ثمة مقولة نقدية ترى أن الفن يبدأ حيث تنتهي التفاصيل, وهي مقولة لا تعني أن الفن ينبغي ألا يعتني بالتفاصيل, أو أن التفاصيل تقلل من قيمة العمل الفني, ولكنها تعني أن الفن ليس معنياً بـ (توثيق) التفاصيل, وإنما معني بإعادة ابتكارها, وذلك باكتشاف علاقات جدلية, وأبعاد جمالية فيها. الفن ـ بهذا المنطق ـ تحول ليس فقط في الشكل, وإنما في الهوية أيضاً, أستطيع أن أزعم أني لا أملك شكوكاً حقيقية, حول أن الشكل هو الذي يحدد الهوية. قد يكون من الضروري الإشارة الى الارتباط بين ما هو حياتي, وما هو ابداعي, الابداع ليس قفزة في الفراغ, ولكنه ـ أقصد الابداع الجيد ـ قفزة بالآني الى فضاء الرؤية, وإعادة صياغة المألوف, أو حتى رؤيته من زوايا مغايرة, فنرى الأشياء الحياتية في الابداع, وكأننا لم نرها قبلاً, والحقيقي أننا لم نرها قبلاً بالعلاقات التي أقامها المبدع بين مفرداتها. ولهذا الارتباط بين ما هو شعري وما هو حياتي, (استخدم) الانسان الشعر في أموره الحياتية, ومن بينها نضاله من أجل الغد, وقد أدى هذا (الاستخدام) كثيرا الى (الجور) على الشعر, الذي تحول الى ما يشبه (المنشور السياسي) , بل تحول ـ كما يحب بعض الايديولوجيين ان يقول ـ الى طلقة في المعركة. وهذا كان مأزق التجربة الشعرية في فلسطين, في الطرح الذي أطلق عليه شعر المقاومة, او الشعراء الذين أطلق عليهم شعراء الأرض المحتلة, فقد أدى توظيفهم لشعرهم من أجل خدمة قضية وطنهم الى أن تتسلل الى أعمالهم الشعرية سمات, اتفق الدرس الأدبي منذ الخمسينيات على رفضها, مثل المباشرة والتقريرية والخطابية.. إلى آخر تلك الصفات. ولكن الشعراء الفلسطينيين أدركوا ذلك, وسخروا الحياتي للشعري, فتعمقت لديهم الرؤية, وتعددت الدلالات, واكتسبت تجاربهم الشعرية ثراء في التشكيل, وتنوعا في البنية, في الوقت الذي أفادوا فيه من تجاربهم الحياتية والنضالية, تلك التي منحت أعمالهم خصوصية وتميزاً, كما أنها أضافت لها صبغة حيوية فاعلة. وفي ديوانه (لا أستأذن أحداً) يبدو سميح القاسم نموذجاً لهذا الشاعر الذي يوظف الحياتي للشعري, ويفيد من التفاصيل الصغيرة في إنتاج الشعري المتميز. في قصيدته س ـ ل ـ 3 يقول سميح القاسم: جلست صامتة في ركن مقهاها المسائي هناك انتظرت سبعة أعوام وما عاد إليها سقط الفنجان من بين يديها وعلى مصطبة المقهى النظيفة رسمت قهوتها وجهاً من البارود والورد وعصفوراً يغنى وقذيفة.. يعتمد سميح في هذا النص على المزج بين المتناقضات, منها يولد الشاعرية للنص, كما يتكئ الشاعر على الفلوكلور الشعبي, أو حتى الميثولوجيا الشعبية, التي تتجلى في سقوط (فنجان القهوة) على المصطبة, ليكشف البن الآتي من الآمر. وهذه الميثولوجيا تمنح التجربة ملمحاً أسطورياً, يغني التجربة ويتناغم معها, فالمرأة تنتظر ـ بلا طائل ـ سبعة أعوام, وهو انتظار يضفي ملامح أسطورية (هل نثقل التجربة ان نحن أشرنا إلى الواقعية الأسطورية؟). يعتني الشاعر ببنية السرد, يقدم من خلالها الحدث, وهو حدث ذو ملامح شعرية, حققتها له تلك الملامح الأسطورية, وهذا المزج بين المتنافرات: البارود والورد, والعصفور الذي يغني والقذيفة, والمزج بين هذه المتنافرات يعكس رؤية الشاعر والزاوية التي يرى منها الصورة, والعلاقات التشكيلية التي يقيمها بينها, فالبارود طريق الورود, والقذيفة هي التي تفسح المجال للعصفور حتى يغني. وإذا كان البلاغيون القدامى يشيرون الى أن العلاقة بين البارود والورود علاقة تجانس, تضفي ثراء موسيقياً, فإننا نشير الى المستوى الإيحائي المغاير, والتوازن الصوتي, وهو توازن يتحقق رغم اختلاف الدلالات بين البارود والورود, الأمر الذي يوفر للنص المناخ الشعري الذي يعمد الشاعر الى تفجيره من خلال مزج المتناقضات, لتتحول في التجربة الشعرية في النص الى نسيج واحد. التجربة الوطنية والتجربة الوطنية تجربة عاطفية بالدرجة الأولى, وهذا ما يطرحه الشاعر سميح القاسم في قصيدته (ك ـ ت ـ م) . ها هنا يجتمعون ها هنا يجتمع العشاق ليلا وهنا يحتفل القناص يغشى حزنهم يغتالهم, في كل ليلة واحداً في كل ليلة واحداً لكنهم لا ينقصون! تتوزع بنية النص بين