كثيرة هي المفهومات التي دخلت لغة النقد والثقافة الادبية العربية المعاصرة, واخذت طريقها ومسلكها في التداول دون تمحيص, ومن ضمن هذه المفهومات ما اصطلح على تسميته (النص المفتوح) الذي هو اصطلاح يطلق في اتجاهات مختلفة, فحينا يتخذ منطلقا لنعي جميع الاجناس والانواع الادبية ومن ثم التبشير بمستوى جديد من النصوص ينأى بنفسه عن كل التوصيفات والتصنيفات المعروفة, وحينا اخر يتركز استخدام هذا المفهوم في صيغة خلخلة شاملة للمضمون الموضوعي لأي نص بغض النظر عن شكله لحد يجعل اي نص اوقول او كلام مشرعا على قدر من التأويلات ربما يتعدد بتعدد قراء هذا النص, ومفهوم ان توسيعا كهذا, لحدود القراءة ولصلاحيات التأويل, لا يهدد بموت المرجع والمؤلف فقط, بل يهدد بطريقة ما, بتفتيت النص نفسه, وتفكيك الكثير من مسلماته الحقيقية ان لم يؤد الى خروج مطبق بالوعي والتذوق معا, من دائرة المعرفة الى دائرة التأويل, او بكلمة اخرى, من الاستيمولوجيا الى الهرمنطيقا. في عهد المفكرين اليونان القدامى, كانت البلاغة تقتضي من الخطيب ان يقف على منبر في ساحة الاكروبول العامة, امام جميع سكان اثينا, وهو لا يعرف بالضبط الموضوع الذي سيتحدث عنه, ومن ثم, يسأل مستمعيه عن الموضوع الذي يفضلون الاستماع اليه. كانت المعرفة وقتها, والادب والفن والمهارات الحياتية, متساوية تتجاور في نفس الفضاء الثقافي, وتتساند في بناء نفس الموسوعة, ومن هنا كان نص اللحظة اليونانية, لا يعترف بمفهومي التخصص او الموضوعاتية, وبالتالي جاءت معظم النصوص, بهذا المعنى, نصوصا مفتوحة, مشرعة على آفاق خلاقة, تاركة مجال التأمل واسعا, وحدود القراءة بالوان قوس قزح, وهامش التأويل وصلاحياته الممكنة, دون حدود او قيود او عوائق. وقد استمر هذا التقليد وطوّر في الثقافة العربية الاسلامية, فمن يقرأ كتاب الاغاني مثلا, لا يستطيع الجزم بأن ابا الفرج كان يؤرخ فقط لمئات الاصوات, فمن يذهب هذا المذهب يختزل وجها واحدا فقط من وجوه هذا العمل المفتوح, الذي هو ـ في الحقيقة ـ دائرة متسعة في الادب والتاريخ وتأريخا للحركة الثقافية والسياسية والصراع الاجتماعي في صدر الاسلام, كما ان ثمة نصوصا عربية اخرى مفتوحة على آفاق لا حصر لها, كمقدمة ابن خلدون, التي يمكن ان تؤول في مختلف الاتجاهات, ابتداء من حركة التاريخ وصراع العصبيات, وانتهاء بعلم السحر والطلسمات, وفي كل مرة ومع كل عملية تأويل جديدة, تأخذ (المقدمة) مستوى نصيا جديدا, وتتعدد معانيها الموضوعية جذريا, بحسب الموقف الذي نقفه منها, وبالتالي فلا يمكن الجزم بأن لها معنى حاسما محددا بحصر المعنى, وانما شأن اي نص, مجموعة من المعاني والدلالات, التي تتعدد وتتعمق بقدر ما تختلف القراءة, كوجه اخر للاختلاف. وهذا يصدق ايضا على معظم امهات النصوص العربية, فكتاب (الاحياء) للغزالى هو تماما كالمقدمة, نص مفتوح على جميع التأويلات الدينية والمذهبية والفلسفية والاخلاقية وغيرها كثير, هذا حتى لا ننسى (حياة الحيوان) للدميري الذي الف في البيطرة, فاذا به موسوعة ادبية وتاريخية, وطبعا بيطرية, وحتى لا نعدد ايضا اعمال ابي حيان التوحيدي, والجاحظ, والقلقشندي, وابن عبدربه وابن الجوزي وآخرين. انفتاح الشكل الادبي يعتبر الاديب الارجنتيني لويس بورخيس احد اوائل الادباء المعاصرين الذين دعوا لمقولة (النص المفتوح) على مستوى الشكل والجنس الادبي, حيث