تعاونت مؤرخة الآثار نينا جيديجيان بقلمها, والفنانة التشكيلية منى باسيلي صحناوي بريشتها, في إصدار كتاب باللغة الفرنسية عن (دارالنهار) في بيروت بعنوان: (قصص واساطير مرسومة من لبنان الغابر) .ويتألف الكتاب من ثلاثة أقسام, يتضمن التكوين على طريقة العهد القديم, من ولادة الجبال والمدن الى نشوء بيروت في صيغة جديدة تروي غرام بوسيدون إله البحار ببيروي الحورية الجميلة الساكنة شاطىء بيروت, ومن ذاك الحب ولدت المدينة التي تحمل اسمها. ومن مصير المدينة الى اعمدة الحكمة السبعة والتي أتى العهد القديم على ذكرها, مشيرا الى فن العمارة في لبنان آنذاك, وبأسطورة إيزييس وأوزيريس تستهل جيديجيات القسم الثاني من الكتاب. يتقدم الزمن ويحط عند اسطورة قدموس وأوروبا, واكتشاف الارجوان, ومستعمرة قرطاجة التي بنتها اليسار الاميرة الفينيقية, ثم قصة الحب بين ادونيس وعشترون واسطورة المواسم المتجددة. في القسم الثالث من الكتاب تروي جيديجيان مصير اميرة صور جيزابيل, وتتوقف في صيدون, في معبر أشمون الإله الفينيقي الشافي, شريك اسكليبيوس إله الصحة اليوناني. ومن وحي مهرجانات جبيل, ورثت المؤرخة طقوس بيبلوس السرية التي كانت تمارس في القرن الثاني من الميلاد. ثم يواصل الكتاب سياحته فيتوقف في بعلبك, مدينة الشمس ليستمع الى قصة تراجان الامبراطور الروماني الذي قدم الشرق لمحاربة الفرس. ويتحدث عن امثال الاوزاعي العلامة في الفقه الاسلامي وكوستا ابن لوقا البعلبكي العالم الفلكي والعالم بالموسيقى والفلسفة والرياضيات, والشيخ عبدالله اليوناني, والرجال الثلاثة من ارض بعلبك. إلى طرابلس والحروب الصليبية والسلطان بايبر, تذكر المؤرخة حدثا كبيراً هو وصول البريد الى طرابلس في القرن الثالث عشر. وبعد الكلام والرسوم الطريفة عن جاورجيوس والتنين ولحية نيسوفوريوس العجائبية يختتم الكتاب بنصين: غابة فخر الدين المعني الثاني, ونساء لبنان اللواتي استلهم الرحالة المستشرقون جمالهن واناقتهن. وبرأي الناقدة مي منسى, فان الكاتبة نبشت تربة التاريخ القديم, وعلى ضوء آثاره ومن مخزون المراجع القيمة والمخطوطات التي أرساها علماء الآثار في القرنين الماضيين, خلّدت المدن الكنعانية, الفينيقية, ولكل منها خصصت مجلدا نفيسا بمعلوماته وصوره وتواريخه, تعريفا بصور وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس, فتشرّع اليوم نافذة على ملعب الصبا, تروي الماضي كما تتذكره. نصوص جيديجيان استعانت بريشة منى باسيلي صحناوي التي مافتئت ترتع على ملعب الفتوة وتروي الامس القريب والبعيد بروحها النقية وتطلعاتها البيضاء, فإن كانت المؤرخة نينا جيديجيان وضعت للمكتبات المتخصصة بالتاريخ والحضارات كتباً قيمة عن صيدا وصور وغيرهما صحناوي استعادت الحروب ذاتها, بريشتها الظريفة, في مؤلفات ثلاثة عن صيدا وقانا وصور, وحكايات منى باسيلي صحناوي المصورة تبدأ بغلاف الكتاب الارجواني المذهب, إذ تكسوه بمشلح رمادي وتفتح في لبه نافذة على العنوان, ومن حوله ابطال الاساطير الذين سردت سيرتهم, من ملكارت الى فخر الدين المعني الثاني. انطلقت نينا جيديجيان في مقدمة الكتاب تروي حكايات اولئك البحارة الذين قطنوا الساحل اللبناني, وعرفوا بشعب كنعان والصوت صوت جدة قديمة, تتقن فن غواية الاحفاد بالاساطير والحكايات المثيرة. إلا أن الرسوم التي زينت بها منى صحناوي تلك المقدمة, إنما هي يافطات حزبية يرفعها مناضلون من جبيل وصور وصيدا, ويحمل فيها كل مناضل شعارات التأييد لمدينته. باختصار تقول منسى أخيراً, أنه لعلها المرة الاولى التي نعيد فيها قراءة التاريخ بتلك النكهة من الطرافة. فالجدية في ريشة منى باسيلي صحناوي تكمن في حقائق الموضوعات, ثم تحويلها الى غربالها الانيق, البسيط, المختزل حتى العبارة الاصغر ونقرأ ذاك التاريخ في اسلوب الراوي الذي خرج عن أكاديميته ليحمل الزمن القديم إلى إدراكنا الحديث والاجيال الناشئة. رانيا يونس ـ بيروت