تأتي مجموعة (الحزن رفيقي) للشاعر السوري ممدوح السكاف, بعد أن قطع الشاعر سنوات شعرية بعيدة أصدر خلالها (مسافة للممكن مسافة للمستحيل) (في حضرة الماء) (انهيارات).. وغيرها من كتب مختلفة. وهذه المجموعة تحتوي أربع قصائد، جاءت على شكل مطوّلات في مئة وأربعين صفحة وهي على التوالي: (الرحلة, الرؤيا, القيامة, الصوت). ويرتب الشاعر قصائده ايقاعياً إلى: القصيدة الأولى من تفعيلة (متفاعلن) والثانية (مفاعلتن), والثالثة (متفاعلن) والرابعة مفاعلتان). وهذه تفعيلات (أو تفعيلتان) تمنح الفضاء الشعري إمكانية إيقاعية عالية تناسب ولع ممدوح السكاف بالعنصر الغنائي في شعره. حيث يقبض على مادّة القصيدة, ويظلّ يراودها من هذه الجهة أو تلك, لتطاوعه, شاهرا أمامها أغنى وأعلى ما عنده (الغنائية) المقترنة بمرجعيتها الرومانسية. إن الرومانسية الحاضرة في قصيدة السكاف هي رومانسية متطورة متقدمة غير مستسلمة لأصلها الأول. ونرى أنّ كل من يكتب عنه, يجد نفسه مضطراً وأحيانا بلا تردد, إلى إطلاق صفة (الرومانسي) على هذا الشاعر. ولايكاد يشذّ عن هذا أحد, فهل ممدوح السكاف في تجربته الشعرية كلها يدور حول قطب واحد هو الرومانسية؟ وهل يمكن الان, على الصعيد النقدي والإبداعي معا, أن نضفي على تجربة شعرية ما, سمة ثابتة, في الوقت الذي ندعو فيه الى التعددية في التجارب, وانفتاح التجربة ذاتها على تيارات الابداع جميعها؟ يرى المتابع انّ مثل هذه الأحكام تحمل داخلها اضطهاداً للمبدع الحقيقي. إ ن ما نجده من مواقف تشي برومانسية ما في المجموعة, ليس وقفاً على ممدوح السكاف وحده. فالشاعر بصفة عامة لايستطيع تجاهل مفردات الطبيعة الشفافة, ولايمكن الآن ـ في عصر تداخلت فيه الرؤى والمفاهيم وهاجرت المعاني من حقل الى حقل جديد لتفشي بدلالات جديدة تستثمرها لتحيا أطول فترة ممكنة لايمكن تناول هذه التسميات كما كانت في مهدها الأول. أي لايمكن أن نرضى بوجود مبدع رومانسي فقط, أو سوريالي فقط, أو رمزي فقط.. كل هذه التسميات محطات التقت مع بعضها وأخذت من بعضها. وبات مطلوبا ان تكون تجربة المبدع أشمل من ارتباطها بتسمية واحدة, وإلا اتهم بتراجعه عن قلب العصر الشامل. فإذا كانت بعض مفاهيم الرومانسية الاساسية مثل: التركيز على الذات, واعتبار الانسان محور الوجود, وتمجيد الحزن والألم, والقلق على الروح من الغناء, والبحث عن الجمال المثالي, والاستغراق في الحلم, إذا كانت هذه المفاهيم والأفكار تتمتع بخصوصية عند الرؤيا الرومانسية, فإنها باتت من ملكية الابداع بصورة مطلقة, وكل مبدع يجد أنه مدفوع الى الحوار مع هذه المفاهيم في عمله الابداعي. لهذا ما كان من ممدوح السكاف إلا أن يستغرق في ذاته قلقا عليها من الضياع في أزمة العصر بآلاته وعقمه. اذن, يجابه ممدوح السكاف في شعره بعامة, وفي مجموعته (الحزن رفيقي) بخاصة, جفاف العالم وخريفه الروحي واليباس الشامل الممتد من نطفة الجسد, حتى أبعد نقطة عليا في الكون.. وهذا كما أشرنا أدخل الشاعر في علاقة ناصعة الوضوح