العشاق, والقناص, ولفظة (العشاق) تشي بالفعل الذي يقومون به, كما أن لفظة (القناص) تفضح الفعل الذي يأتيه, ومن هنا فإن العلاقة التي تنشأ بين الطرفين هي علاقة قنص / اغتيال, ولأنهم (عشاق) فإن النص لا يفصح عن معركة, وإنما يكشف عن اصطياد, هذا الاصطياد الذي يتواصل في كل ليل, الأمر الذي يشير الى تمكن القناص من العشاق والقدرة على (تصفيتهم) . الى هذا المستوى فان النص يسير هادئاً, ولا يمنح مجراه أية دلالات شعرية, إلى أن يورد الشاعر السطر الأخير في النص, الذي يفجر كل الطاقة الشعرية في النص, فرغم تواصل الاغتيال كل ليل, إلا أن العشاق لا ينقصون, إذن القناص لا ينتصر. ورغم أن في هذه الشحنة الشعرية ملامح رومانسية تنحاز للعشق وللوطن, وتنحاز ضد القنص والاغتيال وصوره, إلا أنها تأتي بمثابة إيجاز لتجربة إنسانية, تؤسس لانتصار قيم الحب, التي قد جاءت بديلا لشعارات عالية الصوت كالوطنية والفداء والتضحية. ويعيد سميح القاسم تشكيل التفاصيل, ليقدم من خلالها حقائقه الشعرية التي أعاد اكتشافها. في تجربته الحياتية والفنية معاً, يقول في قصيدة الروح وردة (ك ـ د ـ ر) : وردة روحك فازرعها على راحتك الارض ووزع جسمك الحارق في جسم الوطن هذه التربة رحم لا كفن ان كل شيء يؤدي الى الحياة, حتى الموت, تلك هي الحقيقة, وذلك هاجس الشاعر الذي يسيطر عليه, ويوجهه, وهو أيضاً الذي يسهم في تشكيل رؤيته الفنية والجمالية, فيعيد الشاعر إقامة العلاقات بين الأشياء, ليقدم من خلالها الحقيقة التي يرغب. ان جملة من العناصر تسهم في تقديم الرؤية, فالروح وردة تزرع, والأرض راحة, والموت توزيع لجسم الانسان في جسم الوطن, والتربة تتحول الى رحم, فالموت اذن ـ من خلال التفاصيل السابقة ـ ميلاد جديد, يحمل الخصائص نفسها و(الجينات) ذاتها. هذه الرؤية هي التي تبرر تفاؤل الشاعر, وتمنحه المصداقية, فالشاعر يطرح رؤية استشرافية تتضح تماما في إصراره على أن يؤكد (حتمية) العودة, والشاعر يطرح ذلك من خلال اعتنائه بالتفاصيل, ففي قصيدته (الى بيته) يقدم صورة لرجل فلسطيني يمشي الى بيته, ويصرخ يسقط الرأس عن جسمه, وهو يمشي الى بيته, ويسقط الجلد عن لحمه, وهو يمشي الى بيته, ويسقط المنكبان, وهو يمشي الى بيته, ويسقط الصدر والحوض والركبتان, وهو يمشي الى بيته, ويسقط الكاحلان, ولكن هذا ليس انتهاء لمسيرة العودة, فسقوط الرجل لا يعني ضياع حقه في العودة, فالحذاء من بعده, يقوم بذلك, يقول: (الحذاء الذي لفظته الدروب الحذاء الذي مزقته الخيانات واستترفته الحروب ظل من بعده ظل يمشي.. الى بيته.) لعل هذه الرؤية الاستشرافية تنطلق من ايديولوجيا تؤمن ـ في طرحها الاول ـ بضرورة الإبقاء على باب الأمل مفتوحاً أمام المناضلين, لأن ذلك كفيل بدفع الهمم الى الوصول الى الأهداف الثورية, إلى آخر هذه المقولات, وقد اندفع البعض الى تقديم التفاؤل وفتح أبواب الأمل حتى ولو كان الواقع لا يطرحها, ولكن سميح القاسم في هذا النص يقدم مبرر التفاؤل متمثلاً في هذا الإصرار العجيب على النضال حتى ما بعد الموت. تكوين التفاصيل ولكن اهتمام القاسم بإعادة تكوين العلاقات بين التفاصيل لاكتشاف الشاعرية فيها, يفلت من يد الشاعر في قصيدته الشائعة عن أطفال الحجارة, فيقدم نصا انفعاليا عالي الصوت خطابيا, يحمل ـ أيضاً ـ الروح التفاؤلية نفسها, يقول في (قصيدة الانتفاضة) موجهاً حديثه الى (غزاة لا يقرأون) تقدموا تقدموا! كل سماء فوقكم جهنم وكل أرض تحتكم جهنم تقدموا .... لن تكسروا أعماقنا لن تهزموا أشواقنا نحن قضاء مبرم تقدموا خطاب صاخب يتناغم عاطفياً مع الانتفاضة, ولكنه لا يعيد صياغتها فنياً, وتفاؤل حماسي يتبنى لغة مباشرة تسعى لتصبح حنجرة للانتفاضة, لا أن تصبح رؤيتها, فالنص مواز للتجربة, والهتاف نموذجها الذي يتبنى التحريض والتحدي. وبقي أن نشير الى ان الشاعر استخدم كثيرا عناوين (مشفرة) على نحو: ف ـ 2 / ك ـ ب ـ ح / د ـ م 48 / أ ـ هـ ـ 5... وليس هناك تفسير منطقي لهذه الرموز سوى أن الشاعر استخدم شفرة تتناسب مع منطق الحصار الذي يعيشه في ظل الاحتلال, وذلك التفسير صالح ومقبول حتى إشعار آخر!. بقلم: د. مشهور فواز