منعت القوانين في ايران ظهور المشاهد المباشرة في الافلام, لذا فان دهشة المتفرجين الايرانيين عالية وهم يشاهدون فيلم (امرأتان) , الفيلم الذي انهى شهره الرابع بنجاح وهو يعرض في دور السينما على طول البلاد الايرانية وعرضهات. ففي هذا الفيلم لقطتان كانتا من قبل محرمتين: الاولى لامرأة متزوجة حديثاً تقف عند قدمي السرير المشغول بزوجها النائم نوماً خفيفاً, سيعتبرها المتفرج بانها تلميحاً مألوفاً لمشهد حميمي. اللقطة الثانية لنفس المرأة وهي منكمشة من الخوف امام زوجها (الذي يتحول الى ثور هائج) سيكون من الصعب اعتبارها لقطة شديدة الغرابة. ورغم النهاية القوية والمؤثرة التي تكشف فيها فيرشت, الزوجة المغرر بها, عن تعاستها, فان (امرأتان) عمل معيب وفق المعايير التي تنتمي للعقود الماضية والتي تخص مخرجي السينما الايرانية. لكن اهمية الفيلم تكمن خلف نوعيته المعتدلة. لقد كان على مدراء السينما الايرانية ان ينتظروا اربع سنوات وانتخاب الرئيس الليبرالي محمد خاتمي حتى يحصلوا على السماح بعرضه. وعندما انطلق اخيراً شاهده المتدينون المحافظون وكان بالنسبة اليهم صدمة للافكار التقليدية التي تخص الزواج وبدأوا في الاحتجاج. قبل انتخاب الرئيس خاتمي كانت الحكومة تستنكر فنوناً مثل المسرح والموسيقى الغربية وقراءة الرواية, خائفة من ان اشكالاً فنية كهذه سوف تفسد النظام الاسلامي الصارم الذي ترسخ عقب الثورة الايرانية قبل عشرين عاماً. حتى بعد ان رفع مرسوم تحريم الموسيقى فان الاستماع الى الاغاني على المستوى العام وقراءة الترجمات الايرانية للعديد من الروايات الغربية بقيت امورا محظورة. لقد كانت الرقابة صارمة. لكن مع الشعبية التي حققها فيلم (امرأتان) بدأت الامور تتغير. والفضل في ذلك يعود الى عطاء الله مهاجراني, وزير الثقافة المقرب من خاتمي. يقول مهاجراني بان الموسيقى الكلاسيكية الغربية جميلة بشكل لا يمكن لاحد تجاهله, وهو تصريح يخفف النفور الايراني من الثقافة الغربية (المنحطة) ويؤكد على قيمة الثقافة الدنيوية بشكل عام. ومنذ ان بدأت وزارة مهاجراني السماح بجميع النشاطات الثقافية اصبحت نتائج التقييم ذات قيمة. لقد اصبح الايرانيون يشاهدون ويقرأون ويسمعون اشياء كانت محظورة قبل ثلاثة اعوام. وفي هذه الايام اذا كنت في طهران وكان لديك وقت في المساء, يمكنك ان تنضم الى الطبقة الوسطى للمدينة وتشاهد عرضاً مسرحياً بذيئاً يقدمه داوود ميرباجيري, والذي كان اخر عروضه كوميديا (السن الذهبي) قد شهد اقبالاً واسعاً في اكبر مسارح العاصمة. يمكنك ايضاً ان تعود الى البيت حاملاً معك الترجمة الايرانية لرواية (الخلود) لميلان كونديرا والتي لم تكن متوفرة من قبل, وتستمع الى موسيقى علي رزا اسار. وكل ذلك دون الخوف من الاعتقال. ان موسيقياً مثل السيد اسار, المتأثر بالتون جون بقدر ما هو متأثر بالشاعر الصوفي حافظ الذي عاش في القرن الرابع عشر, قد استجاب للتغيير في المواقف الرسمية بسرعة زائدة ومبتكرة. الالبوم الاول للسيد اسار, والذي بعنوان (المهاجرون الرومانتيكيون) قد بيع منه اكثر من ثلاثمئة الف نسخة لمستمعين من كافة المهن. ومنذ اسابيع قليلة غص احد مسارح طهران الذي يتسع لثمانمائة كرسي بمسمعيه الذين جاءوا لمشاهدة اداءه الحي. ان حفلات كهذه لم تكن قائمة في ظل الحكومة السابقة, وحتى الان فان الصفير والهتاف ممنوعين, كما انه يوجد تحذيرا للنساء من استغلال العتمة لنزع الحجاب. ومن الطبيعي ان يكون الرقص ممنوعاً. ورغم القيود فان بعض الممارسات الغربية يبدو انها تزحف نحو موسيقى البوب الايرانية. ان تخفيف قيود الرقابة قد جعل الحياة اسهل بالنسبة لموسيقيي البوب الايرانيين, كما للروائيين والكتاب المسرحيين. وربما يكون تأثيرها على الصناعة السينمائية الايرانية هو تأثير متعدد الجوانب. وبحسب عباس كيروستامي, وهو احد المخرجين الايرانيين المشهورين عالميا, فانه ليس صدفة بان تكون السينماالايرانية قد ازدهرت خلال مرحلة القمع الثقافي, فالتقييد ولد الابداع. وبينما يخاف بعض المخرجين الايرانيين من ان يجعل تخفيف الرقابة على السينما الايرانية اكثر التزاماً بالاعراف, فان الاغلبية قد رحبت بالتساهل الذي اظهر مؤخراً تجاه افلام مثل (امرأتان) خصوصاً اولئك الذين كانت اعمالهم مستنكرة من قبل الحكومات السابقة لاسباب سياسية. وقد ظهرت الان من جديد. وبهرام بايزي هو الاكثر شهرة. ففي رائعته (باشو, الصغير الغريب) يقلق بايزي التقليديين بزرع امرأة متحررة عقلياً في مركز القصة التي تتحدث عن التمييز العنصري في قرية في شمال ايران. لقد كان الفيلم ممنوعاً قبل اربع سنوات والسيد بايزي كان مشبوهاً في نظر العديد من الايرانيين. لكنه الان عازم على البدء بتصوير فيلم روائي جديد, وهو فيلمه الاول منذ عام 1992, وهو يقول بان الوضع لم يزل غير ممتاز, لكنه يتحسن. اعداد: ناصر ونوس
