هناك متزمتون في كل زمان ومكان. وظيفتهم التضييق على الناس والحجر عليهم فيما أباحه الله لهم. وكل شيء عند هؤلاء المتزمتين حرام وضلالة وإثم ومعصية. البسمة غير مسموح بها. والضحكة قلة قيمة. والهزل الذي تستجم به النفس حتى تقوى على الباطل معصية تستوجب التعنيف والتقبيح. وإذا خرج كاتب عن موضوعه على سبيل الاستطراد الذي يدفع الملل فقد أثم إثما كبيرا, خصوصا إذا خلط الجد بالهزل, أو تنقل بينهما, كأن الحياة جد خالص ووجه عبوس ممتد. وتراثنا العربي الإسلامي ملئ بأمثال هؤلاء المتزمتين الذين يفسدون على الناس حياتهم, ولا يزالون إلى اليوم يمارسون ترويع الناس بتعاليمهم التي لا علاقة لها بسماحة الدين بأي حال من الأحوال. وقد كان ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276 للهجرة واحدا من المؤلفين الذين يضيقون بهؤلاء المتزمتين, خصوصا انه كان من أعلام المتابعين للسلف في عصره, وألف في موضوعات دينية كلامية مهمة, يدافع فيها عن صحيح الدين من وجهة نظر أهل السلف. وكما كان الجاحظ أحد فرسان المعتزلة من أهل العقول والابتداع. وذلك هو سر تفتحه ورحابة كتاباته, كان أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة أحد فرسان أهل السلف, بل أبرزهم في الربع الثالث من القرن الثالث للهجرة. ورغم ذلك لم يسترح لتزمت المتزمتين, وأعرب عن رأيه فيهم في مقدمة (عيون الأخبار) . وكتاب (عيون الأخبار) واحد من كتب الأدب بمعناها القديم الذي يجعل من كلمة الأدب مرادفة للأخذ من كل شيء بطرف, ومن ثم مرادفة لاصطلاح الثقافة العامة الذي نستخدمه هذه الأيام. وبالفعل, فالكتاب موسوعة كبيرة في الثقافة العامة, وينقسم إلى عشرة كتب فرعية, تدور موضوعاتها حول السلطان والحرب والسؤدد والطبائع والأخلاق المزمومة والعلم والبيان والزهد والاخوان والحوائج والطعام وأخيرا النساء. ومن يقرأ الكتاب يخرج بتصور واضح عن معنى الثقافة في ذلك العصر, ويغدو متأدبا بالمعنى الذي كان شائعا في القرن الثالث للهجرة. وهذا هو السر في اقتران كتاب (عيون الأخبار) بكتاب (البيان والتبيين) للجاحظ وكتاب (الكامل) للمبرد, وكلهم من مؤلفي القرن الثالث, وكتبهم كانت عدة المتأدب في ذلك الزمان الذي كان يستخدم كلمة (المتأدب) للدلالة على ما نشير إليه في زماننا بكلمة (المثقف) . وقد كانت الثقافة العامة في ذلك الزمن القديم تشمل كل ما ينبغي أن يعرفه الإنسان ليتمتع بدنياه كأنه يعيش أبدا, ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا. وكان ذلك يعني الخوض في كل شيء دون حياء أو خجل, حتى الجنس الذي وضعناه نحن في أقماع السماسم وحرمنا الحديث فيه كان موضوعا من موضوعات الثقافة العامة التي لا يجد أمثال ابن قتيبة من أعلام مذهب أهل السلف - حرجا في الخوض فيها, والحديث عنها, خصوصا في كل مجال من مجالات الحياة التي يمكن أن يدخل الجنس فيها. ولذلك لم يتحرج ابن قتيبة من الخوض في حديث الجنس, ومن رواية الحكايات الفكهة المرتبطة بأدق أسرار العلاقة بين الرجل والمرأة, تماما كما لم يتحرج من قبله ومن بعده أتقياء المسلمين. وأضاف ابن قتيبة إلى الجنس - كما أضاف غيره من السابقين واللاحقين - توابل أخرى من توابل الحياة التي تندرج في أبواب الباطل المفيد, اشارة إلى القول المتوارث عن إجمام النفس ببعض الباطل حتى تقوى على الحق. لكن مذهب ابن قتيبة وعشرات غيره من تراثنا الاسلامي لم يكن يعجب بعض المتزمتين الذين شددوا على أمثاله الهجوم, فكان على ابن قتيبة أن يحتاط لهم منذ بداية كتابه. وأن يرد على ما يمكن أن يصدر عنهم من هجوم عليه بعد نشر الكتاب وتداوله. ولذلك أوضح أن كتابه ليس وقفا على طالب الدنيا دون طالب الآخرة, ولا على خواص الناس دون عوامهم. ولا على ملوكهم دون سوقتهم, وانه وفى كل فريق منهم قسمه, وأورد كلام الزهاد كما أورد النوادر اللطيفة والمضحكة. هدفه من ذلك الترويح عن القارئ من كد الجد واتعاب الحق فإن