التركيب الأولي للموسيقى حسب ما أوردت الدراسات هي منظومة قرقعات وأصوات يضبطها الفكر البشري, وهذه التركيبة الأولية التي واكبت الركب الحضاري الإنساني واتخذت أنماطها بالخصوصيات المكانية والزمانية التي حددت سيكولوجية الابداع الموسيقي... ومع كثافة وخصوبة الركب الحضاري اتخذت التركيبة الموسيقية التي كانت تؤدى خلال مشتقات الطبيعة من آلات خشبية ومن ثم معدنية وأوتار وطبول مصنعة من احشاء الحيوانات, لتطلق هذه الامواج الصوتية المحكمة بفكر ابداعي... القفزة الاولى التي حققها الانتاج الموسيقي كان مع المتغيرات الجارفة التي حملتها الثورة الصناعية على مجمل تفاصيل المجتمعات البشرية, وبدأت تقنيات التسجيل التي تواتر تطورها بأرشفة المادة الابداعية الموسيقية, ومن ثم اختلاف تعاطي المادة الابداعية الموسيقية من كلا الطرفين المبدع والمتلقي, فقد منحت التقنيات التسجيلية مفاهيم ونظريات جديدة في أسلوبية طرح المادة الموسيقية ودمجها وتركيبها, ومنحت المتلقي خصائص عديدة بكيفية تعاطي الموسيقى, وهذا بدوره كثف زخم التجارب الموسيقية وأسس لفكر موسيقي متجدد لامس واقع الحياة الانسانية بدقة, بل شكل في بعض الحالات الفردية والجماعية ارضية للواقع المعاش, فارتبطت الموسيقى بالثورة بكافة ضروبها. الحفاظ على المادة ومع المتغيرات الجارفة التي حملها عصر المعلومات. هذا العصر الذي يرتكز اساسا على شبكة المعلومات الالكترونية والتقنيات الالكترونية والرقمية المواكبة لها, أخذت الموسيقى أو المادة الموسيقية تأخذ مفهوماً مغايراً, فمن الآلات البدائية التي كانت تصدر الامواج الصوتية لكي تحفظها طيات الطبيعة والذاكرة البشرية, جاءت مادة (الريل) لتحفظ المادة الموسيقية في الاسطوانات والاشرطة والتي كانت تعتبر في السابق تقنية عالية, حمل لنا العصر الرقمي, تقنية حفظ المادة الموسيقية بملفات رقمية الكترونية حملت وستحمل الكثير في طياتها. وباتت الان الموسيقى او الامواج الصوتية محكمة او مختزلة بما يعرف بالموسيقى الرقمية, الطور الذي تعيشه الان التجارب الموسيقية بدأ يرزح تحت متغير تابع قد يتحول بشكل او بآخر الى متغير مستقل, رغم الطفرات التي شهدها الانتاج الموسيقي في العقود الماضية, والتي بدلت مفهوم تعاطي الموسيقى في المجتمعات البشرية, ومنحتها دوراً رئيساً ومؤثراً مع اختلاف حالة النضج والوعي لدى المجتمعات البشرية. ملفات (MP3) تقنية عالية في الموسيقى شهدتها شبكة الانترنت منذ سنوات, تمتاز بنقاء النوعية الصوتية وسهولة التحميل ولا تشغل حيزاً كبيراً في أقراص الاجهزة المنزلية, هذه التقنية العالية التي أتاحت لمستخدم الشبكة المعلوماتية حفظ وتخزين خيارات واسعة من الملفات الرقمية الموسيقية, وعلى الجانب الاخر فقد حملت ملفات الـ (MP3) الموسيقية. أنعش صناعة الموسيقى في الغرب, والتي تعتبر قطاعاً حيوياً في منظومة اقتصاد السوق, فبالنظر الى معدل المبيعات للأعمال الموسيقية الذي يتجاوز الخمسة ملايين نسخة لعدد كبير من الفنانين والموسيقيين, فعلى سبيل المثال, فريق (السبايس جيرلز) النسائي البريطاني الذي شهد انتشاراً واسعاً, تشير التقارير ان النجاح الفني الذي حققه الفريق احدث انتعاشاً مرضياً على مجمل الاقتصاد البريطاني المتدهور. معارك قضائية المعارك القضائية محتدمة الان في الولايات المتحدة لحظر موقع MP3.COM وكذلك Nepstar اللذين يوفران كماً هائلاً من الملفات الموسيقية, ومن ضمن الجولات القضائية, حققت شركة MP3.COM نصراً بحقوق نشر الأعمال