سبع قصص أنجزها الليبي إبراهيم الكوني خلال عام ,1989 ثم جمعها في كتاب صدر عن الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ببنغازي باسم (القفص) . يغوص فيها إبراهيم الكوني, إلى عالم الصحراء الأسير لديه, والذي أخلص له. في لقطة جانبية من قصة (نذر البتول) ومع مشاعر وأفكار بطلة القصة, التي تتوارى فيها أساطير القبيلة حول نباتات الصحراء, تتألق نبتة الترفاس كنبات شديد التميز والسمو في قلب الصحراء. وسرعان ما يفرد إبراهيم الكوني لها على المستوى الواقعي قصة كاملة, هي (مولد الترفاس) التي نتابع فيها دورة ميلاد وحياة وفناء الترفاس. في مقطع الإشارة يفتتح المقطع بأن الترفاس كنز, واكتشاف الكنز مشروط بوجود الطلسم مفتاح السر, فأين طلسمك أيتها الثمرة السحرية؟ أهو بين يدي العرافين كما يؤكد الأهالي؟. إنه أسلوب الحكي, كما الحكايات الشعبية التي تتكون من سلسلة حلقات, انها أسطورة جميلة, وهي تتحدث عن نهر السماء, حين تقول عما قريب سيجتمع الغمام. غمام كثيف محمل بمطر غزير. هذا ماء النهر الذي رفعه الله من الأرض عندما أراد أن يعاقب هذه القبائل الشقية في الزمان القديم فتحولت الدنيا إلى صحراء كبرى نهرنا في السماء كما ترى. ويرق قلب الرحيم على العباد فيرويها بين الحين والآخر, ويتلطف أحيانا أخرى, ويبلل ريق الصحراء العطشى بقطرات منه, لتصل إلى الإشارة, وهي البرق السوط المفتول من ألسنة الشرر يغلق الأفق المتجهم, ا المزدحم بالسحاب المطير. السوط الرباني لبى توسلات الشذى السحري. تتحدث المجموعة عن طائرين من عالم الصحراء, أحدهما له بعد واقعي, وذلك في قصة القفص, وهي قصة دائرية حول سجين خرج من السجن بعد تسعة شهور, صحبه قريب إلى بيته الواقع بين الواحة والصحراء, فرأى في الحجرة قفصا فضيا نادرا لطائر نادر ولكن سلوكه ينم عن الذكاء أيضا. وقد اشتراه القريب من تجار القوافل, كهدية إلى مدير البوليس كي يتسلى به. ودعاه إلى التعود على حياة الواحة, التي لابد أن يبيت فيها تحت سقف أو وراء جدار, وهي الحياة المقابلة لحياة الصحراء, التي كان نادرا ما ينام فيها داخل الخيمة. لكن السجين سرعان ما غافله واختفى هو وطائره الفضي, وحين خرج يبحث عنه لمح بين قمم النخل الطائر الفضي. أما قصة طائر النحس الذهبي فهي معالجة أسطورية بديعة لملمح من ملامح الحياة في الصحراء, ومنذ بداية القصة نحن أمام أم تتابع طفلها وهو مأخوذ بالطائر الذهبي الملون العجيب ذا الأجنحة الذهبية, التي لم ير لها مثيلا على طائر من قبل, فحذرته منه, لأنه خديعة, رسول إبليس, يسرق الأطفال من أمهاتهم. وحين لم يستجب الطفل لنصحها, أمرها الأب بأن تربطه بحبل إلى وتد. وعندما هدأت الرقابة ظهر الطائر الذهبي ثانية, وسحبه إلى الصحراء حتى سقط في المتاهة, ووجدوه قبل أن يهلك. هذه قصة بديعة. فيها الطائر الذهبي كما النداهة في حكاياتنا الشعبية, التي تسحب البشر, تحت إغراء نداءاتها المتكررة, إلى مصير مجهول. وبالمثل نجد الطائر الذهبي, بريشه الخرافي البراق, يمثل الوهم, الإغراء, الذي يسحب الطفل من عالمه الآمن إلى عالم الصحراء المتاهة, الضياع, الموت, لذلك جانب التوفيق إبراهيم الكوني في ختام هذه القصة الذي جاء زائدا مثلما حدث في قصة مولد الترفاس ـ وذلك حين ذهبت الأم المكلومة إلى موقع العراف المجوسي الذي مات, وحلت محله فرقة الدراويش. لماذا أعطيتني إياه إذا كنت تريد أن تأخذه مني؟ لماذا؟ رد على سؤالها الشقي دراويش الفرقة العيساوية وهم يتمايلون من الوجد, يقرعون ا الدفوف, ويرفعون أصواتهم بالمديح الصوفي عن العشق الإلهي, أسفل الجبل: - لا يأخذ إلا ممن أحب, ولا يهب سوى من هوى سيل جارف: في قصة نذر البتول, يبدو أمام الصبية تازيديرت, التي تعني الصبر بلغة الطوارق, ثلاثة أعداء, هي الرمضاء, العجاج, والعطش. تحول أشعة الشمس الحامية الرمال إلى رمضاء, ويحدث العجاج على شكل عاصفة حين ترتفع سحبه الكثيفة كلما هبت ريح القبلي, حيث تحجب قرص الشمس وتحول النهار إلى ظلمات فيلزم الناس بيوتهم ويصيب الفتيات وينتج العطش, ينتج من نقص المياه في الصحارى والواحات, وحين تاهت الصبية في الصحراء وكاد العطش والحر أن يوديا بحياتها, نذرت نفسها للسيل إذا ما كتبت لها النجاة. ولم تنفع معها محاولات جدتها المستميتة لإقناعها بالزواج قبل أن تموت, لكنها قبلت أن تتزوج إذا ما جاء المطر بالسيل أولا. عنصر فكري آخر جاء في سياق تمسكها بهذا الحلم الغريب, وإن بدا غير مقنع لنا كقراء, لأنه جاء أعلى من مستواها الفكري المتواضع, هذا العنصر هو المعادلة الوحشية, التي بدت لها خلال لحظة تأمل في الصحراء, التي تقول الحرية هي الصحراء. والصحراء هي الجدب. الموت. إذن الحرية هي الموت. وانتهى بالفتاة الأمر, أن تعانق السيل, حال مجيئه, عناق الموت والفناء. لقد بدت هناك معالجة واقعية, في قصة السيل, التي بدأت بلقاء بكر رهيب بين ذكر وأنثى في عمق الوادي, زحف جسداهما المتشابكان وقطعا الوادي العذري العريض. هرسا, في طريقهما المقدس النبات الربيعي البكر, الندي, وسحقا الخنافس والنمل, وفرت السحليات وأفسحت لهما الطريق. وراقبتهما الأنعام وتهامست بشأنهما بلغة مبهمة كأنها تبارك اللقاء يلاحظ أن ذات المشهد الضاري تم على مستوى الحلم في قصة طائر النحس الذهبي. في قصة النبوءة, التي تدور حول السحر, وإن بدت كلغز, أو واحدة من الأجنحة الغامضة, حين تمتمت العرافة لفتاة أصرت أن تقرأ لها طالعها: رأيت عجبا هل يعقل أن يبعث الميت ويقتل الحي؟ شيء لا يصدق, ثم أضافت أنها ستتزوج بمن تحب, ولكن بشرط الصبر. كان مكتوب منذ الطفولة أن تتزوج هذه الفتاة من ابن العم أبدان, لكنها رفضته وقررت أن تتزوج أخاه التوأم أمود. ثم قامت حملة الطليان على الحبشة, وجندوا الأخوين فيها. وبعد انتهاء الحرب عاد أبدان ولم يرجع أمود, الذي أشيع موته, فقررت أن تقتل العرافة انتقاما منها مستخدمة مدية العرافين المزدوجة. وفي ليلة التنفيذ طعنت العرافة, التي طعنتها أيضا بالحد الآخر المزدوج, فماتا. والمذهل في الأمر أن النبوءة تحققت, في ذات الليلة أيضا, بعد أن مات أبدان, وصلت بشارة بعودة أمود. بطبيعة الحال, هذه قصة مفتعلة, تم تركيب أحداثها لتثبت عجز البشر عن الصبر, واستعجال تحقيق آمالهم. وبالمثل نجد قصة السلطان, التي تتلمس تناول قضية الحكم في شكلها الظاهر, لكنها تبطن عجز البشر عن فهم الآخرين أو استقراء الأحداث, من خلال بناء مفتعل أيضا, يجتهد أن يحقق رؤية الكاتب بشكل مباشر, واضح. مما سبق يتضح أن قدرات إبراهيم الكوني تتبدى حين يغوص إلى كوامن معالم الصحراء من طير ونبات ومناخ وأيضا حين يتناول تقاليد وطقوس حياة البشر فيها. لكن هذا التدفق سرعان ما يخفت حين يرتبط ببعض رؤى خاصة, يريد أن ينتصر لها. القاهرة ـ حسين عيد