هل نتجه إلى المستقبل؟ أم أننا نتجه إلى الماضي؟ ألا يولد الإنسان وبمجرد ولادته يبدأ نقصانه, يوما بعد يوم يبدأ رصيده في النفاد وصولا إلى تلك اللحظة التي يمضي فيها إلى المجهول, لذلك كنت أدهش دائما من الاحتفال بعيد الميلاد, أليس مرور عام يعني نفاد مقدار من الرصيد, وقلة ما تبقى, لكن.. هل يعلم الإنسان ما تبقى؟ هذا ما لا يمكن إدراكه أبدا. (لا تدري نفس بأي أرض تموت) حكمة قرآنية وقانون كوني, ما أشملها, وما أدق ما تحتويه. دائما أرنو إلى تلك اللحظة, اللحظة التي نسميها الآن, هل تعبرنا أم نعبرها؟ إذا قدر لي أن تدركني, أو أدركها, أو لا تدري نفس بأي أرض تموت, لو تم ذلك فهذه علامة أثق في أنها لن تتكرر, وفي مواجهة ما لا يمكن إدراك كنهه, ليس بوسعنا إلا طرح الأسئلة, مواجهة الحيرة بالحيرة, وأحيانا يكون السؤال فيه معرفة أكثر من الجواب. التساؤل الاول في طفولتي كان هكذا: أين الأمس؟ أين ذهب؟ كنا نسكن الطابق الأخير من بيت يتكون من خمسة طوابق, بمقاييس الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن مرتفعا, كنت أقضي أوقاتا طويلة بمفردي, أتطلع إلى أفق مدينتي العتيقة, حيث خلفه الماضي المولى - كما نسميه - مبان شتى من عصور مختلفة, تتساوى كلها عندئذ, لم أكن أعرف الفارق الذي يحدد درجة القدم أو العتاقة, غير أنني لن أنسى أبدا جوهر هذا التساؤل (أين ذهب المساء؟) . الفضاءات التي اعدت التطلع إليها كانت تحوي الماضي والآتي وفقا للتقسيم الإنساني المتوهم. الأرض اليابسة التي أخطو فوقها عامرة بأصداء الخطى التي عبرت, والأنفاس التي توالت, ان البشر الذين عبروا وتلاشوا تركوا آثارا ما, لا يمضي الإنسان هكذا في فراغ, إنما يدع شيئا من أنفاسه في ذلك الفراغ المحيط اللامرئي. لماذا نشعر في موضع معين, أن ثمة عتاقة هنا لا تتوفر في جهة أخرى؟ إنها الانفاس المولية, والإبداعات الإنسانية التي وصلت إلينا, في مواجهة نقش على جدار, أو زخرفة, أو خط, لا أكتفي بالنظر, إنما أفكر في اليد التي أمسكت القلم أو الفرشاة أو الفرجار, في النظرة التي سردها المبدع إلى معماره أو لوحته, كل ما أطالعه إشارات إلى بشر ذهبوا, عبروا, بعض آثارهم تطالعنا, وبعضها إندثر, فكيف نقلت من ذلك الذي كان؟ كيف نمضي من نقطة إلى نقطة بدون أن نعي ما سبقنا, وأن نفكر, أن نجتهد في اكتشاف ما سيجيء بعدنا. وقت طويل, ومجاهدات شتى, كان لابد أن أمر بهذا كله حتى أدرك استحالة الأجوبة, وعندما تستعصي الأجوبة يصبح طرح الاستفسارات نوعا من المعرفة, لذلك يبدو السؤال أثري من الجواب أحيانا, كان لابد أن يمضي وقت طويل حتى أدرك أن الوقت أو الدهر أو العصر, أو الزمن, المستقبل, الحاضر, الماضي, كل هذه المسميات ليست إلا اجتهادات انسانية لتلك القوة المجهولة, التي نحاول إدراكها, مرة بالفلسفة, ومرة بالمخيلة, ومرة بالعمل, تلك القوة التي لا نعرف محركها, أو نقطة بدايتها, نعي فقط اعراضها, إنها أعراض تخصنا, لأنها تقرر مصائرنا, ميلاد, شباب, إعياء, صحة, سعي, سكون. منذ بدء التكوين يكون النقصان أيضا, تدفع تلك القوة الإنسان والوجود كله صوب نقطة معينة حيث يعبر الإنسان إلى الضفة الأخرى, قديما قال شاعر مصري قبل أربعة آلاف وخمسمئة عام أثناء عزفه على قيثارته: وهل عاد أحد من هناك ليخبرنا عما رآه؟ كلا, لم يعد أحد من موضع المغيب الأبدي, لكن مع الغناء ثمة وجود جديد يظهر, نتذرى في الكون, من يدري ماذا وراء الباب الغربي الذي تخرج منه, ان الخروج لابد أن يصحبه دخول, فإلى أين, هنا أرتل هذه الآية القرآنية الدالة: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) سورة ق آية 21 هذه الرؤية الخارقة في لحظة الاندثار, أو ما نعتبره نحن موتا, وفي حقيقة الترتيب الكوني ليس إلا انتقالاً من حال إلى حال, وما نعتبره نحن موتا ربما يكون ولادة, فكيف نصعد إلى الآتي بدون الماضي, لكن هل الآتي آت حقا؟ قبل محاولة الاجابة أو قبل تلمس الاسباب, أقول بما أدركته بعد سنوات من التفكير والتمعن والمعاناة أيضا, كان لابد أن يمضي وقت طويل حتى أدرك أن الدهر أو العصر أو الزمن, ليست هذه الاسماء كلها إلا اشارات لتلك القوة التي تطوينا ولا نطويها, توجدنا ولا نوجدها, تفنينا ولا نقدر على إفنائها, لكن مثل البشر أجمعين, لا يهدأ البال, فمازلت أطرح الاسئلة. ما الزمان؟ ما المكان؟ رغم وعي الاتم أن كل شيء يمضي إلى فناء, لكنني أحاول أن أترك علامة, ما أكتبه تلك العلامة, ما من قوة انسانية تحاول جاهدة قهر هذا الفناء المستمر, هذا الندم المؤكد, الحتمي, لا يقهره إلا الابداع! هذا ما أدركه الانسان منذ فجر البشرية, عندما كان يتطلع إلى الشمس الغاربة وهو ليس على يقين من عودتها مرة أخرى, عندما يخلو بنفسه في الكهف فيرسم على الجدار ما يخشاه, ما يتخيله, ما تبقى في ذاكرته. هكذا يبدو جوهر الحضارة المصرية القديمة, إنه قهر العدم بالابداع, بالرسم, بالعمارة, بالحروف التي اعتبرها عمارة المعاني, يرفض العدم, كان الكهنة يصيحون في وجه الميت قبل دفنه بعد تحنيط الجثمان: (انتبه .. أنت لست بميت) هكذا كان الزمن محور الحضارة المصرية القديمة والفكر القديم, كان الميت يدفن مع حاجاته الشخصية حتى يستخدمها عند عودته مرة أخرى إلى الحياة. هكذا كان الزمن محور الشعر العربي كله ومفتاح فهمه, يبدأ الشاعر القديم بالبكاء على الطلل, ليس البكاء على الاطلال إلا تجسيد لذلك الاحساس الانساني القوي بالفناء الحتمي, ومحاولة تجاوزه بالابداع, يمكنني القول ان محور أي مبدع فني عظيم هو(الزمن) . في المتحف المصري بالقاهرة ترقد المومياوات الملكية في قاعة متواضعة الآن, الملك سقن رع الذي لقى مصرعه وهو يحارب الهكسوس الذين احتلوا مصر قدرا من الزمن, نراه نائما بألم الجرح وآثاره, الكسر في الجمجمة, وانفراجة الاسنان, يده المتشنجة في نفس الوضع الذي اتخذته لحظة الاصابة. تلك اللحظة التي احتفظ لنا ببعض آثارها ذلك المحنط المجهول. تلك اللحظة جوهر ما يعنيني. إعادة روايتها, إعادة حكي ما تضمنته, أقصى ما جرى هناك, وأنا هنا. ما يعنيني أولئك المجهولين الذين مضوا عبر عصور مختلفة, استحضر مجمل تجاربهم, ربما لا يبقى من عصر كامل إلا قطعة حجر أو سطر دال, ربما لا يتبقى من حضور امبراطورية كاملة إلا بعض الفاظ لا يدركها إلا علماء اللغة, إن الابداع الانساني هو الجهد الكوني البشري النبيل, لمواجهة الفناء المستمر. ما الزمان؟ ما المكان؟ قيل قديما ان الزمان مكان سائل, والمكان زمان متجمد, والحقيقة إنهما عرضان لشيء واحد, يمكن أن نسميه الوجود. لنتذكر لحظة مرت بنا, لابد أن تقترن بمكان ما. لنجرب تذكر موضع مررنا به. لابد أن يقترن بلحظة مجردة. أعي مرور الوقت, دائما في مغادرة, من لحظة إلى لحظة, ليس الآن إلا نقطة في الخط المنطوي. الآن يفلت باستمرار. حتى بلوغي العشرين من العمر كنت اتساءل فقط, اتساءل كثيرا واعاني قليلا, كان ما يبدو أمامي أكثر, وعندما يطول التطلع إلى الآتي لا ينشغل المرء كثيرا بالفائت. في الثلاثينيات يبدأ الالتفات إلى ما انقضى بدأت أعي أكثر فناء اللحظات, عبور الانسان تلك (الآن) التي تطويه طيا, تتضمن ثنائية الحياة والموت, الموت نشط فينا, متضمن في خطانا, وعند لحظة معينة يسود. في العقد الرابع تمضي السنوات أسرع, مع التقدم في العمر يزداد الايقاع سرعة, ينتبه الانسان فجأة فيجد أن العقد الخامس قد حل وتتسارع الوتيرة. حقا ما أقصر الفرصة المتاحة, لذلك كان أملي دائما أن تكون الفرصة المتاحة أفضل, أقل معاناة بالنسبة لسائر البشر, على الاقل الحد الادنى, من الحاجات الانسانية الروحية والمادية.