يضيق الخناق حول الفرد ويزداد عدد الأطواق حول عنقه كلما التزم الوحدة والانفراد بها طريقا لحياته وأسلوبا اختياريا لقضاء العمر المتبقي. وإذا كان الشرقي يتميز دائما بالميل نحو بناء الأسرة سواء في وقت مبكر من العمر أو وقت متأخر, ففي النهاية, تكون النتيجة البحث عن أحضان الأسرة بعيدا عن أحضان الوحدة التي أخذت زمنا لا بأس به مقارنة بسنوات عمر الإنسان. ومع تزاحم متطلبات العمر نشتكي ونشكو في آن واحد من صعوبة إنشاء الأسر كما كنا في السابق القريب, فالانشغال الدائم بترتيب الأولويات جاء على حساب معرفة الأولوية الصحيحة للبناء الجديد, وتسمع دائما للنداء القادم من عدة جهات تحذر من التفريط في ترك حبل الأسرة الذي عليه عبء الحفاظ على الجميع. وكانت الشماعة الغربية متمثلة أمامنا كلما راودنا احساس داخلي بضعف الروابط الأسرية أو بعدم التفكير في عقد روابطها من الأساس. وإذا كان هذا ديدن الاقتباس الخاطئ من الآخرين فالملام الأول والأخير هو من اختار ذلك الطريق بما فيه من عثرات, الأهم هو تجاوزها واستدراكها لصالح كل فرد. وبما ان رتم الحياة البشرية لا يلتزم بالثوابت لانه يتمرد عليها كلما وجد سانحة تلوح من بعيد لركوب سلم المتغيرات, فبعد أن شبعنا من سماع موجة البحث عن الفردية المتوحشة عاد الحديث من جديد من خلال الأبحاث العلمية الرصينة يدق جرس التغيير الايجابي تجاه البحث عن حياة أسرية هادئة وهانئة تضفي على المتمسك بها جوا من الاستقرار الذي انفلت من اساره لعقود طويلة تحت دواعي التطوير والتحديث والتمدن. وتقع أعيننا اليوم على أحدث دراسة أمريكية تكشف النقاب عن ان الأمريكيين خلال المرحلة العمرية ما بين العشرين إلى التاسعة والثلاثين يضعون استقرار الأسرة ومستقبلها في مقدمة اهتماماتهم. وأشار (مركز رادكلاف الأمريكي) في أوسع دراسة من أنواعها حول مجالات العمل وتأثيرها على العلاقات الأسرية أجريت على نحو أربعمئة واثنين وثمانين رجلا وخمسمئة وستة وعشرين سيدة إلى اجماع أكثر من اثنين وثمانين في المئة من الرجال على أهمية العلاقات الأسرية والوقت الذي يقضونه مع أولادهم. ومن أجل تحقيق هذا الهدف أعرب واحد وسبعون في المئة من الرجال المشاركين في الدراسة عن موافقتهم على تخفيض ساعات العمل والتخلي عن جزء من رواتبهم لقضاء فترات أطول مع الأسرة, فالعودة إلى شعار (الأسرة أولا) بدأ يفرض نفسه على الحياة الغربية التي سببت في تأخير سلم أولويات الحياة الاجتماعية. د. عبدالله العوضي E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae