تسود في حياتنا الفكرية خاصة والثقافية بوجه عام, مسألة مهمة هي, عدم الدقة في استخدام المصطلح, وعدم وجود دراية كلية بمعطيات المفاهيم, انما نحن نتلقاها عن طريق الترجمات العاجلة وغير المتأنية دون مراجعة لأبعاد معانيها ومقاصدها. ومن هذه المفاهيم السائدة في الحياة السياسية والفكرية, استخدام مفهوم (الشرق اوسطية) . ويقف د. غازي حسين لتأمل هذا المفهوم ومراجعة اصوله ومغزاه وذلك من خلال كتاب اصدره بعنوان: (الشرق اوسطية: اسرائيل عظمى) , ويرى ان فكرة (الشرق اوسطية) : (صهيونية المنشأ, اسرائيلية التخطيط والتنظيم) وقد اخذت هذه الفكرة مداها الواسع عربيا ودوليا بدراية او بدون دراية, حتى اصبح تداولها منتشرا على مساحة اعلامية واسعة, وقد سعت الولايات المتحدة الامريكية لترويج هذه الفكرة وجعلت منها مشروعا مستقبليا قابلا للتنفيذ, بعد ان اصبح شائعا وحتى تقليديا. والسبب الرئيسي الذي يدفع امريكا ودول الغرب لاشاعة هذا المفهوم والتأكيد عليه يعود الى ان المقصود بـ (الشرق اوسطية) منطقة واسعة تشمل: (سوريا ولبنان والعراق ومصر ودول الخليج وتركيا وايران والاردن) ودعا الخبير الامريكي في شئون (الشرق الاوسط): برنارد لويس الى توسيع الرقعة لتشمل اضافة الى ما ذكر: (اثيوبيا, ارتيريا, الجمهوريات الاسلامية في اسيا الوسطى) . ومثل هذه التحديات, تصب فيما اطلق عليه الان (النظام العالمي الجديد) او (العولمة) وذلك عن طريق احتواء دول العالم, وتحويلها الى كيانات او بلدان او قرى داخل العالم الجديد والذي ينظر اليه المفكر الكندي: مارشال ماكلوهان والقائل: (ان كرتنا الارضية في سبيلها الى ان تصبح قرية كبيرة) وبات قوله هذا معروفا, يستشهد به كثرة من المفكرين الاستراتيجيين العرب والاجانب على حد سواء, دون تدقيق وانتباه الى ما يعنيه ماكلوهان هذا. هذه الفكرة ليست جديدة في ذاكرة الصهيونية العالمية, فقد سعت اليها وأعدت الخطط لتنفيذها. ويرى د. غازي حسين ان هذه الخطط يمكن ايجازها بمرحلتين الاولى تهجير اليهود الى فلسطين العربية, وترحيل معظم سكانها العرب وتحقيق التوسع والاستيطان بالعنف والارهاب والمجازر الجماعية والحروب العدوانية. والثانية تسخير الدبلوماسية والمفاوضات المباشرة, والانتقال من الغزو الاقليمي الى الغزو الاقتصادي. اما (النظام الاقليمي الجديد) فقد حقق اهدافه في التفوق العسكري (الاسرائيلي), والهيمنة الامنية والسياسية لـ (اسرائيل), وجعلها بوابة عبور للشركات الامريكية, وفرض هيمنتها على المنطقة, وتصفية التراث الايديولوجي السياسي والثقافي العربي, وايجاد تحالفات ثنائية عربية مع (اسرائىل). في وقت تسعى امريكا لاضعاف القوة العسكرية العربية, وتدمير اقتصادها وتبديد الثروة العربية. ومنذ الاربعينيات بدأ الصهاينة مشروعهم في وضع فلسطين داخل نظام اقليمي شرق اوسطي بهدف تذويب الشخصية العربية الفلسطينية, بينما يمتد العمق العربي الى جذر يتجاوز الـ 1500 عام. ويرى المؤلف ان (اسرائىل ترمي من خلال فرض تصوراتها في الاتفاقات والمشاريع مع الاطراف العربية الى ان تصبح المركز القائد للنظام الجديد في المنطقة وستنجح عن طريق انضمام تركيا وايران واثيوبيا ـ في المستقبل ـ الى محاصرة النظام العربي بأنظمة غير عربية, وهذا ما حصل فعلا في الاعوام الاخيرة حيث توضحت العلاقة بين تركيا والكيان الصهيوني واثيوبيا, ودعوة ودعم امريكا للمفاوضات وعملها الدؤوب لعدم ايجاد اي سبيل لفشل المفاوضات بين (اسرائيل) والعرب.. ذلك ان الكيان الصهيوني يمثل بالنسبة لامريكا قاعدة استراتيجية يمكن ان توجه من خلالها ضربات مؤثرة ضد اي بلد عربي او اجنبي لا يستجيب للعالم الجديد الذي تدعو الى رسم صورته المستقبلية وتنفيذ وجوده على نحو يناسبها! وحين يغيب دور الامم المتحدة في عمليات التفاوض, تبرز حقيقة الدور الذي تلعبه امريكا عبر (اسرائىل) وفق علاقة متينة واضحة الاهداف. وضح المؤلف السياسات الاقتصادية التي اتبعتها (اسرائىل). ويكشف د. غازي حسين عن مخاطر هذا النظام او الفكرة المراد تنفيذها باسم (الشرق اوسطية) مؤكدا ان اقامة مثل هذا النظام من شأنه ان يجعل الكيان الصهيوني (دولة عظمى في المنطقة ومركز اليهودية العالمية للسيطرة على العالم) , ومع ان مثل هذا النظام قد يكون متعدد الطوائف والاعراق, الا ان القيادة ستظل بيد الكيان العنصري الصهيوني, وذلك بدعم من امريكا التي تشجع يهود العالم لترك بلدانهم والاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة, في حين لا يواجه العرب هذا المخطط الصهيوني ـ الامبريالي بموقف عربي موحد, بل بثلاثة مواقف يحددها المؤلف كما يلي, الاول: ينادي بأن البديل عن النظام الاقليمي الجديد, هو النظام العربي, وان البديل عن السوق الشرق اوسطية هي السوق العربية المشتركة. والثاني: ينادي باقامة نظام عربي جديد ينطلق من مبدأ التعاون والتضامن والتنسيق العربي اخذا بعين الاعتبار الواقع العربي الراهن. والثالث: موافقة عدد من البلدان العربية على التفاوض مع الكيان الصهيوني: كمقدمة لاقامة النظام الاقليمي والسوق الشرق اوسطية, (الذي صدر عن اسرائيل وتبنته الولايات المتحدة, وسوقته للدول الاوروبية) . ان مؤلف هذا الكتاب, وان يخلص في نهاية الامر الى مسألة استحالة صمود فكرة الشرق اوسطية, الا انه لا ينفي امكانية قيامها وذلك بسبب الدعم الامريكي, وموافقة عدد من الاطراف العربية التي وصلت حالة اليأس والاحباط عندها الى اقصى حدودها, او تواطئها مع المخطط الصهيوني ـ الامريكي.