مع الجسد الخصيب المفقود والمتخيل. بما يقتضيه ذلك من مديح لاينتهي ولايتعب لهذا الجسد, فكأنه بذلك يمدح الحياة والتفتح الإنساني الحق, ويحتمي به من معنى الخواء. فهو في احتفاله بالجسد لايقف أبدا عند المعنى اليومي والمتكرر له, بل يغوص في تأويل هذا الجسد وثرائه, قد يصبح الجسد عنده مشلولاً بالرماد, متهافتا بالخراب, يتبصر معجزة ترممه لتولد نطفة عذراء تخصب قمح العلاقة بالبائسة, وتحيي كنزه المدفون. لا تختزل العلاقة مع الجسد عند الشاعر الى طلب عليه, ولا مناشدة لعالمه البهيج.. الأمر أبعد من ذلك, انه يتعامل مع الجسد في نسق وجودي شامل, يقرن الجسد بأرض خراب تنتظر القيامة والنشور لتنبت في سرير الماء, وتخرج من مشهد القتل المدنس والدّم الأصفر والحصار.. ويضع الانثى على أنها (مستقبل العالم) كما يعلن (آراجون). إن هذا العالم الخرب الذي يعاينه ممدوح, لا يجبره على مواجهته بموقف انهزامي, وإن كان موقفا فيه من التشاؤم الشيء الكثير لكنه مع ذلك يدرك ما في داخله من طاقة خاصة.. هل تؤهله لإعادة الفرح والبناء إلى العالم؟ هل هو الذي سيخلص العالم من شره؟ ربما كان الشاعر مؤمنا بذلك, طالما أنه يتفاهم مع هذا العالم على أنه جزء داخل في ذاته, داخله, أي أنه يمتلك الاحساس بملكية هذا العالم, وهذه الملكية تعني ممارسة حق الشاعر بالتغيير والتبديل والتخليص. يقول ممدوح. هل أنا الفادي إذا مسّتْ سماءُ العقم أجراس الرياح؟ لكن الشاعر, مع إيمانه بمهمته (الغوائية) في العالم, لايوجد عنده طموحات (واهمة) بقدرات دونكيشوتية, ولايملك مخططا انقلابيا لإعادة ترتيب العالم, جلّ ما عند الشاعر (ارادة الشعر) نفسها من حيث هي دعوة للناس إلى الانضواء تحت لواء القيم الكبرى التي تشكل مضمون رسالة أي شاعر. لايستطيع الشاعر فعل شيء اذا لم تكن هناك نية القبول عند الآخر , قبول بأن يستعيد الآخر ـ باعتباره جزءا من العالم ـ مكانه في فردوس الطفولة الاولى, المتحررة من التناحر والكوارث, وأن يحجز له مقعدا في جنة الحب, لا على أنها مبنية من وهم, بل بما هي حاجة بشرية حقيقية. إن الشاعر السكاف يدعو الآخرين, والعشاق , والطبيعة, كلا منهم إلى التعاون على تخفيف الحزن عند جسد العالم. وهكذا مع وعيه إلى أنه ـ كشاعر ـ مطلوب منه أن يخلص العالم, يدرك العالم الأكثر شقاء وضعفا.. فكيف يخفف الشاعر الحزن عن العالم وهو نفسه يقوم برحلة بعيدة جدا ولا رفيق له فيها سوى الحزن؟ (يا أيها الوجع الصديق الناحل الأعصاب: في رحلي/ عبرت/ الساحل العربي/ بين الرمل, منثورا/ وبين الماء/ مشطورا/ وأعلنت/ انتهاء الرفض,/ في أمم السلالات المريضة). لكن قدر الشاعر ألا يتراجع عن خياره الاساس وهو الدفاع عن حق الروح والجسد في الاقتراب من غايات الجمال والحرية, وهذا ما يفعله ممدوح السكاف في شعره الذي يتمتع بسيولة لغوية وتدفق هائل, حتى لكأن اليباس الذي يكتشفه الشاعر في العالم والزمن يدفعه إلى الإكثار من العمل في قلب اللغة لتطويعها وتطريتها وإنزالها على أرض خضراء.