ساعد موقع مدينة اسطنبول بين أوروبا وآسيا أن تكون جسرا بين الثقافات, وهذا ما دعا (مؤسسة اسطنبول للثقافة والفنون) أن تقيم مستثمرة المكان بتاريخه البيزنطي والعثماني ومعماره مهرجانات دولية للموسيقى والمسرح والسينما وبينالي للفنون التشكيلية. في مجال الموسيقى مثلا دعت في إطار الاحتفال بمرور سبعة قرون على تأسيس الإمبراطورية العثمانية أوركسترا سيمفوني عالمية في تقديم أوبرا (بايزيد) للموسيقار ثيفالدي. أما مهرجان السينما فقد بدأ بداية متواضعة عام 1982 كاسبوع سينمائي في إطار مهرجان اسطنبول الدولي وفي عام 1985 تطور ليصبح مهرجانا يدور حول السينما والفنون, ويضم مسابقتين دولية تمنح جائزة التيوليب الذهبية لأحسن فيلم, ومحلية للأفلام التركية, وفي عام 1989 اعترف اتحاد المنتجين السينمائيين الدولي به كمهرجان متخصص. ومازال هذا التخصص (الفنون والسينما) سمة أغلب أفلام مهرجان اسطنبول الأساسية, وفي دورته الأخيرة وهي التاسعة عشر تناولت أفلام المسابقة الدولية موضوعات تتصل بفنون السينما والمسرح والموسيقى والفن التشكيلي والأدب. غيوم مايو ولنبدأ بالفيلم الفائز بالتيوليب الذهبي وهو التركي (غيوم مايو) الفيلم الثاني للمخرج الشاب نوزي بيلجي سيلان بعد فيلمه القصبة أو (المدينة) 1997 وقد حصد جوائز أخرى جائزة لجنة تحكيم اتحاد النقاد الدولي فيبريسي التي أعلنها رئيسها الناقد الألماني كلاوس إيدر وكان قد سبق أن فاز بجائزة البرتقالة الذهبية بمهرجان أنطاكيا الدولي بتركيا, ومثل تركيا بمهرجان برلين الدولي الأخير فبراير 2000 كما فاز في المسابقة المحلية بجائزة أحسن فيلم في العام. يصور الفيلم العلاقة بين السينما أو وسائل الميديا الحديثة والناس حينما يأتي مظفر إلى قريته التي ولد فيها ليعد لتصوير فيلم حاملا معه طوال الوقت آلة تصوير فيديو لم يكن يعنيه هموم الناس الذين لم يعد يفهمهم منذ ابتعد إلى المدينة, كل ما يهمه هو إنجاز فيلمه. والده أمين له مشكلة مع السلطة بشأن الأرض التي زرعها وشيد بها بيتا وتهدده القوانين بانتزاع أرضه وبيته, أما صديق طفولته صافيتا فيعاني من البطالة والإحباط بعد أن فشلت محاولته للمرة الثانية للالتحاق بجامعة اسطنبول. يصور الفيلم جو الطبيعة حيث حرارة شهر مايو التي بدت لمظفر شديدة لدرجة الاختناق, والجو العام في القرية الأناضولية النائية الذي يدعوه إلى الملل. وكل ما يهمه هو أن يسجل بالفيديو ما يتصوره في مشروع فيلمه. يمثل قريب له من الأطفال البراءة حينما يحمل بيضة في جيبه إذا حافظ عليها أربعين يوما فإن عمته ستحضر له هدية وهي كاميرا فيديو اقتحم بها حياة الناس الخاصة.. والموضوع بسيط نفذ برؤية ذاتية تبدو تلقائية, وبأسلوب متمكن من لغته السينمائية واعتمد المخرج على ممثلين هواة من أهل القرية كانوا محل تقدير لجنة تحكيم مهرجان أنا طاليا. وقد أشادت لجنة التحكيم الدولية التي رأسها المخرج الهندي الكبير مرينال سين بحساسيته في تصوير شريحة من الريف التركي وبعثها على الشاشة ولتأمله في