سعى للتخلص من الاطر المعروفة والمعتمدة, كالشعر والقصة والمقال, فأنتج هو, جنسا ادبيا طليعيا اسماه (الفيسيون) , فيه شيء من آليات السرد القصصي, كما يعكس بعض اختصاصات الكلام المعهودة في المقال الاخباري. ولم يكن غرض (تقليعة) بورخيس هذه (خلط الاوراق) كما يقال, وانما كان يسعى لاستثمار الدمج بين القصة وفن الخبر, وهذا ما فرض عليه الوقوف في مسافة نصية بين التاريخ والادب, وهو هنا يحيي سنة ارسطية, اوضحها المعلم الاول في كتابه فن الشعر (البويطيقا) حين اكد ان افضل طريقة لكتابة المأساة هي الاعتماد على النصوص التاريخية والاساطير وغيرها من الاقوال الاخبارية. وبين زكي مبارك ان ابن دريد يقدم نصوصا لا تضع حاجزا بين الفكر والتاريخ والشعر, وكانت هذه (الخلطة السرية) سبب نبوغ ابن دريد, كما يبين كتاب مبارك النثر في القرن الرابع) , تماما مثلما تحدث الناقد المعروف جورج شتاينر في كتابه (اللغة والصمت) عما اسماه (الجنس الادبي الفيثاغوري) وهو حصيلة المزج بين القصة والشعر والفلسفة. وقد تمكن بورخيس من زحزحة الكثير من صنميات الانواع والاجناس الادبية فقدم نصوصا تستفيد من مختلف ممكنات الابداع في الادب والتاريخ ومع هذا التأريخ المباشر, والعرض الدقيق لآراء ابن رشد الفلسفية, ولبعض مظاهر الحياة الاندلسية, واثناء كل ذلك تنعقد حبكة القصة, ويسترسل بورخيس بتكثيف عوالم قصته ورسم شخصية بطلها, دون ضعف او نقص في السرد, ولا اهتزاز في البنية او جنوح نحو الركاكة والابتذال. النص المتعدد منذ مطلع القرن العشرين, واثناء القرن كله, وقعت محاولات كثيرة لتجاوز الشكل الممتلئ المغلق للنص, ووقع السعي لفتح آفاق الاشكال الادبية التقليدية, وقد قال بول فاليري ذات مرة (ان الادب, ليس شيئا اخر سوى ضروب من التوسع والتطبيق لبعض اختصاصات الكلام المعهودة) . ولعل المدرسة الروسية كانت الاكثر بروزا من البداية, في مجال التركيز على فتح النص القصصي, وتحليل بنيته, حيث نجد ذلك مثلا في دراسات كلوفسكي, الذي ينصحنا عندما نتعامل مع القصص, ان نميز بين نوعين كبيرين من المزج والتركيب في بنية القص والحكي: فهناك من جهة الشكل المفتوح, حيث نستطيع دائما اضافة وقائع جديدة في الخاتمة. ومن جهة ثانية هناك الشكل المغلق الذي يبدأ او ينتهي بنفس السبب, بينما في الداخل يسرد علينا حكايات اخرى, وهكذا يعرض القصة باطلاق نبوءة في البداية, وفي الخاتمة تتحقق النبوءة, ومجهود البطل بين الحالتين يندرج في محاولة تجنبها. ان اهمية هذا التصنيف على مستوى الشكل والصورة الخارجية للنص, تكمن في التعامل مع الشكل القصصي كأفق مفتوح يقابل لأن يضاف اليه بحيث تبدو نهاية اية قصة قابلة لأن تكون بداية سرد لا يخرج عن قالبها, بقدر ما يرسم نوعا من التوازي في بنيتها التي اصبحت ممتدة. والحقيقة ان (ملاحظات كلوفسكي حول مختلف طرق بناء القصة القصيرة تقود الى التمييز بين شكلين يتواجدان في معظم القصص, وهما البناء على المستوى الافقي, والبناء على مستوى الدائرة. فأما الاول فهو شكل مفتوح كالسلوك المتماثل لثلاثة اخوة في حكاية واحدة, او المغامرات المتتالية لنفس الشخصية في القصة ذاتها. مثلا تبدأ القصة بنبوءة او تكهن يتحقق في النهاية رغم ما تبذله الشخصية من جهود. وهنا لا تقدم القصة شكلا مغلقا يوحي بالاحساس بالاكتمال والنهاية, بقدر ما تقدم شكلا مفتوحا يتحقق بأمثل اشكاله