الصادرة عن شركة IMB والتي تصل الى خمسة وأربعين عملاً موسيقياً وغنائياً.. القضية التي تشغل الرأي العام الغربي, بين مستهلك يسعد بتلقي وانتقاء سلعته الموسيقية بالمجان وبأفضل المواصفات التقنية وبخيارات لا نهائية, وبين منتج ينادي بتوعية المفهوم الأخلاقي لحقوق الملكية والدور الإيجابي الذي تضمنه هذه الحقوق القانونية بديمومة الابداع الفني. المغني الراديكالي (لوريد) كان له تعقيبه عن حالة الفوضى التي تجتاح صناعة الموسيقى, فهو كمبدع لم يكن معنياً بحقوقه المادية التي ستنحسر بشكل او بآخر كغيره من الفنانين, لكن ارقه يتمحور حول قيمة تعاطي المتلقي مع المادة الموسيقية, فحالة الإشباع او التخمة التي يتعرض لها المتلقي ستؤدي الى أحداث خلل في النظرة السيكولوجية لقيمة المادة الموسيقي, فبداية يشكل مفهوم الطلب والعرض حالة توازن ليس في السوق وحسب بل في الرؤية القيمية لدى المتلقي, فهو يعتبر أن العصر الجديد بنمطه الاستهلاكي الجديد سيسلب من البشر الكثير من القيم والدقائق البسيطة التي ستفقد الفرد الكثير من خصاله الانسانية التي لازمته لملايين السنين!! واعطى لوريد (مثالاً) بأيام صباه عندما كان يحفظ جزءاً كبيراً من مصروفاته الشخصية للحصول في النهاية على مادة ابداعية موسيقية كانت تشكل بالنسبة له كنزاً ثميناً, هذه الخصوصية في الاستهلاك الفكري للمادة الابداعية ستتلاشى رويداً رويداً, الأمر الذي سيحط من قيمة الابداع عموماً. ضبط ذاتي وعلى الجانب الاخر يرى الكثير من المراقبين الاقتصاديين, ان عملية الانتاج الموسيقي والتي تعيش اقسى درجات البلبلة بسطوة شبح الـ (MP3) , ستشهد حالة من الاستقرار مع عملية ضبط ذاتي لا سلطوي, سيحققه مفهوم السوق الالكتروني الذي تشهده شبكة الانترنت, ورغم ازدهار التجارة الالكترونية, فان الاختراقات التي حققتها ملفات الـ (MP3) كونها تتعامل مع متلق ذكي, هو قطاع المراهقين الاكثر استهلاكاً للمواد الموسيقية. لكن المراقبين يرون ان عملية الضبط الذاتي للسوق الموسيقي على شبكة الانترنت ستحتاج الى عامل الوقت الذي سيحمل معه انهيار شركات الانتاج الموسيقي وهذا الامر يحاول النظام القضائي في الولايات المتحدة تفاديه لمنح حدوث بلبلة لمؤسسات انتاجية, استغرقت عقوداً متعاقبة في بناء بنية ابداعية وثقافية شكلت محوراً استراتيجياً للنموذج الامريكي الذي ساد كافة بقاع الارض, لكن يبقى السؤال هل ستستطيع المؤسسة القضائية الحكومية الامريكية احداث حالة توازن بين وفائها لهذه المؤسسات الحيوية وعصر المعلومات الالكتروني الذي سيجرف الكثير من مفاهيم السوق الحرة السائدة. ومن خصوصية واقعنا العربي, لابد لنا ونحن نترقب هذه المعمعات التي تجتاح العالم الأول من النظر بعمق نحو واقعنا الابداعي, فبينما يتهمك الاخر باشكالية تنظيم الابداع وادارته والذي اصبح بحد ذاته ابداعاً, هل تجاوزنا نحن بالأصل اشكالية الابداع ذاتها. من الواضح ان المشهد الابداعي العربي (إن اقررنا بوجوده) يبدو اكثر سوداوية فنحن لم نتجاوز التايوهات وقائمة المحرمات, ووصلنا الى حالة من التردي لدرجة التعايش مع واقع ابداعي مشوه وممسوخ, الآخر غارق في تنظيم السوق الابداعي الفني بكافة انماطه, والذي يشكل مخرجات هائلة للاقتصاديات الوطنية تتجاوز باللغة الرقمية, ثرواتنا الطبيعية التي ارتكزنا عليها لخمسة عقود منصرمة, الاخر اسس مؤسسات ومنظومات ثقافية واجتماعية واقتصادية, ونحن مازلنا نحمل في ذاكرتنا نظرة قاصرة لماهية الابداع وقيمته الحضارية.