فوق رمال قاع خليج صغير على جزيرة بركانية تبعد 600 ميل عن سواحل امريكا الجنوبية تعيش سمكة ربما لا تزيد من حيث الحجم على راحة اليد, شفتاها الحمراوان العقيقيتان متدليتان دائما نحو الاسفل, يتلوهما عينان غامضتان, وزائدة اشبه بالقرن تستخدم في القبض على الاشياء, ونتوء كالانف تكثر عليه الاشعار. وهي تقتات على ما تجده من رضويات, وهي تتخبط على الرمال وغيرها من الاسماك التي تصطادها, عبر عضوها الشبيه بالقرن والاخر الشبيه بالانف الذي يتحسس ما حولها. وحين تكون في مملكتها تبدو هذه السمكة قطعة فنية نبيلة, شديدة التناغم مع محيطها, ومشاركة فيه بكل قوة بشكل لا يقل عن مشاركة اي منا في بيئته ومحيطه, وتسمى هذه السمكة سمكة الوطواط حمراء الشفة. وهناك طائر غريب بالدرجة نفسها يعيش على جزيرة اخرى من أرخبيل جالا باجوس. ويقوم هذا الطائر الذي يتجاوز حجمه بقليل كرة التنس بالهبوط على ظهر الطيور الاكبر, ويبدأ ينقر اجسادها حتى يبدأ ظهرها بالنزيف لتشرب من دمه. وحين تكون الأيام اشد قسوة تقوم بدحرجة بيوض الطيور من التلال عبر المنحدرات لتنكسر وتحصل على محتواها الذي يمكن انقاذها من الجوع والعطش. انه عصفور, عصفور لست بحاجة لان تصادفه. يسميه العامة العصفور مصاص الدماء, ربما لم يتخيل احدنا وجود مثله في اكثر كوابيسه ازعاجاً. وزواحف هذه الجزر متميزة أيضاً. وقد تتاح لاحدنا الفرصة لان يسبح مع احداها. وتلك السحليات التي لا يزيد حجم معظمها عن حجم القطة, الا انها تمتلك ورعاً لابد ان منتجي فيلم جودزيلا قد استلهموه لانتاج نموذج عنه. ومن الناحية التقنية فان السحالي هي من نوع ايجوان, ولا يوجد سوى نوع واحد في العالم من الايجوان البرمائية. وما يجعل منها سحلية سوبر في مملكة السحالي هو انها برمائية تتناول معظم وجباتها تحت سطح البحر وتأكل ايضاً الطحالب التي تغطي الصخور. هذه الاحياء الثلاثة تتميز بسمة مشتركة ـ واحدة فقط, هي انها من المخلوقات الاصلية على جزر جالا باجوس, وهي مجموعة من الجزر البركانية, التي لا يزال بعض براكينها نشطاً حتى الآن, والتي تشكل اكثر الاقاليم تجاه الغرب في الاكوادور. وكتلة الارض التي يتشكل منها ارخبيل جالا باجوس متميز فعلاً فهو يتكون من 17 جزيرة كبيرة و6 صغيرة و42 جزيرة صغيرة جداً وعدد لا يحصى من الصخور والتلال والقمم التي يبلغ مجموع مساحتها 3 آلاف ميل مربع في اليابسة و50 الف ميل مربع من مياه المحيط الهادي. ويعتبر الارخبيل نظاماً بيئياً قائماً بذاته ومختبراً طبيعياً, ويحتل قائمة المناطق الاكثر أهمية بالعالم وطوال المئة وخمسين عاماً الماضية ساهم كثيراً في اضافة المزيد لمعلومات عن اصل الكائنات وتطورها. وعلى الرغم من ندرة الماء العذب طوال ايام السنة باستثناء بضعة شهور من كل عام فان المئات من الأنواع النباتية والحيوانية قد تطورت وازدهرت على ارخبيل جالا باجوس, ونتيجة لعزلته ليس عن البر الأمريكي فحسب بل وعن الخطوط التقليدية للملاحة, تمكنت هذه الانواع من التكاثر والتطور داخل طبيعة بكر لم يمسها مؤثر خارجي ابداً. وتقريباً فان نصف طيور الارخبيل و 32 في المئة من نباتاته و5 في المئة من زواحفه و46 في المئة من حشراته لا توجد خارجه ابداً في أي مكان في العالم. كما ان مجموعة الانواع الحية الاصلية التي كانت موجودة على الارخبيل, لا تزال الغالبية الكبرى منها موجودة حتى الان أيضاً. وارخبيل جالا باجوس هو من دون شك نظام بيئي بحري أيضاً. فلوجوده عند ملتقى عدة تيارات رئيسية في المحيط الهادي, تساعد الجبال تحت سطح البحر في توليد كميات هائلة من المياه الباردة القادرة على تغذية سلسلة كاملة من الحياة البحرية من اصغر انواع البلانكتون إلى اضخم الحيتان. والغوص في مياه الارخبيل حافل بالمتعة. ليس لان الغوص في تلك المياه صعب ويتطلب الكثير من الخبرة حيث تيارات المحيط التي تلتف حول قمم الجبال تحت البحر التي يمكن ان تكون قوية وعصية على التنبؤ بها, بل لان هذه المياه تقدم دون المفاجآت لمرتاديها. وبمقدور المرء ان يرى الدلافين والقروش والشفنين وعجول البحر وغيرها الكثير من الكائنات المدهشة في هذا الارخبيل العجيب.