المشهد الأول: كان صوت المنبه في الغرفة يعلو للمرة الثالثة عندما قام يجرجر رجليه متجها بخطوات متثاقلة نحو الحمام, فلم يعد أمامه سوى خمس وأربعين دقيقة فقط مطلوب منه أن ينجز خلالها حلاقة معقولة لذقنه, وان يأخذ حماما يبعث في جسمه النشاط، ويمده بكمية كافية من التيقظ والانتباه كي يبدأ يوما جديدا يمارس فيه منذ ساعات الصباح الاولى وحتى ينقضي ثلثه طقوسا فرضتها عليه طبيعة الوظيفة الصغيرة التي استطاع أن يحصل عليها بشق الأنفس, وبوسائط من بعض المعارف ومعارف المعارف رغم الشهادة الجامعية التي يحملها بعد ستة عشر عاما من الدراسة المتواصلة, رغم مجموعة لا بأس بها من شهادات تثبت أنه قد انتظم في عدد من الدورات التدريبية بعضها في الكمبيوتر وأخرى في المهارات الادارية بعد أن أخبره البعض أن لهذه الشهادات مفعولا جيدا في مسوغات القبول للوظيفة, علاوة على عدد من شهادات الخبرة كان يتسلح بواحدة منها كلما غادر مكانا عمل فيه ولو لفترة وجيزة أثبت خلالها أنه كان مثالا للجد والمثابرة والأخلاق العالية الحميدة, ناهيك عن بركة دعاء الوالدين التي كان متأكدا أنها سر فتح الأبواب المغلقة في وجهه, حتى ولو كانت الفتحة التي تنفرج عنها هذه الأبواب ضيقة إلى الدرجة التي يستطيع بالكاد أن ينفذ منها لوظيفة متواضعة لا يعتقد أنها تتناسب مع مؤهلاته أو يرى ـ دون غرور ـ أنه يستحق أفضل منها. كانت هذه هي الافكار التي تدور كل صباح في رأسه وهو يمرر آلة الحلاقة على وجهه الاربعيني الذي لا يفتقر إلى الوسامة قدر ما يفتقر إلى الحظ, فقد كان يستحق على الأقل أن يكون رئيسا للقسم الذي يشغل وظيفة بسيطة فيه بدلا من رئيسه الذي هو أقل كفاءة ووسامة منه لكنه ـ دون شك ـ أكثر حظا. (المشهد الثاني) بشىء من التأفف وعدم الرضا نظر رئيس القسم إلى مجموعة المعاملات التي قدمها له الموظف بعد أن ظل ساعتين أضافيتين بعد نهاية دوام الأمس كي يتمكن من إنجازها لتسليمها اليوم كما طلب منه أمس قبل ساعة واحدة فقط من نهاية الدوام .. ورغم المبررات التي حاول أن يسوقها الموظف لرئيس القسم وضيق الوقت الذي حال دون إنجاز كم أكبر منها الا أنه أبدى له عدم اقتناعه بهذه المبررات مع أنه كان يدرك في قرارة نفسه أن الموظف على حق, ولكن ماذا يفعل وهو يعلم أن المدير لن يكون راضيا عما سيضعه بين يديه فهو دائم الشكوى من قصور فهم رؤساء الاقسام والموظفين وعدم تنفيذهم لتعليماته, مع أنهم لو كانوا يتمتعون بقليل من الذكاء لفهم هذه الأفكار, ولو بذلوا مزيدا من الجهد لتنفيذها لجاء انتاجهم أفضل بكثير من هذا المستوى المتواضع الذي يقدمونه. يغادر الموظف مكتب رئيسه بنفس الشعور الذي كان يصاحب عملية حلاقته لذقنه هذا الصباح .. بل لعله أصبح أكثر اقتناعا برأيه في رئيس قسمه, ولكن ماذا يفعل وقد توقف به قطار الحظ عند هذه المحطة, وأصبح بحاجة إلى معجزة كي يغادرها إلى المحطة التالية, هذا إن لم تهب عليه عاصفة من تلك العواصف التي أصبحت ظاهرة هذه الأيام فيجد نفسه خارج كل القطارات والمحطات, أو ضحية من ضحايا مجازر القيادات الجديدة التي ترجع كل أسباب الفشل والتخلف ـ حتى وإن لم يكن هناك فشل أو تخلف ـ إلى القيادات السابقة وسوء اختيارها لموظفيها. أما رئيس القسم الذي لم تفارق وجهه علامات تبرم أرجعه ظاهريا لسوء أداء الموظف وعدم اتقانه لعمله فقد كان شعور آخر يعتمل في داخله لاعلاقة له إطلاقا بما أبداه من أسباب ظاهرة, إذ أن اقتناعا كاملا قد ترسخ لديه بأنه الأحق بالكرسي الذي يتربع عليه المدير دون وجه حق سوى صلة القرابة التي تربطه بإحدى الشخصيات الكبيرة! (المشهد الثالث) من الباب الخلفي الذي لا يمر عبر مكتب السكرتيرة دخل المدير مكتبه بينما كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا .. وما إن استقر على الكرسي حتى طلب من السكرتيرة أن توافيه للمكتب. دخلت السكرتيرة وهي تحمل في يدها ملفا متوسط الحجم تبين