في مدح الحرية اطل الفنان اللبناني احمد قعبور امس الاول عبر شاشة المستقبل الفضائية رزينا زاهداً كعادته, فرحا ومنتشياً كأغنياته, وتحدث عن الجنوب في برنامج غنائي منوع عنوانه (رولا على الهواء) رغم ان هذا البرنامج لا يفيض قلبي سعادة عندما أشاهده, وذلك لطبيعة الاستعراض المجاني للأغنية وتحويلها من قيمة اجتماعية وجدانية الى سلعة مجانية رخيصة يروجها اشخاص علاقتهم بالاغنية كعلاقتي باللغة اليابانية! أطل أحمد قعبور في تلك الامسية متحدثا عن الجنوب بحكمة العارفين وليس المنتصرين, ولم يطلق عبارات التمجيد والتهليل بقدر ما اطلق عبارات نابضة بالحقيقة, حقيقة ان الجنوب يحتاج الى إعمار, وطبعاً لم يقصد قعبور إعمار الطرقات والمرافق العامة, بل قصد إعمار الانسان وقد شرح ذلك لاحقاً على خلفية مشاهد القتل والدمار التي خلفها وراءهم الغزاة, وحول البرنامج الى وجهة اخرى جعلتني أتسمر امامه اكثر من ساعتين. لقد ساوى فنان عربي بين التحرير من الاسر والتحرر من التخلف وطالب بضرورة القضاء على الجهل والتخلف معتبرا انها معركة لا تقل اهمية عن تحرير الجنوب. تلك المساواة كان لها وقعها المؤثر في نفسي لان معركتنا الحقيقية ليس ان ننتصر على اسرائيل فحسب بل ان ننتصر على الجهل والتخلف ونتخلص من مثبطات الانطلاق والتقدم. اذن كان قعبور الصوت الاكثر عقلانية في فهم الحرية واحالتها الى ضرورة اجتماعية وليس تمجيدها على شاكلة اطلاق الرصاص في الهواء عندما يتزوج احد ابناء القرية واطلاق الرصاص في الهواء ايضا عندما يفارق احدهم الحياة! العقلانية ان نتعامل مع الحرية كأحرار وليس كأسرى, ولعل المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية عندما نتجه الى تنمية الانسان واعطائه سلاحاً من العلم والمعرفة ليواجه العالم فيصبح سيداً بين السادة وليس عبداً في قطيع الذل. هذا ما قرأته في كلام قعبور على خلفية اغنيته الشجية (أناديكم) التي كانت نشيداً طلابياً في مطلع الثمانينيات, وها هي بعد عشرين عاماً مازالت تنادينا لنكمل مسيرة التحرير. حسين درويش