يعتبر جاك اتالي واحدا من اهم المفكرين الفرنسيين المعاصرين. فهو يشغل اليوم منصب مدير تنفيذي بالبنك المركزي التابع للمجمع الاقتصادي الاوروبي بعد كونه مستشارا شخصيا للرئيس ميتيران في قصر الايليزيه. هذا بالاضافة الى كونه صاحب عدد من الكتب, منها دراسات تقنية في علوم الاقتصاد, دراسة بيوغرافية, رواية, مذكرات وكتاب عن وظيفة الموسيقى كمرآة للمجتمع الحديث وهو موضع بحثنا هنا. يطرح اتالي في كتابه الضجيج: (الاقتصاد السياسي للموسيقى) قراءة تاريخية جديدة للموسيقى تنطلق من علاقة الموسيقى بالسلطة ومن وضع الموسيقى ـ الضحية. فالكاتب يقترح بأن الطقس الموسيقي (الحفلة الموسيقية) هو محاكاة مشذبة وبديل مسالم لطقوس التضحية في المجتمعات الوثنية, نتجت عن تخلي المجتمع الغربي عن العنف كظاهرة طقسية مع انتشار الديانة المسيحية. ويجعل اتالي الموسيقى على الخشبة نظيرا للأضحية على المنحر. فالموسيقى في اكثر الحضارات منحى (الى مكان في اسفل الهرم الاجتماعي) ومتفوق في الوقت ذاته: خصائص الاضحية. في بحثه يرى اتالي ان الضجيج سلام وان الموسيقى قولبة وتدجين وتطقيس لذلك السلاح اذ تخدم كمحاكاة للجريمة الطقسية. يقسم اتالي تاريخ الموسيقى الغربية الى مراحل اربع. يطلق على اولى تلك المراحل تسمية (طقس التضحية) وتمثلها الاغاني الجريجورية الكنسية. خضعت موسيقى هذه المرحلة لسلطة الكنيسة بممارستها ومبادئها. فكان رجال الدين يضعون قواعد لما هو مسموح وما هو غير مسموح به في الموسيقى (انواع الآلات المستخدمة, العلامات التي يصح ان تعزف معا) يصف الكاتب موسيقى تلك المرحلة بأنها قوة اسيرة غير قادرة على طرح تغيير اجتماعي لأنها لم تدخل مرحلة التبادل (بين الموسيقى والمستمع) انما تقتصر على البث من جهة واحدة, هي جهة الموسيقى, مسيرة من قبل السلطة الكنسية ومطروحة على انها مقدسة ثابتة لا تناقش. تظهر في القرن الثامن عشر مرحلة جديدة سميت (التمثيل) فالموسيقى لم تعد اسيرة السلطة هنا انما اصبحت تمثيلا لها. تتحول الموسيقى في هذه المرحلة, ومع تطور الرأسمالية على حساب المجتمع الاقطاعي الاكثر استقرارا, الى سلعة. وتكتسب قيمة مادية اذ يتحول العازفون الى فعالية احترافية يمولها المستمعون. تفك الموسيقى قيودها في هذه المرحلة اذ تزول عنها القوانين والقيود والقوى التنظيمية التي كانت تأسرها في المرحلة السابقة, وتأخذ في التطور في اتجاهات جديدة تدخل في تركيبتها قوة المستهلك (المستمع) الشرائية. تظهر المرحلة الثالثة المسماة (التكرار) في نهاية القرن التاسع عشر مع اختراع تقنيات التسجيل الصوتي. يقول اتالي: (خلقت هذه التقنية (التي نفهمها على انها طريقة لاختزان (التمثيل) ), وخلال خمسين عاما, شبكة تنظيمية جديدة لاقتصاديات الموسيقى. لكل مستمع في هذه الشبكة علاقة فردية مع آلة: مما يعني ان استهلاك الموسيقى اصبح فرديا, وبتشبيهه بطقس التضحية يتحول الى مشهد اعمى. (لم تعد الشبكة نوعا من التواصل الاجتماعي وفرصة للمستمعين للقاء والتواصل, انما اصبحت اداة تسمح بالتخزين الفردي للموسيقى على نطاق واسع. يرى اتالي في هذه المرحلة ظاهرة موسيقية عقيمة اذ يقول: (عندما تنتقل الموسيقى الى مرحلة (التكرار) تعجز عن تحقيق التغيير, فتصبح اسيرة الهوية الفردية وتتحلل الى ضجيج هذا الانحلال هو المتمم للتحول الاجتماعي الداخلي الذي كان قد توقعه ليفي ـ ستراوس للمجتمع الغربي حين يمتص كل ما هو غريب عنه ويعجز عن مجابهة ما هو مختلف ليصبح متشابها, باردا, وتكراريا. يقول اتالي: (اليوم, تنذر الموسيقى ـ وبغض النظر عما سيكون عليه النظام الاقتصادي السائد ـ بتأسيس مجتمع من التكرار يخلو من اي تجديد. المرحلة النهائية اليوتوبية التي لم نصل اليها بعد, والتي يتنبأ بها بعض الفنانين من خلال اعمالهم, تسمى مرحلة التأليف. في هذه المرحلة سوف تعزف الموسيقى لأجل متعة الموسيقى الشخصية, كنوع من التواصل مع الذات لا يسعى من ورائه الا لمسرته الشخصية, فتفقد الموسيقى خواصها التواصلية وتتحول الى فعل فردي انعزالي لا ـ تجاري. في هذه الشبكة ما يسمعه الاخرون ليس الا نتيجة لرغبة المؤلف او العازف في سماع عمله) . النقطة الاكثر ابتكارا في دراسة اتالي هي ان الموسيقى لا تعكس حالة اقتصادية واجتماعية فحسب, انما تستطيع ان تتنبأ بمسار التطور الاقتصادي والتحولات العامة للتنظيم الاجتماعي. فبغض النظر عما اذا كنا سنتفق معه على النقطة الثانية, لا شك في ان فكرته الاولى قد اثبتت مصداقية كبيرة. فالموسيقى ككل الفنون انعكاس مباشر للبنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات سواء بطبيعة الفنون المسيطرة ام بمكان الفنان في التركيبة الاجتماعية.