تأثير المدينة الضار على سلوك الناس. القصة الاخيرة أما الفيلم الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة فهو الهندي (القصة الأخيرة) للمخرج شاجي فاروق ينقلنا إلى ثقافة مختلفة, إلى إقليم كيرالا جنوب الهند في الثلاثينيات من القرن العشرين, وأنبل فنونها رقصة (الكاثاكالي) المرتبطة بالعقيدة والتقاليد, مزيج رائع بين المسرح والأسطورة, يتفوق فيه فنان شاب من طبقة دنيا. تعجب به سيدة من الطبقة الراقية. لكنها لا ترى فيه إلا تجسيدا لأسطورة (مهابهاراتا) .. العلاقة تثمر طفلا تتنكر له وتمنع زيارته لقصرها رغم استجدائه, خطاباته ترد بدون أن تقرأها, في يأسه يعيد تمثيل (الكاتاكالي) مع ابنته متخيلا فيها السيدة التي لفظته. الموسيقى هنا والرقص التقليدي يعبران بلا كلمات عن عمق المشاعر وأشارت لجنة التحكيم بإعادة الفيلم لبناء شخصيات أسطورية في وأنه مازالت للتفرقة الطائفية والفقر دور في المجتمع. عن الموسيقى وتأثيرها في تجديد قوى ومشاعر الإنسان يدور الفيلم البرازيلي (نداء الأوبوي) إخراج كلاوديو ماكدويل حيث يأتي عازف اوبوي مزمار خشبي إلى قرية تبدو هامدة وأهلها يبدو حزانى, يدعوه صاحب دار سينما كانت مغلقة أن يعزف بمصاحبة الأفلام الصامتة صوت الأوبوي يثير أحاسيس الناس, يدعوهم للبهجة والنشاط. أما الفيلم الإنجليزي (رأسا على عقب) للمخرج مايك لي الذي عرفناه بأفلام سابقة له مثل (4 أيام من يوليو) 1984 و(أسرار وأكاذيب) 1995 يدلف بنا إلى عالم الأوبريت والأوبرا في لندن في أواخر القرن التاسع عشر وتعاون بين كاتب الأغاني جلبرت ومؤلف الموسيقى سوليفان, وعملهما المشترك بين الأوبريت الخفيفة والأوبرا الجادة, وأهمها أوبرا بيكادو باستلهام بعض الفنون اليابانية. ولكن طول الفيلم 160 دقيقة دعا البعض أن يترك دار العرض. نهضة وأزمة يعود بنا الفيلم الأمريكي (المهد سيهتز) إخراج تيم روبنز إلى نيويورك عام 1946. في عهد نهضة ثقافية بازغة وأزمة اقتصادية حتى كان الناس يقفون في طوابير طلبا للخبز في ذلك الوقت قدم الفنان الشاب وقتئذ أورسون ديلز 21 سنة ورفيقه جون هاوسم ان العرض المسرحي الموسيقي (المهد سيهتز) مستلهمين الأحداث والظروف الاجتماعية في عمل فني تحريضي يعبر عن الوعي الطبقي, ويبرز فيلم قادم من بولندا هو (قصة السينما في قرية بوبيلاوي) للمخرج جان جاكوب كولسكي الذي يسجل فيه محاولة ابن حداد في قرية بوبيلاوي اختراع آلة عرض للصور المتحركة قبل خمسين سنة من اختراعات الأمريكي إديسون والأخوين الفرنسيين لومبير, وفيلم (ذات شتاء) للمخرج المجري التركي الأصل كان توجاي إنتاج مشترك بين المجر وفرنسا وبلجيكا وسلوفاكيا هو فيلم عن عشق السينما من خلال شابين صغيرين يعيشان في قرية مجرية كل متعتهما هو التردد أسبوعا على دار عرض بالمدينة القريبة على أفلام يحملها رجل بدراجة بخارية كل أسبوع. حينما يصاب الرجل في حادث يصاب الشابان بالحزن ولكنهما يفتشان في مخزن دار العرض ويجمعا ويركبا أجزاء من أفلام كلاسيكية طالما أمتعتهم