ربما كانت معظم الصحف العربية وخصوصا المحلية منها الصادرة بحلب وعلى اختلاف اتجاهاتها الفكرية تشير الى الصعوبات التي كانت تعترض طريقها في بدايات اصدارتها وذلك في اوائل القرن الماضي, وهذا ما كان يضطرها للتوقف احيانا والاحتجاب لفترة قصيرة او مؤقتة واحيانا طويلة او التوقف نهائيا عن الصدور. والميزة التي كانت تتمتع بها الصحف الحلبية آنذاك انها كانت تصدر بجهود فردية نابعة من حماس اصحابها لنشر افكارهم ومن اجل الدفاع عن اتجاهاتهم المختلفة وذلك في مناخات ديمقراطية حرة, وحلب هذه المدينة العريقة لم تكن بعيدة الحركات السياسية والثقافية العربية منها والدولية واصداء التيارات الفكرية المختلفة كانت تصل اليها سريعا وكانت تجد لها صحفا مؤيدة واخرى معارضة. في محاولة منا لاستعراض اثر الصحافة الحلبية وتأثرها بتيارات الصراع الفكري الناشطة آنذاك يمكننا ان نسلط الضوء على مجلة (الحديث) التي اسسها سامي الكيالي في حلب والتي كانت من اوسع المجلات انتشارا وانفتاحا على الوطن العربي وكان لها دورها في خلق الصلة مع اعلام الفكر العربي, فقد كانت تنشر آراءهم على صفحاتها اليومية وابحاثهم وذلك في ظروف لم تكن آنذاك اكبر الصحف العربية تجسر على ان تفعل ذلك. وهي كما يشير مؤسسها تمثل تيار الحداثة حيث رفض سامي الكيالي في مشروعه الصحفي هذا التقليد وانكر التراث وطالب بالانفتاح على الغرب, وكانت تصدر ايضا مجلة (تحرير المرأة) 1930 ـ 1932 التي اسستها نديمة المنقاري التي تعتبر رائدة من رائدات النهضة النسائية العربية الحديثة وهذه المجلة الحلبية التي انفتحت على التيارات الفكرية المتفاعلة آنئذ في الوطن العربي عنيت بشئون المرأة العربية وكانت صلتها بحركة تحرير المرأة العربية التي قادها قاسم امين قوية جدا وهذه المجلة توقفت عن الصدور نتيجة احتدام الصراع بين انصار المرأة ومعارضيها ثم عادت للصدور ثانية في اواخر الاربعينيات. اما مجلة الضاد لمؤسسها شكرالله شلحت وعبدالله يوركي حلاق 1931 كانت وما زالت مهتمة بشئون الثقافة وادب المهجر وهي الوحيدة التي تصدر حتى يومنا هذا باشراف رياض يوركي حلاق. في حين كانت هناك العديد من الصحف الارمنية مثل (المراسل السوري) 1922 والصحيفة السورية 1922 ـ 1927 وصحيفة (هوسيسيك) 1922 و (كريستابور ـ 1940) اما مواضيعها فكانت تدور في فلك واحد وهو التغني بالوطن الام والحنين اليه اما الصحف التركية المعارضة لانقلاب الكمالي ومؤسسوها اتراك (لاجئون سياسيون) فكان منها شفق 1921 لزكريا رضا ودوجريول 1930 لجلال قدري الذي اصدر فيما بعد جريدة السلام عام 1928. اما النشرات والمجلات الدينية او الطائفية فكثير منها كان يبحث في القضايا المذهبية الخاصة بطائفة ما, وباخبارها الاجتماعية من زواج وعماد ووفاة, او بنشر قوائم بالتبرعات التي تقدم للكنيسة وبأسماء اصحابها. وقليل من هذه المجلات الدينية اهتم بالقضايا العامة, وكانت له ملامح فكرية محددة. مجلة (الكلمة) 1942 التي كانت لسان حال مشاريع الكلمة الخيرية رغم انها حفلت بما حفلت به النشرات الدينية من اخبار اجتماعية, الا انها خرجت عن هذا