حتى وإن لم تنل حظها من الجوائز العالمية والاضواء الباهرة, فإن ثقافة الشرق متواجدة بقوة وبصلابة في كل مفاصل المشهد العالمي, وسواء اعترفت المهرجانات الكبرى بسينما وادب وموسيقى لا تأتي من الولايات المتحدة ام لم تعترف, فهي موجودة كالشمس ولون السماء ووجود الانسان الذي لا ينكر. في مهرجان كان الاخير لمعت الايرانية سميرة مخملباف صاحبة الالواح السوداء وهي الاصغر بين مخرجي العالم (20 عاماً) كما نظرت لجنة المهرجان في افلام هي الارفع مستوى ومحتوى من كوريا وايران وغيرها من دول الشرق, وبغض النظر عن من يلتهم الجوائز في النهاية, فإننا هنا نريد التأكيد ومن خلال كل ما نقدمه في هذا الملحق على حقيقة ان الثقافة ليست امريكية فقط وان العالم ليس امريكا فقط, وان الانسان ليس حامل جواز الولايات المتحدة فقط, دون ان يعني ذلك نظرة عداء او شعوبية, ولكنه الحق في الدفاع عن جهد الانسان المبدع اينما كان. في هذا العدد تنتقل افلامنا وكاميراتنا إلى واقع الفنون في ايران لنقترب من الواقع الثقافي فيها والذي بدأ ينقلب على مفاهيم المحافظين والمتشددين الذين كانوا يرون في المسرح والرواية المترجمة ضلالاً سوف يدمر المجتمع الايراني الذي يجب ان يقوم بعد ان بني كما يعتقدون على نظرية الطهر الاخلاقي!! الان يعرض السينمائيان الايرانيان (عباس كيروستامي ـ مخملباف وغيرهما) اعمالهم في مهرجانات العالم وفي ايران ايضا في ظل تخفيف لائحة الممنوعات والمحظورات. هذا يعني ان ثقافة فنية اجتماعية تستفيد من عصر خاتمي الاصلاحي تنمو قريبا منا والاولى بأن نعرف عنها بعد ان غرقنا في ثقافة الكاوبوي واغاني البوب. في تشيلي وتحديدا في المتحف الوطني للفنون الجميلة في العاصمة سانتياجو تعرض صفوة الفنون المرئية للقرن الماضي, بمعنى ان المعرض يقدم نتاجات بلد عرف كبار الفنانين التشكيليين الذين تعرض نتاجات لهم قارب عمرها على المئة عام, ولاشك بأن تاريخ قرن بأكمله فنيا, تجربة تستحق الرصد والانتباه. في السودان وبلاد النوبة طقوس وثنية تشكل في نهاية المطاف بيئة الانسان هناك, وتجدل نهاراته وحياته, وربما تشابهت مع كل تجارب العالم الثالث في طقوسها الحياتية والدينية, لكنها تستحق التأمل في كل الاحوال, وفي بلاد العرب مدينة ذات تاريخ يحفر عميقا في الزمن العسير اسمها (عسير) تشدنا الى ذاكرة عتباتها وصخورها وجدرانها الطينية, اننا في كل ما نتلمس نريد التأكيد على أن الانحياز لثقافة الذات والهوية مطلوب للنجاة من غرق التلاشي في الهوية العالمية. أحد فناني العراق عندما سئل عن البديل في مواجهة مشروع التفاهة والتغييب الذي يمارس على ثقافات الشعوب اجاب: لست ادري كيف يمكنك تلميع المرايا كي ترى وجهك الحقيقي, فانا لست فيلسوفا كي اعيد ترتيب حكمة الاشياء, ولست مصلحاً او قديسا كي أعيد صياغة الحياة من جديد, ولكنني فنان والفنان قبل اي شيء آخر محاولة لتجميل الطبيعة, فاذا نجح أصاب مرتين, أما إذا فشل فيكفيه شرف المحاولة. ونحن نقول كما يقول هذا الفنان, خاصة في محاولة تجميل الطبيعة نجامات الواقع بعيدا عن الترقيع بالسطو على منتجات الآخرين الثقافية لاننا ساعتها لن ننتج جمالاً, بل سنزيد القبح قبحا!! وذلك ليس من شرف المحاولة في شيء على الاطلاق.