فيما بعد أنه غير ذي أهمية إذ لم يكن سوى جزء من المظهر الذي يجب أن تبدو عليه وهي تستجيب لنداء المدير الذي بادرها بالسؤال عمن اتصل به والتأكد من أنها قد تصرفت وأعلمتهم ـ كالعادة ـ أنه في اجتماع خارج الوزارة مع أن آثار النوم كانت بادية على وجهه وفي عينيه آثار سهر سابق. بعد ذلك عرضت عليه أسماء المراجعين الذين هم بانتظاره في مكتبها منذ بداية اليوم للبت في مشاكل عجز رؤساء الاقسام عن اتخاذ قرار بشأنها. نظر المدير الى الساعة التي كانت عقاربها تقترب من الحادية عشرة والنصف, وتذكر أنه يجب أن يكون في البنك في تمام الساعة الثانية عشرة لانهاء اجراءات فتح الاعتماد للمواد التي استوردها عبر شركته الخاصة للوفاء بالتزامات المناقصة التي تمكن من الفوز بها واعتبرها صفقة العمر التي ستعوضه عن الصدمة التي سيتعرض لها لو لم يتم اختياره لمنصب وكيل الوزارة بعد أن راجت شائعات ـ أكد أكثر من مصدر أنها صحيحة ـ عن قرب إقصاء الوكيل الحالي أو احالته للمعاش. وبنظرة لم تستعص على فهم السكرتيرة وفطنتها أنهى المدير الحوار لتغادر المكتب معلنة أنها سوف تخبر المراجعين أنه ذاهب لاجتماع لجنة المشتريات وتطلب منهم العودة غدا. في طريقه وهو خارج حانت منه التفاتة لمكتب الوكيل فوجد نفسه يقول في سره : (ما أجدرني فعلا بهذا المنصب الذي سيشغر قريبا!) . (المشهد الرابع) وكيل الوزارة في إجازة نهايتها غير معروفة .. لذلك ننتقل الى المشهد الذي يليه. (المشهد الخامس) * كلنا بانتظار التشكيل الجديد للوزارة .. أما الحديث عمن سيبقى في التشكيل ومن سيخرج منه فهو مجرد تكهنات وضروب من التخمين لاسند لها .. ولو صدقنا كل من ادعى أن مصادر قريبة من القرار قد أطلعته على التشكيل لوجدنا بين أيدينا عشر وزارات مختلفة .. لا تقلق يا صديقي فما هي الا أيام معدودة نعرف بعدها مواقعنا في لعبة الكراسي. بهذه العبارة أنهى الوزير مكالمته الهاتفية وهو يضغط على الجرس ليدخل عليه الساعي (مبارك) بدلة القهوة المعتادة, نظر الوزير الى الساعي الذي تجاوز الستين بسنوات قليلة, وللمرة الاولى بعد سنوات عشر قضاها في خدمته ينظر الوزير بتمعن في وجه (مبارك) ليكتشف علامات رضا وسكينة تكسو ملامح وجهه .. وبود لم يكن هناك ما يضطر الوزير لتكلفه سأله: * كم لك من الاولاد والبنات يا (مبارك) ؟ ـ خمسة أولاد وأربع بنات يا طويل العمر. * ماهي أخبارهم؟ هل أنهوا دراستهم والتحقوا بالعمل؟ هل زوجت أحدا منهم وأتى لك بالحفيد؟ وما مقدار رضاك عنهم؟ ـ الحمد لله يا طويل العمر, بعضهم تخرج والتحق بالعمل, وبعضهم ينتظر التعيين, وهناك ولد وبنت لا يزالان على مقاعد الدراسة . تزوج منهم ولد وبنت والباقون على الطريق إن شاء الله. نظر الوزير مليا الى وجه (مبارك) ثم بادره قائلا: * لو وجدت غدا قرارا بانهاء خدماتك أو احالتك للمعاش فماذا ستفعل؟ ـ تبسم الرجل الستيني وقال: سأحمد الله وأشكره .. فكل ما يأتي به خير .. لم اعترض طوال حياتي على أمر قدره لي, فهل أختمها بالاعتراض على حكمه؟ هذا كفر يا طويل العمر بنعم الله التي أسبغها علينا. إن كان ذلك عقابا من الله لي على ذنب ارتكبته فأنا استحقه . وان كان ظلما وجورا اقترفه مخلوق مثلي في حقي فقد فوضت أمري إلى الله, ومن فوض أمره إلى الله كفاه الخالق مؤونة رد الظلم عن نفسه وعوضه أضعاف ما قطع البشر من رزق عنه. أمعن الوزير النظر في وجه مبارك وهز الفنجان مكتفيا بما شرب من قهوة ... وبينما كان الرجل العجوز يتجه خارجا كانت نظرات الوزير تتابع تلك الخطوات المتأنية الواثقة وهي تغادر المكان تاركة أصداء كلمات كم تمنى لو سمعها اولئك المتربعون على الكراسي ووعتها عقولهم إذن لأدركوا قيمة ما يتقاتلون عليه وهم غير مخلدين فيه, ولتذكروا إذا ما دعتهم قدرتهم إلى ظلم الناس أن هناك من هو أقدر منهم .. ولكن أنى لمن أعمته قدرة زائفة مؤقتة أن يدرك ضعفا متأصلا فيه قبل فوات الأوان! (ستار)