الأذن مجاجة والنفس حمضة فيما يقول, والمزح إذا كان حقا أو مقاربا وفي أوقاته وأسبابه فليس من القبيح ولا من المنكر ولا من الكبائر ولا من الصغائر إن شاء الله. ولا يكتفي ابن قتيبة بذلك وإنما يتوجه بخطابه إلى القارئ المتزمت الذي يترصد كتابات الآخرين كي يجد فيها ما يبيح له الطعن في دينهم وأخلاقهم. فيقول له الجمل التي أنقلها كما هي على النحو التالي: (سينتهي بك كتابنا إلى باب المزاح والفكاهة وما روي عن الأشراف والأئمة فيهما. فإذا مر بك, أيها المتزمت, حديث تستخفه أو تستحسنه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أردنا به. واعلم انك ان كنت مستغنيا عنه بتنسكك فإن غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه محتاج إليه, وان الكتاب لم يعمل لك دون غيرك فيهيأ على ظاهر محبتك, ولو وقع فيه توقي المتزمتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه ولأعرض عنه من أحببنا أن يقبل إليه معك. وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين, وإذا مر بك حديث فيه افصاح بذكر عورة أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك وتعرض بوجهك فإن أسماء الأعضاء, لا تؤثم وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب) . ويمضي ابن قتيبة في مخاطبة القارئ المتزمت, مؤكدا ان ذكر الأعضاء الجنسية لا جناح عليه في موضعه, مستشهدا على ذلك بأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما, لا أستطيع أن أنقلها هنا, ولا أظن ان الرقابة تسمح بها في هذا الزمان الذي نعيشه, فليراجعها في مقدمة (عيون الأخبار) من يريد التأكد منها, ومن ثم التأكد من رحابة صدر القدماء في أمور لا يزال يضيقها ويحرمها المتزمتون في كل زمان ومكان. ومن هذه الأمور التي يشير إليها ابن قتيبة الحكايات والقصص, خصوصا ما يؤكده من ان التزمت في رواية القصص يذهب بحلاوة التعريض ويقضي على الكنابة في السرد, والأفضل في هذا النوع من الكلام الجري على عادة السلف الصالح في ارسال النفس على سجيتها والرغبة بها عن الرياء والتصنع. وما ينطبق على الحكايات والقصص ينطبق على الكلام العامي أو الملحون إذا مر في أحاديث النوادر, فالاعراب فيه مفسدة له, والعامية فيه واجبة, وأي ترجمة للغته اضاعة لحسنه وقضاء على طلاوته وحلاوته. ولا يقنع ابن قتيبة بتوضيح هذه الأمور, وإنما يضيف إليها غيرها الذي يتعلق بأسلوبه الخاص في أساليب. ولا يكاد يترك شيئا يتوقع أن يغمزه فيه هذا القارئ المتزمت الذي يتوقعه إلا ويرد عليه بما يحبط توقعاته. ولا شك ان ابن قتيبة يفيد في ذلك من ثقافته الكلامية وطرائق الجدال التي تعلمها من خصومه المعتزلة الذين اتصل بهم في شبابه, قبل أن ينصرف عنهم وينقلب عليهم. بعد انقلاب الخليفة المتوكل على المعتزلة ومناصرته لأهل السنة عليهم, خصوصا بعد أن صنعوا ما صنعوا في المحنة التي سجنوا فيها الفقيه السني أحمد بن حنبل ظلما وعدوانا. ولا أريد أن أستطرد في هذا الجانب, فما إليه قصدت, وإنما إلى توضيح انه حتى ابن قتيبة الذي مال إلى الحنابلة, ووقف مدافعا عن مذهب أهل السلف, وكتب عن تأويل مشكل القرآن الكريم ومختلف الحديث الشريف, لم يجد حرجا في أن يهزل وفي أن يروي حكايات للجنس فيها نصيب كبير, وأن تصل به رحابة الصدر إلى عدم التحرج من ذكر الأعضاء الجنسية التي رأى ان ذكرها ليس إثما بحال. وكان في ذلك كله متبعا عادة السلف الصالح في ارسال النفس على سجيتها والرغبة بها عن الرياء والتصنع. ولذلك يلتفت ابن قتيبة إلى هذا القارئ المتزمت كما لو كان يواجهه مواجهة أخرى بقول تحذيري مؤداه: لا تستشعر, أيها المتزمت, أن القوم قارفوا وتنزهت, وثلموا أديانهم وتورعت. لانه أنت الذي تزمت فيما لم يتزمت فيه السلف الصالح, وتعصبت فيما تسامح فيه من هو أفضل منك عند الله, فاترك ما يفرح به الناس وما يرونه عونا لهم على الحياة التي لا معنى للجد فيها من غير لهو وفرح ومرح.