في القصص القصيرة والروايات ذات الغرابة كأعمال ديكنز, والروايات البوليسية, وفي كل ذلك يقع نوع من التوازي في البناء كذلك الذي نجده عند تولستوي) . ففي (الحرب والسلام) مثلا يكشف كلوفسكي ان ما يقدمه النص يحمل دائما مضمونا مفتوحا.. حيث نكون دائما امام اطروحة ونقيضها, على نفس المستوى, من خلال ازواج الشخصيات, مثلا (نابليون ـ كتوزوف) من جهة, و (بييريزوكوف ـ اندريه بلكونسكي) وفي نفس الوقت هناك روستوف الذي يصلح محورا مرجعيا لهذا او ذاك, وهكذا تتعدد المدارات داخل رواية (الحرب والسلام) وتتدرج معا, فمثلا (كثير من اعضاء عائلة واحدة يمثلون نفس الطبائع, ولكن بمراتب مختلفة, ففي رواية (أنا كرنينا) لتولستوي توجد ستيفاني من حيث ميولها في وضع سفلي بالقياس الى اختها. وبصفة عامة فإن لكل نص قصصي, من هذه الزاوية, معان ومستويات شكلية لا حدود لها, ومثل هذه الرؤية تجدل من على رأس النص تاج كلامه وجاهزياته,وتتركه (مفتوحا خارج كل جواب. ومن هنا يصبح لغزا وسؤالا مطروحا على العالم) , وقد نبه شومسكي مرة الى ضرورة التعاطي مع اي نص لا في معانيه الممتلئة ولكن في المعنى الفارغ الذي يسع جميع المعاني والمفاهيم والقراءات. وهذه المسألة ليست حكرا على النصوص الابداعية من شعر وقصة وغيرها, وانما تصدق ايضا على اي نص ادبي حتى ولو كان ما وراء لغوي كنصوص النقاد, فتعددية فضاء نص الاديب, توازيها تعددية مماثلة لصوت الناقد, وهكذا (تتجاوب التعددية المحتومة لنص الكاتب الذي يتساءل في شكل تأكيدي مع تعددية الناقد الذي يجيب في صيغة المتسائل) . وعندما يصبح النص, نص الناقد, مفتوح المعنى, غير محدد او مقيد, (يصبح الناقد كالعاجز عن النطق, والمعدوم من كل ضمائر الكلام ولا سيتطيع أن يتحدث الا خطابا مثقوبا.. ولا يتبقى له سوى ان يصمت عبر نوع من الدرجة الصفر للمتكلم. ومن هنا فإن انا الكاتب ليست ابدا فيما يقول, ولكن فيما لا يقول, او بالاحرى في انقطاع نفسه الذي يميز كل خطاب, نشأة ومصيرا. التناص ان الحديث عن اي فتح لأفق النص, سواء في جعل شكله مرنا غير معياري, او بقولبته وقراءة مضمونه بمعان أوسع, او لنقل توسيع معناه الموضوعي, كل ذلك مهد لظهور مفهوم التناص الذي يشير للتقاطع والتلاقي بين النصوص المختلفة. فمنذ تحدثت الناقدة جوليا كريستيفا في دراساتها حول باختين عن التداخل والحوارية, وتعدد الصوت. اصبح هذا المفهوم شائعا في الثقافة الادبية, وان كان باختين نفسه في كتابه عن (فلسفة اللغة) قد استخدم مصطلح (تدخل) ليصف ما اسماه (تداخل السياقات) او (التدخل السوسيولفظي) وغيرها. وتكمن خطورة مفهوم التناص في انه يعني ان كل نص يبقى مشرعا في معناه على غيره من النصوص الاخرى, وعندما تتسع الدلالة لهذا الحد يخشى الا يصبح لها معنى محددا على وجه الدقة. وهكذا ظهر مفهوم التناص, ودرج في الاستعمال بصورة منتظمة وجدية عند جماعة (تيل كيل) الادبية الفرنسية التي استثمرته استثمارا بعيدا لنعي الجنس الادبي وطرح صيغة (النص المتعدد) , والذي يتوالد في الان عينه, من نصوص سابقة عليه. واذا كانت كريستيفا هي صاحبة التوضيح المنهجي الاول لمسألة التناص, فإنه في المرحلة التالية تحول الى قاعدة لا غنى عنها في حقل الخطاب الادبي والنقدي عامة لدى اجيال منذ السبعينيات وحتى الان. ويستند نعي الاجناس الادبية, وفتح الحدود بينها كنصوص, الى نوع من الغاء الموضوع