الاطار احيانا الى الخوض في القضايا العامة, وخصوصا الادبية والاجتماعية, وانفتحت فيما بعد على ادب المهجر, ثم ان لها سمتها في الدفاع عن مؤسس مشاريع الكلمة ورئيسها الأب بولس قوشاقجي, حين تعرض لضغوط من رجال الدين, والدفاع عن خلفه المحامي فتح الله الصقال. واتسمت (المرسح) (1921 ـ 1928) التي اسسها نجيب كنيدر بوقوفها الى جانب (الكلمة) وبمعارضتها لموقف رجال الدين, ولبعض ممارساتهم. اما مجلة (رسالة العمال) (1935 ـ 1958) التي انشأها الاب ميخائي آجيا, لتنطق باسم اخوية العمال فقد تميزت, بمعارضة التيارات الاشتراكية المحلية, والمذهب الشيوعي العالمي, في حين نجد (الشهباء) على لسان صاحبها الاب سعد, تنفرد بالتأييد المطلق للنظرية الفاشية, ومؤسسها موسوليني, وبالترويج لمبادئها وشرح فلسفتها. اما الصحف الاجتماعية فكان منها صحيفة (على كيفك) (1927 ـ 1928) لمحمد فهمي الحفار كان لها دور في معارضة الانفتاح على الغرب والحث على استبعاد العادات الجديدة وممانعة اي تطور يطرأ على مسار الحياة الاجتماعية وقد برز فيها ولأول مرة قلم محمد معروف الدواليي. بعض الصحف كان تتنطق بلسان حزب ما, منها جريدة الوطن (1920) وجريدة الاهالي (1928 ـ 1942) وكلتاهما لشاكر نعمت الشعباني, الاولى تمثل الحزب الوطني الديمقراطي الذي اسسه الشعباني في عام 1920 والثانية تمثل الحزب الوطني السوري الذي اسسه الشعباني ايضا في عام 1928, وكانت تؤيد بعض الاحزاب الدمشقية (كحزب الشعب) المساند لعبدالرحمن الشهبندر, وتقف موقف العداء من الكتلة الوطنية. وكانت جريدة (الترقي السوري) (1923 ـ 1925) لبهاء الدين الكاتب ومحمد طاهر سماقية وهي لسان حزب الترقي السوري الذي اسساه في حلب لكن هذا الحزب كان محدود النشاط, وقد توقفت جريدته عن الصدور عام 1925 حين اصدر سماقية جريدته الثانية (الوقت) (1925 ـ 1958) التي كانت متعددة الانتماءات الفكرية, لأنها لم تكن تعبر الا عن ميول صاحبها. في حين جاءت جريدة (الجهاد العربي) عام 1946, لتنطق باسم الحزب العربي القومي الذي اسسه رشاد برمدا وظافر رفاعي وتنشر مبادئه, وكانت هذه الجريدة امتدادا لجريدة الجهاد لمحمد فهمي الحفار. اما حزب الشعب الذي يعود تأسيسه لعام 1925 برئاسة عبدالرحمن الشهبندر وفارس خوري الذي كان من اعضائه البارزين فقد اصدر صحيفة ناطقة باسمه هي (المفيد) وبما ان حزب الشعب من المعارضين لحكومة صبحي بركات وسياستها الموالية للفرنسيين في تلك المرحلة فكان لا بد ان يدور الصراع بين (المفيد) من جهة وبين جريدة (الزمان) المؤيدة لحكومة بركات وانتقل هذا الصراع الى الصحف الحلبية فوقفت صحيفة (الاهالي) وصحيفة (تاج) مع جماعة حزب الشعب وعارضتهم صحيفة على كيفك المؤيدة ايضا لحكومة بركات. في حين كان للكتلة الوطنية التي عقدت مؤتمرها الوطني في بيروت عام 1926 برئاسة هاشم الأتاسي وكانت جريدتها (النذير) لسان حالها في حلب لمؤسسها احمد قنبر (1936 ـ 1958) وكان لها ايضا مؤيدوها من الصحف الحلبية مثل جريدة (الوقت) ومجلة (الجامعة الاسلامية) والدستور (1943 ـ 1952) لحسام الدين الخطيب. حلب ـ عثمان عثمان