إذا كان فيلم (راشومون) لكوروساوا هو الفيلم الياباني الأول الذي فتح الأبواب أمام السينما اليابانية للخروج من عزلتها المحلية في أوائل الخمسينيات, فإن فيلم (البريء) للمخرج (ماكوتو تيزكا) هو أول فيلم ياباني يستفيد من تطور التقنية اليابانية بشكل واضح, في التصوير والمؤثرات البصرية السمعية, وليس غريباً ان تستمر فترة التصوير والعمليات الفنية لهذا الفيلم عشر سنوات, وأن مخرجه الشاب ذا الشعر الأبيض لم يتجاوز الأربعين من عمره, ولكن تجربته في العمل السينمائي بدأت مبكرة, فقد كان والده اوسامو تيزكا يتمتع بشهرة واسعة في تقديم الهزليات السينمائية اليابانية, وهو مبتكر شخصية (الولد الفضائي) , وكان ماكوتوتيزكا قد بدأ مهنته كمخرج سينمائي في العام 1978, وهو ما يزال طالبا في المدرسة الثانوية, وأنجز حوالي عشرة أفلام قصيرة منوعة. وإذا كان فيلم (البريء) ينقلنا الى أيام الحرب العالمية الثانية في طوكيو, من خلال لقطات ومشاهد من ويلات تلك الحرب, فان حكايته مفتوحة على الحاضر والمستقبل, ومفتوحة على الأسئلة الصعبة عن مصير الانسان في ظل الوحشية المتنامية لتقنية التدمير, وغموض المستقبل الذي لم يكن غامضاً كما هو اليوم. يعيش الشاب ـ البريء ـ ايزاوا في حي شعبي يقطنه الخارجون عن القانون وبائعات الهوى, ولا يجد من الأبرياء مثله سوى جاره جاراشي وزوجته سايو التي تعاني من تخلف عقلي. يخفق ايزاوا في محاولة انتحار بحبل معلق بالسقف, بينما كانت الطائرات تقصف طوكيو وتشرد الملايين من السكان والجنود, ويقترب شبح الهزيمة, حيث يتوازى التدمير الخارجي مع التدمير الداخلي في أعماق ايزاوا والناس الذين يلتقي بهم. يعمل ايزاوا ـ البريء ـ في محطة اعلانية تديرها عصبة فاشية عسكرية, بالاشتراك مع محبوبة الجماهير المزيفة (جينجا) , الحسناء التي تملك سبعين بالمئة من تمويل المحطة وايرادها, وتتصرف كأنها امبراطورة تقطع الرؤوس والآذان بسهولة, ولكن ايزاوا لم يكن مثل الآخرين الذين يرهبونها ويتملقونها, ولهذا قامت باستدراجه وقطعت أذنه بالسكين, وهي تتربع على عرش مرتفع فوق مدارج الامبراطورية الاعلامية الاعلانية التي بنيت على شكل برج بابل, والتي تتجاهل ما يحدث في البلاد من دمار, وتقدم عروضها وبرامجها الاعلانية الغنائية الباذخة, على الطريقة الغربية. يصاب ايزاوا ـ البريء ـ بالارهاق, وحينما يعود الى المنزل يسمع صدى حركة واهية, ويكتشف جارته البريئة مختبئة في الخزانة الخشبية, فيشعر بالألفة وتنجلي مخاوفه وهمومه, وينبهر بجمالها الوديع, ويتخلص من مشاعر الكراهية ويخفق قلبه بالحب, لكن الغارات الجوية تزداد ضراوة, فتحرق النيران الأشجار والبيوت, وتتوالى الانفجارات بايقاعات موسيقية صاخبة, تترجمها ألسنة اللهب المتراقصة في مشاهد جحيمية متوالية, تهدد الحياة وتنذر بالانهيارات الكبرى, وفي مواجهة الحرائق العملاقة لم يعد ايزاوا يائساً, لأنه ليس وحيداً, فقد كانت سايو معه, ولهذا فهو يحاول جاهداً أن ينقذها وينقذ حبه الذي غيّر مشاعره, وخلصه من اليأس القاتل. يستمر الحريق بألوانه المبهرة, فيحترق كل شيء, حتى عقدة الحبل الذي حاول ايزاوا أن يشنق نفسه به ذات يوم, ويمضي ايزاوا ومعه سايو, باحثين عن النجاة والخلاص, بين جموع الباحثين, بينما تعزف الكاميرا لحناً منفرداً بديعاً وطويلاً على تفاصيل حركة اللهب الناري وألوانه المتغيرة. اعتمد سيناريو الفيلم على قصة طويلة للكاتب الياباني انجو ساكاجوشي (1906 ـ 1955) الذي كان أحد رواد الموجة الجديدة في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية, ويقول المخرج ماكوروتيزكا عن قصة (البريء) : أشعر كأنني كتبت هذه القصة, وأنني أستطيع تصوير كل جملة وردت فيها. ومع التزام المخرج بالنص الاصلي للقصة أضاف اليها عناصر جديدة, مثل المحطة الاعلامية, ليؤكد أن تنامي الاعلام التلفزيوني يمثل موت عالمنا, (وهذه الحكاية تصور فلسفة حياة المؤلف, انه رجل يحطم نفسه باليأس من أجل الوصول الى الخلاص) . صوّر ماكوتوتيزكا فيلم (البريء) في مدينة بنيت على مساحة خمسة عشر ألف متر مربع, واستخدم آخر منجزات التقنية في التصوير والاضاءة والمؤثرات, واضرم أكبر كتلة نارية في تاريخ السينما اليابانية, كما أن الانفجارات التي صورها فاقت الانفجارات التي صورها كوروساوا في فيلم (ران) .