تقبل الحياة على البعض فتعطيه ما لا يحلم به, وتغدق عليه من هنا وهناك, من مالها وحظها وقوتها, ورغم ذلك يتناسى النعمة ويتعالى على الفضل, معتبرا أن لولاه ما كان ذلك ممكنا. وفي الطرف الآخر تُدبر الحياة بكل ما تملكه من رونق وبهرج عن البعض الآخر, فتزيح بوجهها عنه, ورغم ذلك يسعى إليها طائعا فيطرق أبوابها, ويتمنى ألا تبقيه مع حظ تعيس ودرب متعرج, لكنها لا تأبه لتلك الأمنيات.. ومثلما تعطينا الحياة تأخذ منا, والقصص والحكايات الحياتية في ذلك كثيرة, خاصة بين أولئك الذين أعطتهم الحياة فخالفوها, وأقصد هنا أصحاب الملايين الذين لم تسعفهم ملايينهم ففضلوا عليها الموت انتحارا, والسؤال.. لماذا ينتحر هؤلاء وهم يملكون كل شيء؟.. لماذا يزيحون وجوههم جانبا والحياة قد أعطتهم وجهها وفرشت لهم صفوها.. ربما يعتقد البعض ان صفو الحياة دائم, لكن ذلك سرعان ما يتلاشى عند أول هزة لتظهر الحقيقة الواضحة الساطعة التي تقول: ربَّ قومٍ قد غدوا في نعمة زمناً والعيشُ ريان غدق سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق ومن منطوق الزمان ألتقط حكايات قديمة لملوك المال الذين أقبلت عليهم الدنيا ومنحتهم كل طيباتها ورغم ذلك تركوها خوفا منها وربما هربا من غضبها عليهم إلا أن هروبهم كان انتحارا.. والمثير في الأمر ان العام 1933 شهد سقوط أباطرة المال الواحد تلو الآخر, حيث بدأ السلسلة ملك الكبريت كرويجر الذي عود الناس والمتعاملين معه انه الأول في كل شيء وان المركز الثاني يعني الفشل, والفشل الذريع, ومثلما كان في حياته يريد أن يكون الأول دائما كذلك كان في موته, فقد راح الرجل يطوف بالبنوك محاولا انقاذ نفسه عندما ضاقت به الأحوال واشتد عليه الخناق وأيقن ان حيلته الواسعة على وشك الانكشاف, لكنه لم يجد من أولئك الذين اعتقدهم أصدقاء إلا الرفض والاعراض, ورغم ذلك تظاهر الرجل بالثقة بالنفس وبالابتسام وهو يفاوض هذا وذاك ويرسل تلغرافات الاستنجاد موضحا ان سقوطه يعني دمار الإنسانية كلها وانهياره سيؤدي إلى انهيار بيوت مالية كثيرة, إلا ان الاجابة ظلت دائما واحدة (نأسف كثيرا, إن الظروف الحالية لا تمكننا من مساعدتك) . هكذا وجد الرجل نفسه مطاردا من رجال الشرطة ورغم ذلك لم ييأس, فقد أطلق نداء أخيرا وقام بمفاوضة هي كل ما يملكه في حصاره, لقد طلب الحياة إلا أن ملوك المال الآخرين منعوا عنه القوت, عندها دخل حانوتا لبيع الأسلحة واشترى صندوقا مملوءا بالرصاص لكنه لم يستعمل منه إلا رصاصة واحدة فقط, فقد ترك الباقي لورثته! وبعد موته بأيام انتحر أربعة من رجال الأموال في أوروبا, فقد أسقطهم الرجل معه وتركهم لا يملكون شيئا, وبعد هؤلاء بأيام وبعد أن انتشر الخبر بصورة كبيرة انتحر ما لا يقل عن 300 شخص بسبب ذاك السقوط المريع, بعد انتحار كرويجر في باريس بيومين أي في 14 مارس من عام 1933 دوى طلق ناري آخر حيث انتحر ملك الأفلام, الأمريكي جورج ايستمان, فقد كان ايستمان في الخامسة عشرة من عمره عندما ربح دولاره الأول فوضعه في بنك وفتح لنفسه حسابا جاريا, وعندما بلغ السابعة والسبعين من عمره قرر أن يقفل ذلك الحساب فدعا أصدقاءه إلى وليمة فاخرة ليست لأعشاب البحر بل للموت, فقد دخل الرجل إلى حجرة مجاورة ولم يخرج أبدا لأنه قتل نفسه! وفي نفس العام وبعد حادثة ايستمان بشهر ونصف الشهر وتحديدا في 29 ابريل انتحر شيفيلد بول ملك الشيفرات منهيا حياته بعد أن أنشأ عشرات المعامل التي تنتج نصف مليون شيفرة يوميا, وكان الرجل يفاخر بأنه يحلق ذقون العالم كله إلا ذقنه, فقد كان طليق اللحية والشاربين, ضخم الجسم, طويل القامة, وفي نفس يوم انتحاره نشرت ميزانية أعماله فأدرك ان مزاحميه انتصروا عليه, فاختلى بنفسه في حجرة مكتبه وأعاد مطالعة ميزانية أعماله, وبكل برود تناول بندقية صيد وأطلق منها رصاصتين على رأسه فسقط قتيلا. ولأننا هنا نسرد حكايات من أوراق قديمة ننصحك عزيزي القارئ ألا تحاول تقليد هؤلاء المليونيرات في هذا السلوك المحرم, ولكن خذ من دورة الأيام عبرة ومثلا. لهذا أنقلك من ملوك المال المنتحرين إلى أباطرة المال الحاليين حيث يتربع اثنان على عرش أغنياء العالم بكل ما يحملانه من عقليات متوقدة في هذا العالم الالكتروني الذي نعيشه, وهما ملياردير الانترنت لاري أليسون وامبراطور مايكروسوفت بيل جيتس حيث يتهيأ الأول لازاحة الثاني عن عرش أغنى رجل في العالم. وبعيدا عما يملك اليسون أو جيتس فإن الاثنين مختلفان في كل شيء, ففي الوقت الذي يعيش فيه بيل جيتس حياة عائلية هادئة يعيش الآخر حياة جامحة, وعلى عكس جيتس الذي يعرف بأنه يستقل الدرجة الاقتصادية في تنقلاته يمتلك أليسون نفاثة مقاتلة لتنقلاته, ورغم ان جيتس وأليسون يتشابهان في مقدرتهما على توليد ملايين الدولارات إلا انهما يختلفان كثيرا, فقد عاش جيتس في أسرة ترفل في المال بينما ولد الآخر وسط عائلة فقيرة غير مستقرة لكنه استطاع أن يوظف أفكاره الوقادة وعقليته الفذة في تحويل شركته الصغيرة (أوراكل) إلى عملاق يكتسح الشركات الأخرى ويؤثر عليها, ويلعب كيفما يريد في بحار برمجيات قواعد البيانات, ويبدو ان أي سقوط منتظر لمايكروسوفت خاصة بعد الأزمة الأخيرة مع الحكومة الأمريكية سيكون وليمة رائعة لملياردير الانترنت أليسون وأعشاب بحر البرمجيات الأخرى العاملة في هذا المجال. وأعود من حيث بدأت فأختم ان السقوط بمعايير هذا الزمن هو انتحار ولكن من نوع آخر.. إنها وليمة لأعشاب البحر ولكن بمقاييس المال.