منقطع. ومن منظور الواقع الحالي فإن مشكلة الأكاديمية انحصرت في أنها لم تأخذ بالاعتبار تلك المسافات والاختلافات الجغرافية والتاريخية لكلا الامتدادين, بالاضافة الى أنها جرّدت نفسها وبشكل راديكالي من حقيقة تشيلي الخاصة. امضى أولئك المتأنقين والمتهالكين حياتهم بين المراح والمجيء من والى فرنسا, وهناك اخرون رسموا وفي تصورهم تلك النخب المتهالكة. بمعنى آخر, مثلت هذه الحقبة الصالونات الرسمية فقط وكان هدف فنانينها المنشود هو الوصول الى تلك الصالونات بأساليب متقنة مع وفاء للنموذج المقدم ونلاحظ هنا من بين آخرين فنانين مثل بيدروليرا مع عمله المشهور (الرسالة) , مارسيال بلازا فراند مع لوحته التفسيرية الجميلة (تأمل في قراءة) , سومرسكالس مع عمله الشهير (نزال بحري في إكيكي) , كوسمي سان مارتين مع (قراءة) فوليو فوسكالديرون مع (أم وابنه) انوفري جارب مع (ميناء لوبو) ومنحوتات فيرخيليو آرياس وسيمون جونزالس. البحث عن نموذج خاص اللحظة الذروة للمعرض لا تتفق مع كل ما سبق, بل على العكس, إذ أننا نجد الفنانين يقاومون في سبيل ضرورة التعبير وصرخة الاستقلال. ويتناول هذا الفصل من النموذج الذي سمي بـ (اكتشاف الحقيقة... الايحاء والدافع) الكيفية التي تصدى بها العديد من الفنانين لعملية البحث بإتجاه واقعهم الداخلي او بإتجاه تشيلي, ومن الجدير بالذكر انهم شاهدوا وقيموا تلك الاغفاءة حيث ولدوا وترعرعوا. ولم يكن لديهم حاجة الى تلقينات فرنسا من أجل الرسم, فالدافع موجود فيهم ويعتمد عليهم ولا يحتاج الا أن يخرج الى النور, إذ أنه (الدافع) لم ولن يوجد في الواقع الخارجي. بهذا لم يعد الفن ترفا يعبر عن أوضاع مريحة وأي انسان يستطيع ان يشتغل على قطعة قماش او كرتون فيما اذا توفرت عنده حساسية مرهفة وفضول معرفي مع قابلية للتشكيل وبعض أقلام الرصاص وبعض فراشي الرسم. هذا القسم يتفرع الى فرضيتين وكلتيهما على علاقة قوية مع الهوية الاول بعنوان: (نافذة على المشهد) والثاني: (رحلة الى الداخل) وركزت الفرضية الأولى نظرتها في المشهد وعملت فناً تشكيلياً بطابع إيحائي وواضح التعبير مع بقاء الصورة جانباً. أجوستين أباركا, اليفريدو ايلسبي, خوان فرانسيسكو جونزاليس, فالينزويلا ياتيس وآخر من افضل رسامي تشيلي بابلو بورشاد, كلهم فسّروا الطبيعة مع وجود حركية شكلية أكبر. ولاجل اعطاء امثلة على الفرضية الثانية (رحلة الى الداخل) سنتناول فقط ظاهرة جيل الثلاثة عشر او (دار الرسامين المحزنة) وهذا التعبير أطلقه نيرودا على هؤلاء الشباب ذوي الظروف المتواضعة والمضطهدة. وتشمل هذه الفرضية عباقرة مثل لونا, جوردون, بلازا, أباركا, بيرتريكس, كوستا, لوبوس, وجميعهم نضجوا في مدرسة الفنون الجميلة على يد الاسباني فيرناند والياريز دي سوتومايو, وكانت لديهم المقدرة على تفسير الحقيقة بكل ذاتية وخصوصية يمكن لانسان ان يمتلكهما. ومازال النقاش دائرا حول وصفهم بالتعبيريين ام لا. على جميع الاحوال فكل واحد منهم قام بتعديل للفن التشكيلي في تشيلي من خلال اعمال الخمسينيات وكل على طريقته الخاصة التي فسر بها الحياة وبتحريفه الخاص للواقع ايضاً. وان الاستحقاق الاكبر