مع تسارع وتيرة قفزات الاعلام الهائلة التي اجتاحت ميادين الصحافة والاذاعة والتلفزيون في علاقة وثقى لا تنفصم عراها بسهولة وعفوية عن التقدم التكنولوجي والمعلوماتي, بدأت الدهشة الاولى للبدايات تفقد رونقها في عيون الجميع. فالمذيعة التي كانت تطل بحيائها وتلعثمها الناتج عن قلة الخبرة ويحتفي بها المشاهدون, تبدلت موازينها وغاصت في عوالم التنافس وجذب الجمهور وارتبكت لدى الكثيرين المعايير التي ركنت إلى ثباتها في الماضي. واذا كانت الاقلام مازالت تتحكم بدفة العرض والطلب في الصحافة المكتوبة, فان تحدياً آخر تعيشه الوسائل الاخرى. خريجة نقد وأدب مسرح, حاصلة على دبلوم في الفلكلور ودبلوم عالي في الاعلام, بلغت عمراً اعلامياً قارب الاربعين, هي التي القت اولى تحياتها في الأول من يونيو 1964 عبر أثير الاذاعة الشعبية التي تحولت لاحقاً إلى اذاعة البرنامج الثاني الموجهة من الكويت. أمل عبدالله اول مذيعة استمع اليها الجمهور الخليجي خارج بلدها, سبقتها اصوات كويتيات في الاذاعة العادية مثل باسمة سليمان وأمل جعفر. تمثل حقبة ولادة الاعلام المسموع في الكويت وتتواصل مع الجيل الجديد. تعرّف نفسها كمذيعة ومقدمة برامج وتذكر ان آخر منصب اداري شغلته كان ادارة قطاع الدراما والبرامج الخاصة في الاذاعة. تبتسم وتضيف (انا متقاعدة منذ ثلاث سنوات وابحث عن عمل!) . تمتد تجربة امل عبدالله عميقاً في المحاولات الابداعية, فهي تحمل اليوم ثلاث جوائز في الكتابة الدرامية من عدة دورات لمهرجان القاهرة للاذاعة والتلفزيون, حازت على الاولى عام 1997 عن مسلسل (الحكاية الشعبية في الادب الاندلسي) , والثانية عن مسلسل (ابن زيدون) , والثالثة عن سهرة درامية عن الشاعر (فهد العسكر) . ولديها ايضاً جائزة سينما الاطفال التي تقام تحت رعاية الامير طلال بن عبدالعزيز عن الفيلم الكرتوني (الشجرة المنتصرة) الذي كتبت له السيناريو والحوار. تتهيأ امل عبدالله الآن لمشروع فرقة المسرح الشعري ابتداء من شهر اكتوبر المقبل, وتقول انها ستتناول فيها المسرحيات الشعرية ليست كما هي في بطون الكتب انما ستكثفها وتجدد في رؤيتها الاخراجية, وتحاول ان تقرب هذا الشكل المسرحي المفقود من الناس خاصة وان (الكلمة الشعرية هي التي تستطيع أن تجذب المشاهد) . وتؤمن امل ان هناك اسماء اعلامية عربية هي التي تعبت على نفسها بجهود فردية. اصدرت ثلاثة كتب هي (حروف الاثير) , (حوار من اجل الغد) , ودراسة عن (الموال في الوطن العربي) . التقيناها اثناء (الايام الثقافية الكويتية في الشارقة) هي التي لم تزر الامارات سوى مرة واحدة سنة 1963, وتجذبها البيئات الخليجية لرغبة لديها في البحث بين بقايا الفلكلور. أغاني النساء * اخبرتنا ان رسالة الماجيستير التي تحضرينها هي عن اغاني النساء في منطقة الخليج, كيف نشأت لديك هذه الفكرة, ولماذا النساء بالذات؟ ـ طوال مدة عملي في الاذاعة, كنت اميل في برامجي للاهتمام بقضايا الفلكلور ومسائل الموروث الشعبي اجمالاً. وتولدت لدي الفكرة عندما وجدت تطابقاً وتشابهاً في بعض المجتمعات, وتنافر واختلاف في مجتمعات اخرى. ورأيت ان اقوم بدراسة عن منطقة الخليج بالتحديد, واظن انها واسعة, فالمملكة السعودية تكاد تكون مختلفة فيما بين المناطق فهي ليست كالكويت او الشارقة. واشبهها من حيث التنوع والتعدد في العادات والتقاليد والبيئات والاشكال بالبحرين وسلطنة عمان. * جيل الرائدات الاعلاميات, هل مازال فاعلاً وحاضراً بقوة على الساحة, أم حدثت القطيعة مع البدايات؟ ـ مرت على الاعلام المسموع الكثير من الاخوات اللواتي بدأن, لكن السبل تغيرت فيهن, هناك من سافرت واخريات آثرن العمل في مكان آخر, أو تقاعدن وجلسن في البيت. وأكاد أكون أنا فقط مع زميلة ثانية من الطالبات الوحيدات اللواتي استمرين في تقديم البرامج والتواصل مع عالم الاعلام. * فترة الستينيات لم تكن سهلة على المرأة في الولوج الى آفاق الاعلام خاصة وان المرحلة لم تكن تنظر بعين الرضا الى مثل هذه المشاركة؟ ـ بدأنا في اوائل الستينيات عبر الاذاعة التي هي نوعاً ما محتوية على ستارة مسدولة على الصورة, الناس تسمع الصوت وحسب وليس بمقدورها معرفة الشخصية رغم اننا نعلن عن اسمائنا. كانت الاذاعة لمدة معينة من الزمن غير كاشفة. وربما تكون الكويت قد حباها الله باعطائها شخصيات ذات فكر متنور على رأس هؤلاء المرحوم الشيخ جابر العلي وزير الاعلام الاسبق, اذ تولى مسألة التشجيع والدعم وكان الكثير من المسئولين يأخذون بيدنا ويوجهونا, وكانت الصحافة ايضاً آنذاك قد افسحت المجال للترحيب بوجود فتيات كويتيات يعملن في هذا الميدان. خاصة لو علمنا أنه في الكويت كان هناك مدرسات وممرضات وموظفات في وزارات الصحة والشئون الاجتماعية والعمل, وباشرت هذه الاخيرة بانشاء معهد تدريب الفتيات يمنح درجة دبلوم بعد المرحلة المتوسطة, وكان يعلمهن الشئون المنزلية والتطريز والخياطة والخدمة الاجتماعية وبالتالي يعطيهن الفرصة للعمل في مختلف ادارات الدولة. هذه المبادرات والتشجيع أعطى بعض الثقة للمرأة أو الفتاة كي تقتحم مجال العمل بقوة, وتحديداً لو علمنا ان الكويتية, لا أريد أن اقول انها صدامية, تسعى حتى النهاية بكل الجهات كي تحقق ما تريد. وأنا بطبيعة الحال واحدة من هؤلاء الفتيات. ورغم العديد من الانكسارات التي واجهتها في العمل اضافة الى الاحباطات مثل التخطي في المراكز الوظيفية, فأنا من الاوائل والاجدر ان أكون على رأس احدى الاجهزة الاعلامية, بينما الرجل هو الذي دائماً ما يوضع على (الحجر) رغم اجتهادنا ومثابرتنا. والغريب انه مع اعتراف الكل من مسئولين وجمهور بأني عنصر جيد وناجح ومشرف لم آخذ حظي في السلم الوظيفي, بينما هناك رجال اقل مني كفاءة بمراحل ووصلوا الى اعلى المراتب. وهذا لا يصب في باب الحسد, انما هي كلمة حق يجب ان تقال. مميزة ومتفردة * تقولين ان المرأة الكويتية مثابرة, وتقول آراء خليجية أخرى في المقابل أنها ذهبت بعيداً في حريتها مقارنة مع اترابها, ويحكى عنها وكأنها خرجت على المألوف بشكل فاضح؟ ـ ما تقولينه لا يتعارض وقولي انها مثابرة وتسعى, فهي امرأة دؤوبة, ولتكن الآراء الخاصة بالآخرين, فالكويتية تشعر باستقلاليتها ولها شخصيتها المميزة والمتفردة. ولا استطيع ان اقول عن بقية اخواتنا في الخليج انهن مستكينات ويمشين في ظل الرجال, انما طبيعة المجتمع مختلفة. وهذا ناتج عن ان التعليم النظامي والمفتوح أمام الجنسين في الكويت بدأ في العشرينيات وكان قبله التعليم لدى المطاوعة, وكانت الفتاة تأخذ نصيبها لدراسة القرآن الكريم ودروس الدين جنباً الى جنب مع زميلها الصبي فيما يسمى الكتاتيب. وربما هذا العامل اضافة الى اشتراكها في العمل بوقت مبكر, حيث عملت في التدريس منذ الاربعينيات واذكر مريم عبد الملك الصالح في العام 1938, وايضاً الدستور ووجود مجلس أمة اي الممارسة الديمقراطية اضفت على المرأة الكثير من استقلالية الرأي وحرية التعبير عن نفسها. * لكن مع كل ما وصلت اليه المرأة الكويتية وما يثار في موضوع الديمقراطية وضمان حقها الدستوري, مازالت العقبات قائمة والمطبات التي لم تقدر ابداً على تخطيها مع اقرار العديد من المسئولين بتلك الحقوق؟ ـ لكن الوضع يتغير عندما نصل الى الانتخاب والترشيح. دعينا نؤكد ان المرأة آتية للمجلس لا ريب فيها, ونحن قادمون وهي مسألة وقت فقط. فما دمنا على الشرعية من أكبر سلطة في الدولة صاحب السمو أمير البلاد الذي اصدر مرسوماً اميرياً باعطاء المرأة هذا الحق. ويجب ان نذكّر بأن هذا المرسوم في مجلس الامة سقط بفارق صوتين ليس الا وهذا الرقم في المنح او المنع لا يؤدي الى مشكلة حقيقية في تقرير مصير الشعوب. ولو نظرنا بعمق لمسألة فارق الصوتين, كيف اتى؟ علينا ألا ننسى ان هناك تيارات مختلفة اسلامية وتقدمية وطليعية. وربما احدها معنا اليوم وغداً ضدنا باختلاف المواقف والحسابات, ومن الغريب ان الليبراليين لم يصوتوا معنا. وفي النهاية ان الرائد هو الصالح العام, فأي امرأة تريد ان تدخل المجلس ليس بهدف البرستيج انما بغية خدمة قطاع معطل في هذه المؤسسة. دور ملموس * هل تعتبرين ان الاعلامية الخليجية تخطت فعلاً كل العقبات وما هي الانجازات التي حققتها باستثناء دخولها الى ميدان الاعلام؟ ـ يكفي, ان للمرأة في مجتمعات صغيرة دور ملموس. وشخصياً لم احقق تواجدي في جهازي الاذاعة والتلفزيون فقط, بل توصلت الى ان اصبح عضواً في لجنة البرامج الدائمة في اتحادات الدول العربية وهذا منصب انتخابي, وعضواً في اتحاد المنتجين العرب. فعملنا لا يقتصر على تقديم البرامج والاذاعة, انما لنا مساهمات في تجمعات اعلامية كبيرة والكثير من الاعلاميات الخليجيات انجزن في مجالهن الاعلامي, وهذا بحد ذاته نقطة مضيئة جدا في مجتمعات تحسب خطوات المرأة, وهناك الكثيرات في الصحافة والاعلام ككل بأشكاله المتنوعة. * برأيك ما المفروض أو المفترض منها ان تنهض به حتى تقدر على المجاهرة بما انجزته؟ ـ الآن, بفضل الفضائيات اصبحنا كلنا مكشوفين على بعضنا, ويجب على الاعلامية الخليجية عبر الاذاعة والتلفاز ان تدعم موقعها بالمزيد من الثقافة والمثابرة على العمل والعلم. فقد بدأت العمل وأنا احمل شهادة المتوسط غير اني اكملت, اذ ليس من العيب على المرأة ان ترتقي بمستواها وتطور نفسها خاصة وان عامل المنافسة يشتد أكثر مع تضاعف احتمالات التحديات. ففي السابق كان الناس يفرحون بمجرد رؤية المذيعة والتي كانت تربط بين الفقرات وتخطئ حتى في جملة واحدة هل كل ما تعلنه اليوم لا مكان متبقٍ لأنصاف الموهوبين والحضور هو للأصلح والاقوى والأكفأ. * في احدى لقاءاتها الاعلامية, توجه الفنانة سعاد عبدالله تحية لأمل عبدالله كونها كانت الدافع الاساسي في مساعدتها على دخول المسرح وعلى تخطي كلمة ممثلة وما تثيره في المجتمع؟ ـ سعاد عبدالله لا تقول هذا الكلام اثناء وجودي! الحقيقة اني انظر الى سعاد ليست كأخت رغم عدم وجود فارق كبير في السن انما كأنها ابنتي, وقد تبنيت موهبتها. ومنذ المسرح المدرسي احسست ان لديها بذرة تمثيل خاصة واني لم اكمل تعليمي في ذلك الوقت لكني كنت قارئة. واخذت بيدها في العام 1965 وقدمتها لمحمد النشمي في المسرح الكويتي وكانت من اوائل الممثلات في هذه الفرقة وقد دخلت معها, لكن بعد التجربة الاولى لعدد من صديقات سعاد اللواتي أتين معها في (حظها يكسر الصخر) وجدت ان من الصعب ان أكون ممثلة في يوم من الايام فآثرت ان أكون عضواً ادارياً في الفرقة بعد ما كانت عضواً مؤسساً وعضواً في اللجنة الثقافية اقرأ النصوص واجهزها. قضية تخطيها لحاجز كلمة ممثلة جاء جراء نصيحتي لها (اذا أردت أن تصبحي ممثلة ويحترمك الناس عليك باحترام نفسك وموهبتك) . وسعاد من الممثلات اللواتي احترم شخصيتهن وأثبتن وجودهن وبقين في الساحة. * تخصصك في النقد الادبي والمسرح, كيف استفدت منه اعلامياً؟ ـ الدراسة للمثقف والحصول على شهادة هي تقنين لما اخذه من معلومات جراء قراءاته. وقبلاً كانت ثقافتي محصورة بالعربية وعندما دخلت المعهد اطلعت على الكلاسيكيات والادب اللاتيني وادب العصور الوسطى فكان الاطلاع اوسع بالتأكيد. * تعتبر الكويت الى جانب البحرين من أكثر الدول انفتاحاً في الخليج في السنوات المبكرة, فكيف يمكننا اليوم تقييم اعلام الكويت وقد عاصرت نوعاً ما نشأته الاولى؟ ـ اعلام الكويت يكاد يكون في المقدمة لكننا نحتاج الى مزيد من الدعم والتشجيع اقصد دعم دور الاعلام ككل, فهو لا يقل اهمية عن الدبلوماسية والسياسة في خدمة قضايا اي وطن. هذا الى جانب الدعم المادي ووضع الانسان المناسب في المكان المناسب, وابعاد الشللية والمحسوبيات. اتقان الاعلام * اذا اتفقنا ان دخول المرأة الخليجية الى التلفزيون ليس اسهل من اقتحام عالم الاذاعة, هل نربط ذلك بعدم مشاهدة الكثير من وجوه بنات البلد على الشاشات الصغيرة؟ ـ لست ادري, مازالت الفكرة ان التلفاز يتطلب مواصفات خاصة لجهة نظام العمل وعدد ساعات الدوام. ونرى الاغلبية لا تتجه الى الشاشة حتى في الكويت, وأظن ان هناك غياب للحوافز المادية, فالمذيعة التلفزيونية والاذاعية مازالت تعامل كأي موظفة في القطاعات الاخرى بما فيها التعليم. وتجد انه من باب اولى ان تلجأ الى التدريس كونه اسهل ولا يتطلب تكاليف اضافية على الملابس والحضور والتعرض للنقد من الصحافة والناس لو انها اخطأت, فالمسئولية أكبر ولا يوازيها تعويض عن هذا الالتزام. واعتقد ان الدعم المادي شيء اساسي ومهم في الارتفاع بمستوى العمل. * مع مرور كل السنوات عليك, مازلت تمارسين العمل ذاته, هل لأن الاعلامي لا يتقن سوى الاعلام في نهاية الامر؟ ـ صحيح, ان مشكلتي اليوم انه ليس لدي سوى الاعلام, واضعت فيه سنوات عمري من غير تأمين خط رجوع في وظائف اخرى. لا اعرف سوى الاعلام ولا امتهن غيره سواء في عملي الخاص أو العام, وعلى قدر جهدي وصحتي سوف استمر. * ألا تشعرين ان الاعلامي مظلوم في حقوقه وضماناته الوظيفية, ولديه ضبابية في مستقبله في العمل؟ ـ بالتأكيد انه مظلوم. والمفروض في الاعلامي ان يزداد خبرة كلما تقدم في العمر, لكن بعض المسئولين ينظرون الى المسألة من ناحية الشكل فمادام الاعلامي قد وصل الى سن محددة لا يشارك أو يقدم اشياء معينة. من الممكن ان تستغني محطة عن مذيع كان يشتغل عندها بالامس. واطالب اتحاد اذاعات الدول العربية بتأمين هذا الاعلامي واظن ان مشروعاً في هذا الاطار لايزال قيد الدرس. * هل زرعت الاعلامية الخليجية وجودها خارج الاطار الجغرافي الضيق وهل تؤثر عليها النماذج التي تصل حد المياعة فضائياً؟ ـ نحن لا نقيس على هذه النماذج, بل على المستوى السوي المتعارف عليه ادبياً, والمعايير الاخرى التي تتمتع بها مذيعات الفضائيات نادرة لدى نساء الخليج ويصعب ان تعملها لذلك لا تتقدم وغيرها يسبقنها. * هل نستطيع الحصول على ارقام تقريبية فيما يخص الخارطة الاعلامية في دولة الكويت ومنطقة الخليج؟ ـ نسبة الاناث قليلة جداً مقارنة مع نسبة الذكور في عالم الاعلام الكويتي والخليجي, بينما تتفوق في قطاعات اخرى حيث وصلت في قطاع التدريس الى 80% وفي الجامعة تجاوزت 50%. حوار: رندة العزير