رغم ان موتزار لم يعمر سوى خمسة وثلاثين عاما (1791-1756) الا ان عمره القصير كان حافلاً باروع ما حفلت به الموسيقى العالمية من الحان ومقطوعات موسيقية, جعلت منه مؤسس فن الاوبرا القومية الالمانية دون جدال. كان موتزار اعجوبة ودرة من درر الفن الموسيقي, ففي الثالثة من عمره كان يجلس امام البيانو يتمرن ويتدرب لساعات طويلة, وما ان بلغ السادسة حتى الف اول مقطوعة جميلة, وبدأ يجيد العزف والتلحين وظهرت عليه علامات النبوغ والعبقرية, فاهتم به والداه اشد الاهتمام وقررا ان يقوما برحلة الى العواصم الاوروبية, ليطلع موتزار على الموسيقى والموسيقيين في هذه العواصم. وكانت الدهشة كبيرة, حينما استطاع موتزار بموهبته الفذة ان يخلب عقول ونفوس الباريسيين في حفلاته التي اقامها في باريس, وحضرها الملك والملكة, وفي باريس طبع موتزار اولى مؤلفاته الموسيقية وهي عبارة عن اربع مقطوعات من السوناتا, ثم رحل الى لندن ولاقى فيها نجاحاً لا مثيل له, وألف فيها ست مقطوعات موسيقية, وكذلك اول سمفونية للاوركسترا, وبعد جولات موسيقية ناجحة في العديد من العواصم الاوروبية عاد موتزار الى مسقط رأسه في مدينة سالزيورج, وكتب فيها اول مقطوعة من الاوراتوريو وهو في العاشرة من عمره, ثم رحل الى فينيا مدينة الفن والموسيقى, وهناك طلب منه الامبراطور تأليف تمثيلية اوبرا, فسرعان ما لبى له طلبه والف مقطوعة اوبرا (لافنتا سامبليس) وبرز نجم موتزار وازداد المعجبون به, وبعد الاحتفال الموسيقي الضخم الذي اقيم في فينيا عام 1768 بمناسبة عزف مقطوعة (القداس الكبير) سمي موتزار على اثرها رئيساً للاوركسترا وهو في الثانية عشرة من عمره. الزواج والمأساة سافر موتزار الى ايطاليا وعرض في مدنها الكبيرة مئات المقطوعات الموسيقية التي لاقت نجاحاً منقطع النظير من الشعب الايطالي الذي احبه كثيراً, وقد لقبه الايطاليون بلقب (اماديوس - المحبوب) واصبح جزءاً من اسمه, حتى صار لا يوقع اسمه الا مقروناً بذلك اللقب, كما قلده البابا وساماً رفيعاً من الذهب تكريما له على ابداعاته الموسيقية. ورغم النجاح الباهر لموتزار في حفلاته الموسيقية في العواصم الاوروبية الا انه لم يوفق في جمع المال, فقصد مدينة مانهايم وفيها تعرف على الموسيقار الشهير (كابنيش) واخذ عنه الفن السيمفوني, وفي مانهايم احب موتزار مطربة شابة تدعى الويزيا ويبير ولكنه لم يوفق في الزواج منها بسبب رفض والده ذلك, مما اضطره الى مغادرة المدينة وصدره يشتعل حرقة والماً, وقصد باريس ليعزف فيها السيمفونية الباريسية التي الفها بناء على رغبة اكاديمية الفنون, ثم عاد الى مسقط رأسه على اثر وفاة والدته في 3 يوليو عام 1778, وقد اثر عليه الامر اشد التأثير وبقي في سالزبورج فترة طويلة قبل ان يعود مرة اخرى الى فينيا, وقد قربه منه امبراطور النمسا, فتزوج عام 1780 من مونستانس ويبير شقيقة الويزيا, وبتكليف من امير مقاطعة البافيير لحن موتزار اوبرا (ايدومينيو) وصاغ الحانها عام 1781, حيث اعتبرها النقاد اجمل ما الفه موتزار في حياته. شطر الزواج حياة موتزار شطرين, فكانت ايامه بؤساً وفاقة وشقاء, وبدأ يعزف ويقيم الحفلات في سبيل لقمة العيش, مما ادى الى تدني شهرته الفنية وسمعته الرفيعة, وفي عام 1785 التقى موتزار بالموسيقار الكبير هايدن, فتتلمذ عليه حتى اصبح من كبار علماء الموسيقى في عصره, وقد طلب منه الامبراطور جوزيف الثاني تلحين اوبرا هزلية, فاستجاب لطلبه, وكانت (الاختطاف من السرايا) التي اعجب بها الامبراطور اشد الاعجاب بعكس تمثيليته (حفلات زواج فيجارو) التي لم تلق النجاح في فينيا. هكذا يصنع الجميع قام موتزار برحلة الى بروسيا واهدى اوبرا (وهكذا يصنع الجميع) الى ملكها عام 1790, فطلب منه الملك ان يبقى الى جانبه لقاء راتب قدره ثلاثة الاف (تايلر) , لكن موتزار رفض وعاد الى فينيا, وكتب في العام نفسه مقطوعته الخالدة (دون جوان) التي تعد درة مؤلفاته ومن ابدع الالحان واجملها. توج موتزار انتاجه بأوبرا (حلم تيتوس) واوبرا (الناي السحري) التي اعيد تمثيلها اكثر من مئتي مرة عام 1791 وعادت الى موتزار مكانته الفنية المرموقة الا ان القدر لم يمهله, فقد توفى في ديسمبر عام 1791. ويروي ان احد الاميرات طلبت من موتزار ان يلحن لها مقطوعة حزينة لتعزف عند موتها, فاعد لها اللحن المطلوب واخذ يعزفه في الرابع من ديسمبر مع بعض تلاميذه, لكنه توقف فجأة عن العزف وانفجر يبكي... وقال لتلاميذه: (انني في الواقع لم اضع هذا اللحن ليعزف عند موت الاميرة, وإنما وضعته لنفسي) ! وفي الواقع رغم عمره القصير فان انتاجه الموسيقي بلغ اكثر من ستمائة مقطوعة موسيقية مختلفة, ورغم ان هذا الفنان المبدع لم يحظ بجدث يحفظ جثته (حيث دفن في احدى الحفر العامة) الا انه قدم مقطوعات موسيقية في غاية الابداع والجمال والتي كانت طريقاً لبتهوفن فيما بعد ليبلغ بها قمة المجد الفني. اعداد: هدى ابراهيم