لبوهيميي زمن بأكمله تمثل بتذوق لغة الفن التشكيلي من خلال اللون والفرشاة, ومن خلال الموضوع اليومي الذي لا ينشد العظمة وانما اثبات شيء ما. الى ذلك فلقد لعبت مجموعة مونتبارناسي دوراً محددا في مسيرة قطع العلاقة مع المفهوم الانطباعي للرسم, فالمجموعة بأكملها تأثرت بتعلق بيكاسو بالماضي, هذا التعلق الذي ظهر في فينيسيا عام 1920. لويس فارجاس روسا, خينييرتي بيتيتي, كاميليوموري, خوليو, مانويل ارتيز دي زاراتي, خورخي كاباييرو, هيكتور كاسيريس, هيرتان جازموري, انا كورتيس, اينيس بويو ومارتين توبر, جميعهم قاموا بترميز روح إعادة التجديد وبدأ الشكل بالاختفاء شيئاً فشيئاً وفي المقابل اكتسبت البنى فراغاً, إذ أن الجميع كان في طريقه نحو التكعيبية والهندسة وبعضهم تبنى التجريد. ومثل لويس فارجاس روساس الايحاء الاكبر, والاصرار المطلق على تجديد الموضوع والموديل. وفي بدايته قلد مسلمات سيزاني من على ارضية الظواهر اللامعة وتأثيرات التذبذب اللوني, ولاحقا استقل باللون والخط للبحث عن شيء تجريدي بشكل حقيقي, وأهميته في تاريخ تشيلي الفني تنحصر في كونه البادئ في شكل للرسم لا يشبه شيئاً معروفاً. واحد اخر من الكبار كان كاميلو موري المعروف بـ (الباحث الذي لا يتعب) وحسب كلماته: (لم ابق هادئاً ابداً, قلقي مزمن لاشباع حاجياتي ككائن بشري) وهذه الشخصية لا تجعله يركن في تيار فني محدد. ومع ذلك على خلاف مع توأمه فارجاس روساس استطاع تفادي أي نوع من عدم التكامل على صعيد الموضوع, فدائماً كانت فرشاته الصورة عنده, كذلك اللون تتفجر بمشاهد تعكس الواقع. بين العام والخاص تبنى الفنانون الرسم في المشاغل او في أماكن يعيدون انتاج اعمالهم فيها عن طريق تقنيات متعددة للتسجيل او بالخروج الى امكنة عامة لممارسة الرسوم الجدارية. وكلهم ينتمون الى ما أصطلح على تسميته بـ (جيل الاربعين) وهم يسترجعون تقاليد الرسم وتذوق المادة واللون المتوارثة عن فرانسيسكو جونزاليس وبابلو بورشاد. اما رساموا المشاغل فبحثوا عن الصحبة الخالصة ـ الألفة ـ والفاعلية وبعضهم اخفى المناظر متأثرين بالمذهب الفني التأثري واستخدموا اللون في أقصى اشباع له, وصوروا أيضاً زوايا اعتيادية ومبتذلة ووجدوا في الحرية الشكلية وفي استخدام اللون والعلامة, افضل ادوات للتعبير. وهنا نفكر في عمل ايكسيمينا كريستي بزواياها ومناظرها العائلية, وسيرهيو مونتيسينوس المتخبط, ورينالدو فياسينيور بمشاهده الشعبية. هذا وكان العديد ممن التزموا بما هو عام قد صبوا جام جهدهم في الاخلاقيات حيث سيطر الموضوع الاجتماعي, وأفضل مثال على هذا الاتجاه هو خوليو اسكاميسز فينتورييتي وجريموريو دي لافوينتي. وان الاوج الذي وصل اليه الحفر او النقش يمثل ظاهرة اخرى لهذه السنوات. حيث نشأت مشاغل جديدة كالذي لكارلوس هيرموسيا وفنانون اخرون عديدون مثل اسكاميس او كارلوس سوتومايور الذين اختبروا في تقنيات مختلفة. يقدم لنا (تشيلي, مئة عام فنون مرئية) كتركيب مشوق للفن التشيلي, بيئته, التاريخ الوطني, وستكون صرامة ورؤية فرقاء المعالجة, محددة لاجل تكامل بانوراما واسعة لكل مرحلة من هذه المراحل. إعداد: باسل أبو حمدة