المعطى في العمل الادبي اصلا, فلابد حسب جماعة تيل كيل وكما يقول احد ادبائها جان لوي بودري (من ان يختفى الموضوع المقدم على انه سبب للكتابة) , وهذا ما يتفق تماما مع مقولة كريستيفا حين نبهت الى ان (مفهوم الموضوع في العمل الادبي ذاته, لابد أن ينفجر ليصبح صلة وصل بين المعرفة والممارسة) . هذا هو اقل تقدير يمكن ان ينجم عن رؤية متفتحة كهذه, ترى النص الابداعي طيفا واسعا تتقاطع فيه الوان لا حصر لها من النصوص الاخرى التي تتبادل معه التأثر والتأثير, وقد لخصت جماعة (كتاب نظرية المجموع) هذا الطرح, مرة على لسان رولان بارت حين تحدث عن طبقات اي نص باعتبارها (جيولوجيا كتابات) ومرة اخرى على لسان فيليب سولرس حين كتب: (ان كل نص يقع على مفترق طرق بين نصوص عدة, فيكون في آن واحد قراءة, وامتدادا وتكثيفا ونقلا وتعميقا لها) . وبهذه الطريقة تكون اية عملية انتاج للنصوص ليست فقط محكومة بأثر النصوص الاخرى عليها, وانما تصبح طبيعة هذه الانتاجية ذاتها موبوءة بروح المتعدد الذي يتحدث على لسانها, وبالتالي يتحول النص تحت آلية (التناص) الى جوقة من الاصوات المنسجمة المتناغمة ان على مستوى الشكل او على مستوى الموضوع, الذي وقع تفكيكه وتفتيته ولم يعد له معنى موضوعي محدد, وانما اصبح افقا مفتوحا, وبابا مشرعا على جميع التأويلات. ومن شأن فتح هذا الافق النص, وتوسيع حدود القراءة وصلاحية التأويل, ان تمهد لاعادة النظر في معنى وعمق العمل الادبي, بل وان تسمح ايضا بنقد استجابة القارئ الذي لم يعد مستهلكا عاديا للنص, وانما منتجا له, وقد علا صوته على حساب المؤلف الذي تحدث بارث عن موته في حالة كهذه. ولنتذكر ايضا ان السيميولوجي الايطالي امبرتو ايكو حين نشر كتابه (العمل المفتوح) نبه الى ان عملية تلقي واستكناه اي نص يجب ان تكون لا نهائية فلا يوجد عمل مكتمل ولا قراءة ناجزة بهذا المعنى بل اننا واجدون في كل عمل فني عمقا قابلا للتجديد دائما, كلية اندماجية, وبإيجاز (انفتاحا) لأن هذه التجربة تجد لها كأساس التنظيم المزدوج.. ان الانفتاح ليس متعلقا بالمحفزات الموضوعية, التي هي بدورها محددة, كما انه ليست بسبب ذلك مرتبطة بالموضوع المهيئ بدوره لكل الانفتاحات ولأي انفتاح في آن واحد. ان اطلاق مفهوم (النص المفتوح) على اي شكل ادبي يتحرر من الصيغ والاجناس الادبية التقليدية حينا, وحينا اخر السعي لفتح معاني وفضاءات النص الداخلية وتفتيت دلالاته, بل واغتيال موضوعه, ليس كل ذلك هو غاية مطمح النظرية الادبية الحديثة. فهي ليست نظرية هلامية او عدمية, تستذكر مقولة افلاطون حين تساءل في محاورة (السوفسطائي) قائلا: (الا يلزمنا التأكيد على اننا لا نتكلم, على الاقل حين نبدأ التلفظ بخصوص اللاموجود) ؟ وانما هي تستحضر, بوجه من الوجوه, مقولة فرويد القائلة (ان تحقيق وظيفة الفهم والحكم, ليست ممكنة الا بخلق رموز النفي والتجاوز) . وهكذا ينظر الى النص بهذا المعنى كأفق اخر, طريقة في الفهم والقراءة, وآلية في انتاج النصوص, تتجاوز شكلا وموضوعا, الكثير من جاهزيات ووثوقيات بل وصنميات النصوص التقليدية. وهو افق بعكس سابقه, غير ممتلئ, ولكنه حافل بالوعود, واولها وعده بتجاوز الكثير من مسلمات تاريخ الممارسة الادبية, فهو بهذا المعنى منزوع التاريخ لا يذكر بالأمثولة القديمة, لأن الحكمة والابداع تأتي كمسافر بلا امتعة, شذرة مبتورة بلا تراث.