مثل (المدرعة بوتمكين) و (مقصورة الدكتور كاليجاري) ويقول المخرج الشاب أنه بعد انهيار الشيوعية في المجر فإنه وجد أن السينما مازال لها دورها في تغيير الناس وكان هذا هدفه من الفيلم. الفيلم الفرنسي الإيطالي (الوقت المستعاد) للمخرج التشيكي الأصل رادول رويز عن حياة الكاتب الفرنسي مارسيل بروست ويبدأ به على فراش الموت عام 1922 يسترجع ذكرياته التي تقدم في فلاش باك من خلال وقائع حياته وكذا من خلال أعماله التي كتبها, أما الفيلم الروسي (سماء في ماس) إخراج فاسيل بيتشول عن شاب يتيم سمي أنطون تشيكوف لأنه ولد في الذكرى المئوية للكاتب الروسي المعروف حاول الصبي أن يقتفي أثر تشيكوف فكتب شعرا وقصة, ولكنه يتعرض لمافيا ومغامرات ومع ذلك يظل يراوده الأمل في أن يكون كاتبا ناجحا. فيلم (ميناء البؤس) نرويجي كندي دنماركي سويدي للمخرج النرويجي نيلس جاوب يستلهم حياة الكاتب النرويجي ابسن أرناكي ومغامراته عبر البحار وذلك بمناسبة ذكرى مئويته 1899 - 1965. فيلم (رامبرانت) عن الفنان الهولندي الشهير إخراج شارلز ماثون إنتاج مشترك بين فرنسا وهولندا وألمانيا. يقدم رامبرانت ليس كعبقري فحسب بل كفنان ثوري. ورغم أن فيلم (المدينة) للمخرج المصري يسري نصر الله لا يدور في إطار المسابقة عن الفنون والسينما لأنه عن الهجرة والمدن, ولكن لعل اختياره لأن البطل كان ممثلا. لجنة التحكيم لجنة التحكيم جاءت برئاسة المخرج الهندي رينال سين وضمت في عضويتها المخرجة الجزائرية جميلة صحراوي التي عرض لها فيلم قصير في برنامج السينما مرآة العصر وشاركت في ندوة عن حقوق الإنسان. وشخصيات سينمائية من أكثر من دولة, وقد يثار جدل حول اقتصار الجوائز على اثنتين فقط, وكان يجدر في مهرجان يحمل شعار الفنون والسينما أن تكرس جوائز أخرى للموسيقى وللتصوير أو السينما عن نص أدبي. ونشير إلى فيلم الختام (موتسارت في تركيا) عن أوبرا اختطاف من السراي لموتسارت التي تقدم على مسارح العالم في كادرات عثمانية.. في هذا الفيلم الذي يجمع بين التسجيلي والروائي تصور الأوبرا في موقعها الحقيقي ـ الأصلي وهو قصر توبكابي.. بمعماره وزخارفه وردهاته وشرفاته وحدائقه.. نشاهد الاستعدادات ويتحدث إلينا مخرج الأوبرا نفسه موشنيسكي ونرى مقاطع من أحداث الأوبرا ذاتها. أما حدث المهرجان فقد كان عرض فيلم قديم في نسخة مجددة هو (أضواء المدينة) لشارلي شابلن الذي يعود إلى العام 1937 بموسيقى حية وأوركسترا يقودها الإنجليزي إقامة الأمريكي المولد كارل دافيز. وهو مؤلف موسيقى معروف سبق أن وضع الموسيقى المصاحبة لأفلام صامتة مثل (شبح الأوبرا) وله تسجيلات في التلفزيون البريطاني ونال تقديرا من أكثر من جهة أكاديمية آخرها الدكتوراه الفخرية من جامعة نيويورك. ثمة برامج أخرى في إطار تخصص المهرجان (الفنون والسينما) مثل (من الأدب إلى السينما) وكان إقبال الجمهور على الأفلام القديمة في برنامج سينما الخمسينيات أو أفلام المكرمين القديمة.. رسخت تراكمات الدورات السابقة وعيا ناضجا للشباب.
